ألفريد دو موسيه... شاعر قتله الحب

كتب بعضاً من أجمل القصائد الغنائية التي عرفتها اللغة الفرنسية

ألفريد دو موسيه - غلاف «ساند وموسيه» - غلاف «الأعترافات»
ألفريد دو موسيه - غلاف «ساند وموسيه» - غلاف «الأعترافات»
TT

ألفريد دو موسيه... شاعر قتله الحب

ألفريد دو موسيه - غلاف «ساند وموسيه» - غلاف «الأعترافات»
ألفريد دو موسيه - غلاف «ساند وموسيه» - غلاف «الأعترافات»

كبودلير، لم يعش ألفريد دو موسيه طويلاً. فقد ولد في باريس، عام 1810، وفيها مات عام 1857 عن عمر يناهز السابعة والأربعين عاماً فقط. وبين هذين التاريخين، دارت حياته بشكل هادئ أحياناً، عاصف في معظم الأحيان. والواقع أنه دخل أفضل المدارس الفرنسية في باريس، كثانوية هنري الرابع مثلاً. وذلك لأنه كان ينتمي إلى طبقة الأرستقراطية الفرنسية التي لا ترسل أبناءها إلا إلى أفضل المدارس. ثم قرر بعدئذ دخول كلية الحقوق في الجامعة، ثم دراسة الطب. ولكن دراسة التشريح في الكلية جعلته يشعر بالرعب، فترك هذا الاختصاص وراح يتسكع في شوارع السان جيرمان دي بري. وحسناً فعل. وهذا ما حصل لي شخصياً في جامعة حلب يوماً ماً. فقد دخلت قاعة التشريح مرة واحدة عام 1969، ولم أعد. وقلت بيني وبين نفسي: مستحيل أن أصبح طبيباً. لحسن الحظ، فإن ميولي الأدبية كانت جارفة، ولم أتحسر إطلاقاً على عدم مواصلة دراسة الطب. فقد عدت إلى تشريح القصائد، بدلاً من تشريح البشر. ثم عرَّفه أحدهم على فيكتور هيغو والحلقة الرومانطيقية الملتفة حوله. وراح ينخرط في دراسات أدبية ومناقشات فلسفية لها بداية وليس لها نهاية. كما راح يتعرف على الصالونات الأدبية الباريسية، ويعشق النساء والحرية والشعر. وهذا أفضل شيء يمكن أن يفعله الإنسان على هذه الأرض. ومنذ أن نشر دواوينه الأولى راح يحقق نجاحات منقطعة النظير. وكان ديوانه الأول بعنوان «نزهة في ضوء القمر»، وهو عنوان رومانسي بامتياز. ولكن نجاحه جلب عليه غضب الحلقة الرومانطيقية التي لم تكن تتوقع أنه موهوب إلى مثل هذه الدرجة. وتعلمون جيداً مدى الحسد الرهيب السائد في أوساط الشعراء؛ إنهم يغارون من بعضهم بعضاً أكثر من السيدات. هل رأيتم امرأة تعترف بجمال امرأة أخرى؟ فقد كاد أن ينافس المعلم، أي فيكتور هيغو، على مكانته في سماء الشعر، وهذا ممنوع منعاً باتاً. ولذلك، انقطعت علاقته بهذه الحلقة الباريسية، وراح يغرّد خارج السرب لوحده.
وفي عام 1833، يحصل له اللقاء التاريخي مع الكاتبة الشهيرة التي اتخذت اسم رجل: جورج صاند. وقد أحبها حباً يفوق الوصف، وتعذب بسبب هذا الحب إلى أقصى حد ممكن. ونتجت عن ذلك أجمل الأشعار والقصائد الرومانطيقية. وربما كانت السبب في موته المبكر لأنها خانته مع رجل آخر وعذبته. فهذه المرأة الجريئة جداً، السابقة لزمانها بكثير، جذبته منذ اللحظة الأولى بعينيها الغامضتين اللتين تصعب مقاومتهما، وقد أحبته هي أيضاً بكل قوة وعنف، وكان حباً جنونياً هائجاً عرفا فيه كل لحظات السعادة وكل لحظات الشقاء. وهذا هو الحب الرومانطيقي الذي لا يمكن أن ينتهي إلا بالفاجعة الكبرى والقطيعة المرة. ويرى بعضهم أنه لكي ينجح الحب ينبغي أن يكون بين العاشقين شيء من التفاوت في المستوى الاجتماعي أو الثقافي. وهذا للأسف شيء لم يتحقق في علاقة الشاعر الكبير بالكاتبة الروائية الكبيرة. فكلاهما كان عبقرياً في مجاله، وكلاهما كان أديباً من الطراز الأول. وبالتالي، كان من الصعب أن يستمر حبهما إلى الأبد. وقد سافرا إلى إيطاليا، كما يفعل العشاق الفرنسيون عندما يريدون أن يعيشوا لحظات السعادة في الحب. سافرا إلى مدينة البندقية، أجمل مكان في العالم بالنسبة لشاعر عاشق وامرأة محبة. ولكن لسوء حظ ألفريد دو موسيه، فإنه وقع صريع الحمَّى والمرض، فأخذوه إلى المستشفى. وهناك، تعرفت جورج صاند على الطبيب الذي جاء لمعالجته، وكان شاباً إيطالياً وسيماً، فوقعت في حبه على الفور، وتركت الشاعر يتحسر عليها في وحدته وهو على فراش المرض. وكان ينتظرها حتى طلوع الفجر لكي تعود من مغامراتها العاطفية مع عشيقها الجديد. فتخيلوا الوضع. وفي أثناء ذلك، كتب ألفريد دو موسيه أجمل قصائد الحب الرومانطيقي في اللغة الفرنسية، وكانت تدعى: «ليالي موسيه» لأنه كتبها أثناء سهره لتلك الليالي. لقد قتلته تلك المرأة اللعوب: جورج صاند!
