بعد ثلاث سنوات من القتال، حسمت قوات المشير خليفة حفتر، قائد «الجيش الوطني الليبي»، معركة بنغازي، المدينة التي انطلقت منها شرارة الثورة ضد نظام العقيد معمر القذافي عام 2011، ونجحت قوات حفتر قبل يومين في دخول حي الصابري، آخر الأحياء التي كانت ما زالت تحت سيطرة مسلحين بعضهم محسوب على تنظيم «القاعدة» (مثل «مجلس شورى بنغازي») وبعضهم كان يقاتل تحت راية «داعش».
وأوقعت معركة بنغازي مئات القتلى والجرحى، وخلّفت أحياء مدمّرة تدميراً شبه كامل. لكن حسمها، على رغم التكلفة العالية، يطرح تساؤلات حول الوجهة المقبلة لقوات حفتر وإمكان حصول مواجهة بينها وبين بقية خصومها، بما في ذلك القوات الموالية لحكومة الوفاق بقيادة فائز السراج في غرب البلاد.
تقول الباحثة المختصة في الشؤون الليبية ماري فيتزجيرالد في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «ثلاث سنوات من الحرب تعني أن قوات حفتر يمكنها أن تعلن النصر هذا الأسبوع، إلا أن بنغازي ما زالت تواجه تحديات كبيرة، بما فيها تحديات المصالحة وإعادة الإعمار لمنع اشتعال العنف مجدداً». وتضيف موضحة: «لقد لحق الكثير من الضرر بالتركيبة الاجتماعية للمدينة. حفتر قد يحرّك قواته في وقت قريب غرباً نحو سرت أو بني وليد، وفي الوقت نفسه يواصل تثبيت موقعه في شرق البلاد. لكن التوتر والتنافس الداخلي في صفوف معسكر حفتر نفسه يمكن أن يؤديا إلى إبطاء اندفاعاته».
ويتفق معها في هذا الرأي الباحث الليبي عاشور الشامس الذي يقول لـ«الشرق الأوسط»: «ليس هناك قوة واحدة يمكن أن تسيطر على البلد كله. السلطة موزعة بين قوى مسلحة وسياسية متنافسة، لكن لا أحد لديه القوة الكافية كي يحكم وحده».
وهو يعتبر أن إعلان حسم معركة بنغازي لا يعني انتهاء المعركة بين حفتر وخصومه، إذ يشير إلى أن عناصر المجموعات التي كانت محاصرة في المدينة (وتحديداً في سوق الحوت وحي الصابري) «انسحبوا إلى خارجها. سيعاودون تجميع قواهم ويعودون إليها... ربما عبر تفجيرات» حتى وإن لم يكونوا قادرين على استعادتها عسكرياً.
وهو يشير، كما يبدو، إلى عناصر «مجلس شورى بنغازي» الذين يحظون بدعم من إسلاميين، بعضهم محسوب على تنظيمات متشددة. وشن «مجلس شورى بنغازي» وجماعات أخرى قبل شهور معركة مفاجئة ضد قوات حفتر في الهلال النفطي على الساحل الليبي. لكن جيش حفتر سرعان ما استعاد المبادرة، وطرد خصومه من هذه المنطقة الاستراتيجية.
وترددت معلومات قبل يومين عن مواجهة مسلحة وقعت بين قوات حفتر غرب الهلال النفطي وقوات موالية لحكومة السراج، وتحديداً في منطقة أبو هادي جنوب مدينة سرت. لكن الشامس يستبعد حصول مواجهة وشيكة بين الطرفين، على رغم تهديدات حفتر المتكررة بنقل المعركة إلى غرب ليبيا بهدف الدخول إلى العاصمة طرابلس.
ويقول إن وصول حفتر من شرق ليبيا إلى طرابلس في غربها يتطلب منه المرور عبر مدينة مصراتة «وهو أمر لا يبدو ممكناً عسكرياً، كون مصراتة هي القوة المهيمنة في الغرب الليبي».
ولعبت قوات مصراتة، وبعضها محسوب على جماعات إسلامية، دوراً أساسياً في طرد تنظيم داعش في معقله في مدينة سرت، وهي ما زالت تنتشر في المدينة إلى اليوم.
ويبدو الأمر محسوماً عسكرياً لحفتر في الشرق الليبي، باستثناء مدينة درنة، معقل الإسلاميين، التي يمكن أن تكون إحدى الوجهات المقبلة لحفتر بعد بنغازي. لكن معركة درنة ربما لن تكون سهلة نتيجة امتداد هذه المدينة مع الجبل الأخضر، الذي يُعتبر حصناً منيعاً نتيجة طبيعته الجغرافية. وكان هذا الجل معقلاً أساساً للمتشددين خلال حربهم ضد نظام القذافي في التسعينات.
وبعكس الشرق الليبي، تبدو خريطة توزع الجماعات المسلحة في غرب البلاد أكثر تعقيداً بأشواط. ففي الغرب هناك عشرات المجموعات المسلحة، يتحكم كل منها بمدينة أو حي، ويتوزع ولاؤها بين حكومة الوفاق برئاسة السراج، وإلى حد ما حكومة الإنقاذ الوطني برئاسة خليفة الغويل، كما أن هناك مجموعات أخرى موالية لحفتر وجيشه.
