أن تحب القصص من دون أن ترى الظلال

في الأوساط الفقيرة إعادة حكي وقائع الفيلم ضرورة حياتية وفنية

الروائي التشيلي إيرنان ريبيرا لتيلير
الروائي التشيلي إيرنان ريبيرا لتيلير
TT

أن تحب القصص من دون أن ترى الظلال

الروائي التشيلي إيرنان ريبيرا لتيلير
الروائي التشيلي إيرنان ريبيرا لتيلير

«ما نفسكش، كده يعني، تروح سيما؟»، يسأل الشيخ حسني صديقه الشيخ عبيد الذي يرد مندهشاً: «سيما؟!». لكن دهشة الصديق لم تثنِ الشيح حسني، إذ تنتقل الكاميرا مباشرة إلى مشهد الكفيفين داخل صالة السينما.
مغامرة أخرى للأعمى الجسور، في فيلم داود عبد السيد «الكيت كات» لا تقل عن مغامرة قيادة الدراجة النارية أو التجديف في مركب بعرض النيل. المشهد مدجج بالدلالات. الشيخ حسني يرى الظلال المتحركة على الشاشة، والمشهد المعروض لا يتضمن حواراً، يُسهل المهمة، فكان عليه أن يخترع القصة صورة وصوتاً، وبينما تعرض الشاشة مشهداً لشاب يطارد حماراً أو حصاناً يصف الشيخ حسني لصديقه مشاجرة في شارع تشهدها من الطابق الأعلى فتاة شديدة الجمال. همْس الشيخ حسني في أذن صديقه شوَّش على المبصرين المحيطين به، وسط دهشتهم من اختراعه لمشهد مغاير لما تراه عيونهم.
المشاهد المختَرَعَة ليست مجرد قصة يواصل من خلالها الشيخ ادعاء الإبصار وخداع الكفيف الآخر، فقد روى ما بداخله هو، أو ما يتوافق مع مزاجه: الحد الأقصى من الإثارة متمثلة في مشاجرة عنيفة تتابعها امرأة جميلة، وبعبارته هو: «قمر... لهطة قشطة».
العمى ليس السبب الوحيد الذي يجعل وجود الراوي ضرورة في صالة السينما. الأمية سبب آخر.
روت لي إحدى الصديقات أن أختها الكبرى كانت تصطحب أمها وخالاتها، في ستينات القرن الماضي إلى السينما التي اندثرت الآن في مدينتها السورية الصغيرة. تقول: «كانت غالبية الأفلام هندية، وكانت أختي تجلس في المنتصف وتقوم بالمهمة السامية، تلاحق سطور الترجمة على الشاشة وتقرأها على الشقيقات اللائي ينخرطن في البكاء. كن يحملن المناشف من البيت، قبل أن تنتشر المحارم الورقية».
في أجواء بلادنا الحارة، كانت صالات السينما أسبق الأماكن العامة إلى استخدام نعمة مكيف الهواء، ما جعلها مكاناً مثالياً لقيلولة ممتعة، كذلك يجد العشاق في عتمتها ملاذاً آمناً لبعض أشواق الجسد، ويتخذها الباحثون عن مغامرة عابرة مكاناً مثالياً للاصطياد. وكل هؤلاء يدخلون السينما ويخرجون دون اكتراث للأفلام، بينما يعوض بعض الرواد إحباطهم من الفيلم بالبحث عن قصص تحدث حولهم أكثر إمتاعاً مما تعرضه الشاشة.
نحتاج إلى القليل من شجاعة الاعتراف ليكتشف كل منا أنه لم يحرم نفسه من متعة التلصص في الصالة المعتمة، ولو لمرة واحدة في حياته، حيث لا يمكن الفرار من إغراء بناء قصص كل امرأة ورجل بالجوار، أو الاستغراق في تسلية فرز علاقات العشق من علاقات الزواج، من خلال درجات الولع، أو رصد توازنات القوة في كل علاقة.
ومهما اختلفت دوافع الذهاب إلى السينما، فإن كل روادها يخرجون محملين بالقصص، ويريدون جمهوراً آخر يختبرون دهشتهم فيه. حتى من يدخلون بقصد النوم، لا يستطيعون مقاومة رغبتهم في الحكي، ويشرعون في إعادة اختراع الفيلم استناداً إلى اللقطات التي اقتنصوها في لحظات الصحو بين إغفاءة وأخرى. في الأوساط الفقيرة تتحول إعادة حكي وقائع الفيلم إلى ضرورة حياتية وفنية. الكثير من الفتية في العالم الثالث جربوا هذا الاحتيال على الفقر. يتشاركون في ثمن بطاقة واحدة، يدخل بها أحدهم الفيلم، ويعيد روايته للآخرين.