ثم حصلت القطيعة النهائية بينه وبينها عام 1835؛ أي بعد سنتين من تعرفه عليها. وهكذا، لم يدم هذا الحب طويلاً. والحب الجارف قصير بعمر الزهور. ومع ذلك، فقد ترك هذا الحب في نفسه أعظم الأثر، وظل يتذكرها حتى نهاية حياته. ظلت جرحاً لا يندمل في أعماقه. وقد خرج شاعرنا الكبير من هذه المحنة محطماً تماماً، بعد أن صهرته صهراً. وكتب عندئذ بعضاً من أجمل القصائد الغنائية التي عرفتها اللغة الفرنسية. ألم نقل لكم إن الحب الفاشل أفضل بألف مرة من الحب الناجح؟
وراح ألفريد دو موسيه يشكل فلسفته عن الحب، ويقول: الحب لا يدوم، الحب مهدد بالخيانة يوماً ما، ولكن لحظات الحب لا تنسى، وأجمل شيء في الحب هو الذكرى التي تبقى عنه بعد أن ينتهي. وقد كتب يقول: ربما كانت الذكرى السعيدة على الأرض أكثر جمالاً من السعادة ذاتها. بمعنى أن المثال أفضل من الواقع. فلماذا لا نعيش في عالم المثاليات الوردية؟ بمعنى آخر: ينبغي أن نعيش قصة حب ما ليس من أجلها، وإنما لكي نتذكرها فيما بعد، لكي نجترها باستمرار، لكي نعيش عليها. وهكذا أثبت ألفريد دو موسيه أنه رومانطيقي فعلاً، وأنه يعيش على الذكرى، على اللحظات الهاربة التي مضت وانقضت، ولا يعيش على الحاضر؛ إنه يعيش على ما يدعى في اللغات الأجنبية بـ«النوستالجيا»؛ أي الحنين الجارف إلى الحب المنصرم.
وبدءاً من عام 1840، أخذ الشاعر الكبير يعاني من أمراض كثيرة. فقد تناوبت عليه الأزمات العصبية، والحمى المشتعلة، ومرض القلب. وأدت كلها في نهاية المطاف إلى موته المبكر. ولكن قبل أن يموت بلحظات، فلتت منه هذه العبارة: «أريد أن أنام! أخيراً، سوف أنام وأستريح إلى الأبد». فعلاً، إنه رومانطيقي من أوله إلى آخره. ألا يذكركم بإبراهيم ناجي أو جبران خليل جبران، إلخ؟
ولكنه قبل ذلك، توصل إلى أعلى المناصب الأدبية في فرنسا. فقد انتخب عضواً في الأكاديمية الفرنسية عام 1852 وعمره اثنان وأربعون عاماً فقط. وهذا شيء نادر. ثم كتب ألفريد دو موسيه عدة كتب نثرية مهمة، ولم يقتصر إبداعه على الشعر. وكان أقواها كتاب «اعترافات أحد أبناء القرن». وربما أراد من خلاله مضاهاة اعترافات جان جاك روسو الشهيرة. وفيه يعود إلى قصة حبه مع جورج صاند، ويتحدث في صفحات موجعة قاتلة عن تلك الأيام التي انصرمت وتركت في أعماقه أمر الذكريات وأحلاها. كما يتحدث عن ثقافة عصره وأفكاره وعاداته وتقاليده. وبالتالي، فالكتاب يقدم لنا صورة هامة ليس فقط عن الشاعر وحبه الخائب وإنما أيضاً عن العصر ككل؛ إنه صرخة ألم لأحد أبناء العصر. يضاف إلى ذلك أنه شهادة عميقة على ذلك الجرح الكبير الهائل، أو الخيبة المريرة التي أصابت جيلاً فرنسياً بأسره بعد سقوط النسر نابليون. إنه كتاب يعبر ليس فقط عن حالة غرامية شخصية، وإنما عن مرض العصر كله.
هذا وقد ردت عليه الكاتبة اللعوب بعد موته بكتاب يحمل العنوان التالي: «هي وهو». فرد عليها أخوه بول دو موسيه بكتاب مضاد بعنوان: «هو وهي». وهذا يعني أن قصة حبهما شغلت القرن كله. لقد دمرته ودمرها. وعن هذا الدمار المتبادل نتجت بعض أجمل صفحات الأدب الفرنسي. أبالغ كثيراً إذ أقول إنه دمرها، فالواقع أنها كانت تغير عشاقها كما تغير أحذيتها. ومن هذه الناحية، فهي تشبه المطربة الشهيرة: إديث بياف.