وحققت حكومة السراج في الأيام الماضية سلسلة انتصارات على الأرض تمثلت في سيطرة موالين لها على مواقع مهمة في طرابلس ومحيطها، بما في ذلك مطار طرابلس ومطار معيتيقة وسجن الهضبة، ومواقع أخرى كانت خاضعة لسيطرة جماعات متشددة، بما في ذلك جماعات يقودها قياديون سابقون في «الجماعة المقاتلة» باتوا جزءاً من الحكومات المتعاقبة بعد سقوط حكم القذافي. وبين أبرز المجموعات التابعة لحكومة السراج في طرابلس «كتيبة النواصي»، و«قوة الردع الخاصة»، علماً بأن هذه القوة الأخيرة (الردع) هي التي أوقف شقيق منفّذ هجوم مانشستر سلمان العبيدي، الذي أقر بأنهما مواليان لتنظيم «داعش».
لكن الشامس يقول في هذا الإطار إن مشكلة السراج في غرب ليبيا هي أن معظم المجموعات التي تُحسب على حكومته تعمل معها فقط في إطار «تفاهمات... هذا لا يعني أن ولاءها مضمون مائة في المائة». ويلفت إلى أن القوة الأساسية الموالية للسراج في غرب ليبيا حالياً هي قوات مدينة مصراتة و«هذه القوات معادية عداء تاماً لحفتر، لكن هناك مؤشرات إلى تفاهمات يمكن أن تحصل بينهما، وهو أمر سيشكل إذا ما حصل فعلاً تهديداً للسراج في طرابلس نفسها».
لكن رهان حفتر على دخول طرابلس لا يبدو مرتبطاً في الحقيقة بموقف مصراتة، سواء ناصبته العداء أو تحالفت معه. ويبدو موقف القوات العسكرية التي تسيطر على منطقة ورشفانة، قرب طرابلس، محورياً في هذا المجال. وتنتشر في هذه المنطقة قوات تابعة للجيش الليبي، وكانت قد خاضت معارك ضارية ضد جماعات متطرفة.
ويعتبر الشامس، في هذا المجال، أن قوات منطقة ورشفانة يمكن فعلاً أن تنضم إلى حفتر، لكن ليس واضحاً إذا كانت ستقبل خوض معارك خارج نطاقها الجغرافي، علماً بأن هذه المنطقة «هادئة» عسكرياً منذ شهور.
وإضافة إلى ورشفانة، يملك حفتر مجموعات مؤيدة له في الزنتان في الجبل الغربي، لكن فيها أيضاً مجموعات معارضة، لعل أبرزها تلك الموالية لأسامة الجويلي، وزير الدفاع في حكومة عبد الرحيم الكيب، الذي عيّنه السراج أخيراً قائداً عاماً لـ«المنطقة العسكرية الغربية»، بحسب توزيع المناطق العسكرية التابعة لحكومة الوفاق. ورفض حفتر هذه المناقلات العسكرية التي أجراها السراج.
وللسراج رسمياً قوة عسكرية أساسية مكلفة حماية حكومته في طرابلس، وهي قوة «الحرس الرئاسي» بقيادة نجمي الناكوع. لكن «الحرس الرئاسي» ما زال في طور البناء، ولم يصبح بعد قوة عسكرية يمكن أن تفرض نفسها على بقية المجموعات المسلحة، في حال حصل صدام بينها.
وتلاحظ الباحثة فيتزجيرالد في تصريحاتها لـ«الشرق الأوسط» أن «ميزان القوى في طرابلس ما زال غير ثابت، والولاءات لحكومة السراج تنتقل بحسب تغيّر الديناميات. إلى الآن، معظم الجماعات المسلحة في العاصمة هي إما تدعم أو مترددة إزاء حكومة السراج تبعاً لما تعتقد أنه سيكون لمصلحتها في نهاية المطاف. مصراتة مقسومة، فبعض العناصر فيها تدعم خليفة الغويل والدائرة المحيطة به. وعلى رغم أنه ضعُف كثيراً، إلا أن محاولة الغويل وحلفائه إعادة تثبيت أنفسهم في طرابلس لا يمكن تجاهلها كلياً».
أما الشامس فيقول إن حكومة الغويل لا تشكّل منافساً فعلياً للسراج في غرب ليبيا، رغم أن لديها وزراء «يشرفون» على عمل قطاعاتهم من قلب طرابلس. لكن نفوذ «وزراء الغويل» محدود جداً، لا سيما في ظل الاعتراف الدولي بوزراء حكومة السراج فقط في طرابلس.
أما في الجنوب الليبي، فلا يبدو أن هناك قوة عسكرية واحدة قادرة على السيطرة على هذه المنطقة الصحراوية المترامية الأطراف، التي تُعتبر ممراً أساسياً لنشاط المهربين والجماعات المسلحة التي لديها امتداد مع بلدان الساحل الأفريقي، بما في ذلك فرع «القاعدة». ويقول الشامس إن هناك قوات موالية لحفتر في الجنوب، وأخرى موالية لحكومة السراج، وأخرى أيضاً ما زالت على ولائها لنظام القذافي، كما أن هناك مجموعات متنافسة تتوزع بحسب انتمائها الإثني بين التبو والطوارق.
ورغم أن «داعش» كان قد أنشأ «ثلاث ولايات» في ليبيا هي طرابلس (غرب) وبرقة (شرق) وفزان (الجنوب)، فإنه بعد هزيمته في سرت لم يعد يشكّل تهديداً أساسياً، ربما باستثناء قيامه بهجمات متفرقة ضد خصومه الكثيرين في أنحاء ليبيا.
«الشرق الأوسط» تستعرض خريطة انتشار القوى العسكرية على الساحة الليبية
بعد «انتصار بنغازي»... هل يتجه حفتر إلى درنة أم طرابلس؟
«الشرق الأوسط» تستعرض خريطة انتشار القوى العسكرية على الساحة الليبية
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة








