ألفريد دو موسيه... شاعر قتله الحب

كتب بعضاً من أجمل القصائد الغنائية التي عرفتها اللغة الفرنسية

ألفريد دو موسيه - غلاف «ساند وموسيه» - غلاف «الأعترافات»
ألفريد دو موسيه - غلاف «ساند وموسيه» - غلاف «الأعترافات»
TT

ألفريد دو موسيه... شاعر قتله الحب

ألفريد دو موسيه - غلاف «ساند وموسيه» - غلاف «الأعترافات»
ألفريد دو موسيه - غلاف «ساند وموسيه» - غلاف «الأعترافات»

كبودلير، لم يعش ألفريد دو موسيه طويلاً. فقد ولد في باريس، عام 1810، وفيها مات عام 1857 عن عمر يناهز السابعة والأربعين عاماً فقط. وبين هذين التاريخين، دارت حياته بشكل هادئ أحياناً، عاصف في معظم الأحيان. والواقع أنه دخل أفضل المدارس الفرنسية في باريس، كثانوية هنري الرابع مثلاً. وذلك لأنه كان ينتمي إلى طبقة الأرستقراطية الفرنسية التي لا ترسل أبناءها إلا إلى أفضل المدارس. ثم قرر بعدئذ دخول كلية الحقوق في الجامعة، ثم دراسة الطب. ولكن دراسة التشريح في الكلية جعلته يشعر بالرعب، فترك هذا الاختصاص وراح يتسكع في شوارع السان جيرمان دي بري. وحسناً فعل. وهذا ما حصل لي شخصياً في جامعة حلب يوماً ماً. فقد دخلت قاعة التشريح مرة واحدة عام 1969، ولم أعد. وقلت بيني وبين نفسي: مستحيل أن أصبح طبيباً. لحسن الحظ، فإن ميولي الأدبية كانت جارفة، ولم أتحسر إطلاقاً على عدم مواصلة دراسة الطب. فقد عدت إلى تشريح القصائد، بدلاً من تشريح البشر. ثم عرَّفه أحدهم على فيكتور هيغو والحلقة الرومانطيقية الملتفة حوله. وراح ينخرط في دراسات أدبية ومناقشات فلسفية لها بداية وليس لها نهاية. كما راح يتعرف على الصالونات الأدبية الباريسية، ويعشق النساء والحرية والشعر. وهذا أفضل شيء يمكن أن يفعله الإنسان على هذه الأرض. ومنذ أن نشر دواوينه الأولى راح يحقق نجاحات منقطعة النظير. وكان ديوانه الأول بعنوان «نزهة في ضوء القمر»، وهو عنوان رومانسي بامتياز. ولكن نجاحه جلب عليه غضب الحلقة الرومانطيقية التي لم تكن تتوقع أنه موهوب إلى مثل هذه الدرجة. وتعلمون جيداً مدى الحسد الرهيب السائد في أوساط الشعراء؛ إنهم يغارون من بعضهم بعضاً أكثر من السيدات. هل رأيتم امرأة تعترف بجمال امرأة أخرى؟ فقد كاد أن ينافس المعلم، أي فيكتور هيغو، على مكانته في سماء الشعر، وهذا ممنوع منعاً باتاً. ولذلك، انقطعت علاقته بهذه الحلقة الباريسية، وراح يغرّد خارج السرب لوحده.
وفي عام 1833، يحصل له اللقاء التاريخي مع الكاتبة الشهيرة التي اتخذت اسم رجل: جورج صاند. وقد أحبها حباً يفوق الوصف، وتعذب بسبب هذا الحب إلى أقصى حد ممكن. ونتجت عن ذلك أجمل الأشعار والقصائد الرومانطيقية. وربما كانت السبب في موته المبكر لأنها خانته مع رجل آخر وعذبته. فهذه المرأة الجريئة جداً، السابقة لزمانها بكثير، جذبته منذ اللحظة الأولى بعينيها الغامضتين اللتين تصعب مقاومتهما، وقد أحبته هي أيضاً بكل قوة وعنف، وكان حباً جنونياً هائجاً عرفا فيه كل لحظات السعادة وكل لحظات الشقاء. وهذا هو الحب الرومانطيقي الذي لا يمكن أن ينتهي إلا بالفاجعة الكبرى والقطيعة المرة. ويرى بعضهم أنه لكي ينجح الحب ينبغي أن يكون بين العاشقين شيء من التفاوت في المستوى الاجتماعي أو الثقافي. وهذا للأسف شيء لم يتحقق في علاقة الشاعر الكبير بالكاتبة الروائية الكبيرة. فكلاهما كان عبقرياً في مجاله، وكلاهما كان أديباً من الطراز الأول. وبالتالي، كان من الصعب أن يستمر حبهما إلى الأبد. وقد سافرا إلى إيطاليا، كما يفعل العشاق الفرنسيون عندما يريدون أن يعيشوا لحظات السعادة في الحب. سافرا إلى مدينة البندقية، أجمل مكان في العالم بالنسبة لشاعر عاشق وامرأة محبة. ولكن لسوء حظ ألفريد دو موسيه، فإنه وقع صريع الحمَّى والمرض، فأخذوه إلى المستشفى. وهناك، تعرفت جورج صاند على الطبيب الذي جاء لمعالجته، وكان شاباً إيطالياً وسيماً، فوقعت في حبه على الفور، وتركت الشاعر يتحسر عليها في وحدته وهو على فراش المرض. وكان ينتظرها حتى طلوع الفجر لكي تعود من مغامراتها العاطفية مع عشيقها الجديد. فتخيلوا الوضع. وفي أثناء ذلك، كتب ألفريد دو موسيه أجمل قصائد الحب الرومانطيقي في اللغة الفرنسية، وكانت تدعى: «ليالي موسيه» لأنه كتبها أثناء سهره لتلك الليالي. لقد قتلته تلك المرأة اللعوب: جورج صاند!