من أقواله المأثورة
من أقوال موسيه المأثورة نذكر هذه العبارة الخالدة: لا شيء يجعلنا عظماء كألم عظيم!
ثم يقول شاعر الرومانطيقية الفرنسية هذه العبارة المهمة: «الشعر مهم، ولكن الموسيقى أهم». وهذا ما يدفعنا إلى طرح السؤال التالي: ما معنى الموسيقى من دون شعر؟ أو بالأحرى: ما معنى الشعر من دون موسيقى وإيقاع؟ الموسيقى هي جوهر الفن والوجود.
ثم يردف قائلاً: «الموسيقى هي التي جعلتني أؤمن بالله»! وهي عبارة هائلة تشكل أكبر دليل على مدى حبه للموسيقى وتعلقه بها. والواقع أن الموسيقى تشكل لغة كونية خالدة يفهمها كل البشر. فأنت لكي تفهم الشعر الألماني بحاجة إلى معرفة اللغة الألمانية، ولكنك لست بحاجة إلى معرفتها إطلاقاً من أجل الاستمتاع بموسيقى موزار، أو بيتهوفن، أو باخ. وبالتالي، فالموسيقى هي لغة الكون كله، فيما وراء جميع اللغات والتراثات اللغوية والثقافية؛ إنها لغة تعلو على كل اللغات.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».