وقد رأيت بنفسي في بداية الألفية الثالثة صبية من أبناء بوابي العمارات، يتعلقون بثغرة صغيرة في بناء قاعة سينما داخل الحديقة الدولية بمدينة نصر، يتلصصون على «هذيان الحائط»* بينما يجلس أحدهم داخل الصالة بالقرب من الثغرة ينقل إليهم الحوار.
ولم تقتصر الرغبة في إعادة رواية الأفلام على مبادرات فردية لعشاق السينما، فقد وجد الراديو في إذاعة الأفلام وسيلة للاحتفاظ بجمهوره. برنامج «من الشاشة إلى الميكروفون» كان من أهم برامج إذاعة البرنامج العام المصرية في سبعينات القرن الماضي. كان يبث مسامع من الأفلام الجديدة، ويستضيف أحد أبطال الفيلم لتلخيص القصة، ثم تطور الأمر وأصبح هناك بث شبه كامل للأفلام، يقوم فيه الراوي الإذاعي بوصف الصورة، في لحظات صمت الحوار، ويقدم اسم البطل متبوعاً باسم الممثل أو العكس للتذكير «الآن يدخل أحمد، عبد الحليم حافظ».
أقلعت الإذاعة عن بث الأفلام في عصر توحش وتسيد الصور، لكن شبكة الإنترنت أعادت إحياء هذه الذكريات ببث تسجيلات برامج السينما القديمة عبر موقعي «يوتيوب» و«ساوند كلاود» بينما التقط التشيلي إيرنان ريبيرا لتيلير ظاهرة الراوي في المجتمعات الفقيرة وجعلها ثيمة روايته «راوية الأفلام» التي ترجمها صالح علماني.
اختبر الأب المولع بالسينما قدرات أبنائه واحداً فواحداً على رواية الأفلام، وفي النهاية وجد أن الصغيرة ماريا مرغريتا هي الأكثر تميزاً بما تملك من قدرة آسرة على سرد ما تتذكره، وسرعة في تدارك خيانات ذاكرتها بالتأليف الفوري الذي ينقذ الحكاية. اختار الأب الصبية لتكون مندوباً دائماً للأسرة في صالة السينما الوحيدة بالمدينة، كلما وصل فيلم جديد يجمعون بمشقة قطع النقود التي تكفي ثمن بطاقة دخولها. مع الوقت اتسع نطاق جمهورها ليضم الجيران، ثم كثيراً من سكان القرية، وبدأ فرض رسم دخول زهيد على المشاهدين الذين يتوافد بعضهم إلى بيت الراوية لأنهم لا يملكون ثمن بطاقة السينما، بينما يقصدها البعض الآخر لأنهم وجدوا أن رواية ماريا مرغريتا أمتع من النسخ الأصلية للأفلام!
ليس غريباً أن تتفوق التشيلية الصغيرة في روايتها على الفيلم الأصلي، فالراوي المحلي عليم بجمهوره الضيق، يعرف ما يثير اهتمامه بأكثر مما يعرف صُنّاع الفيلم البعيدين.
وجود راوٍ من لحم ودم لا يحمي الجمهور من إحباطات الفيلم السيئ فحسب، بل ومن إحباط هشاشة الظلال المتحركة وزوالها السريع. يتذكر القاص العراقي إبراهيم أحمد السينما المتجولة التي كانت تجوب العراق بمبادرة من «النقطة الرابعة» في مشروع مارشال وتعرض أفلامها على الحوائط في الساحات: «كنا نعود في الصباح، نتلمس الجدار في محاولة يائسة لاقتفاء أثر الخيل التي كانت تركض عليه في المساء». المشاهد عبر وسيط، لن يكون عرضة للإحباط الذي يتعرض له من يقتفون أثر الهذيان الليلي للحائط بعد أن بددته الشمس.
* هذيان الحائط، والضلال اللذيذ، كنايتان عن السينما استعرتُهما من جان بول سارتر في سيرة طفولته «الكلمات» ترجمة د. خليل صابات



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.