ثم حصلت القطيعة النهائية بينه وبينها عام 1835؛ أي بعد سنتين من تعرفه عليها. وهكذا، لم يدم هذا الحب طويلاً. والحب الجارف قصير بعمر الزهور. ومع ذلك، فقد ترك هذا الحب في نفسه أعظم الأثر، وظل يتذكرها حتى نهاية حياته. ظلت جرحاً لا يندمل في أعماقه. وقد خرج شاعرنا الكبير من هذه المحنة محطماً تماماً، بعد أن صهرته صهراً. وكتب عندئذ بعضاً من أجمل القصائد الغنائية التي عرفتها اللغة الفرنسية. ألم نقل لكم إن الحب الفاشل أفضل بألف مرة من الحب الناجح؟
وراح ألفريد دو موسيه يشكل فلسفته عن الحب، ويقول: الحب لا يدوم، الحب مهدد بالخيانة يوماً ما، ولكن لحظات الحب لا تنسى، وأجمل شيء في الحب هو الذكرى التي تبقى عنه بعد أن ينتهي. وقد كتب يقول: ربما كانت الذكرى السعيدة على الأرض أكثر جمالاً من السعادة ذاتها. بمعنى أن المثال أفضل من الواقع. فلماذا لا نعيش في عالم المثاليات الوردية؟ بمعنى آخر: ينبغي أن نعيش قصة حب ما ليس من أجلها، وإنما لكي نتذكرها فيما بعد، لكي نجترها باستمرار، لكي نعيش عليها. وهكذا أثبت ألفريد دو موسيه أنه رومانطيقي فعلاً، وأنه يعيش على الذكرى، على اللحظات الهاربة التي مضت وانقضت، ولا يعيش على الحاضر؛ إنه يعيش على ما يدعى في اللغات الأجنبية بـ«النوستالجيا»؛ أي الحنين الجارف إلى الحب المنصرم.
وبدءاً من عام 1840، أخذ الشاعر الكبير يعاني من أمراض كثيرة. فقد تناوبت عليه الأزمات العصبية، والحمى المشتعلة، ومرض القلب. وأدت كلها في نهاية المطاف إلى موته المبكر. ولكن قبل أن يموت بلحظات، فلتت منه هذه العبارة: «أريد أن أنام! أخيراً، سوف أنام وأستريح إلى الأبد». فعلاً، إنه رومانطيقي من أوله إلى آخره. ألا يذكركم بإبراهيم ناجي أو جبران خليل جبران، إلخ؟
ولكنه قبل ذلك، توصل إلى أعلى المناصب الأدبية في فرنسا. فقد انتخب عضواً في الأكاديمية الفرنسية عام 1852 وعمره اثنان وأربعون عاماً فقط. وهذا شيء نادر. ثم كتب ألفريد دو موسيه عدة كتب نثرية مهمة، ولم يقتصر إبداعه على الشعر. وكان أقواها كتاب «اعترافات أحد أبناء القرن». وربما أراد من خلاله مضاهاة اعترافات جان جاك روسو الشهيرة. وفيه يعود إلى قصة حبه مع جورج صاند، ويتحدث في صفحات موجعة قاتلة عن تلك الأيام التي انصرمت وتركت في أعماقه أمر الذكريات وأحلاها. كما يتحدث عن ثقافة عصره وأفكاره وعاداته وتقاليده. وبالتالي، فالكتاب يقدم لنا صورة هامة ليس فقط عن الشاعر وحبه الخائب وإنما أيضاً عن العصر ككل؛ إنه صرخة ألم لأحد أبناء العصر. يضاف إلى ذلك أنه شهادة عميقة على ذلك الجرح الكبير الهائل، أو الخيبة المريرة التي أصابت جيلاً فرنسياً بأسره بعد سقوط النسر نابليون. إنه كتاب يعبر ليس فقط عن حالة غرامية شخصية، وإنما عن مرض العصر كله.
هذا وقد ردت عليه الكاتبة اللعوب بعد موته بكتاب يحمل العنوان التالي: «هي وهو». فرد عليها أخوه بول دو موسيه بكتاب مضاد بعنوان: «هو وهي». وهذا يعني أن قصة حبهما شغلت القرن كله. لقد دمرته ودمرها. وعن هذا الدمار المتبادل نتجت بعض أجمل صفحات الأدب الفرنسي. أبالغ كثيراً إذ أقول إنه دمرها، فالواقع أنها كانت تغير عشاقها كما تغير أحذيتها. ومن هذه الناحية، فهي تشبه المطربة الشهيرة: إديث بياف.

من أقواله المأثورة
من أقوال موسيه المأثورة نذكر هذه العبارة الخالدة: لا شيء يجعلنا عظماء كألم عظيم!
ثم يقول شاعر الرومانطيقية الفرنسية هذه العبارة المهمة: «الشعر مهم، ولكن الموسيقى أهم». وهذا ما يدفعنا إلى طرح السؤال التالي: ما معنى الموسيقى من دون شعر؟ أو بالأحرى: ما معنى الشعر من دون موسيقى وإيقاع؟ الموسيقى هي جوهر الفن والوجود.
ثم يردف قائلاً: «الموسيقى هي التي جعلتني أؤمن بالله»! وهي عبارة هائلة تشكل أكبر دليل على مدى حبه للموسيقى وتعلقه بها. والواقع أن الموسيقى تشكل لغة كونية خالدة يفهمها كل البشر. فأنت لكي تفهم الشعر الألماني بحاجة إلى معرفة اللغة الألمانية، ولكنك لست بحاجة إلى معرفتها إطلاقاً من أجل الاستمتاع بموسيقى موزار، أو بيتهوفن، أو باخ. وبالتالي، فالموسيقى هي لغة الكون كله، فيما وراء جميع اللغات والتراثات اللغوية والثقافية؛ إنها لغة تعلو على كل اللغات.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.