كيف غير «آيفون» العالم في 10 أعوام؟

الإصدار الأول منه صمم بتقنيات ثورية

«ستيف جوبز» يكشف عن هاتف «آيفون» في العام 2007
«ستيف جوبز» يكشف عن هاتف «آيفون» في العام 2007
TT

كيف غير «آيفون» العالم في 10 أعوام؟

«ستيف جوبز» يكشف عن هاتف «آيفون» في العام 2007
«ستيف جوبز» يكشف عن هاتف «آيفون» في العام 2007

تغير قطاع الهواتف الجوالة قبل 10 أعوام بشكل جذري، وذلك بإطلاق هاتف «آيفون» الذي قلب موازين المنافسة بتركيزه على تبسيط تجربة الاستخدام وسلاسة التفاعل مع المستخدم، ليحرج كبرى الشركات التي سبقت «آبل» في تطوير الهواتف الجوالة ويجبرها على معاودة النظر في منتجاتها المقبلة أو الخروج من المنافسة.
* بداية مختلفة
بدأت عملية تطوير «آيفون» في نهاية العام 2003 عندما قررت «آبل» العمل مع فريق مكون من ألف موظف لتطوير كومبيوتر يمكن التفاعل معه باللمس المتعدد وباستخدام واجهة تفاعل ثورية. وأدرك الرئيس التنفيذي للشركة آنذاك «ستيف جوبز» أن آلية التفاعل هذه لا تستبدل لوحة المفاتيح والفأرة للكومبيوتر، بل ويمكن استخدامها للهواتف الجوالة والأجهزة اللوحية بشكل مبهر، ليقوم بتغيير تركيز الفريق نحو تطوير هاتف جوال. وكلفت عملية التطوير نحو 150 مليون دولار خلال 30 شهرا تحت ما سمته الشركة «المشروع الأرجواني» Project Purple.
الأمر الثوري في فكرة «آيفون» كان توفير القدرة على التفاعل مع الشاشة باللمس المتعدد، على خلاف بعض الأجهزة التي كانت تسمح بالتفاعل في نقطة واحدة فقط، الأمر الذي يفتح آفاقا جديدة للمستخدمين، مثل تكبير الصورة وتصغيرها باستخدام إصبعين، وتقديم ألعاب إلكترونية أكثر انغماسا، وغيرها. وطور فريق العمل، ومن بينهم «جوني آيف» المسؤول عن تصاميم الأجهزة، تطبيق دفتر عناوين ليجربه «ستيف جوبز» كاختبار أولي للتفاعل باللمس المتعدد.
ولكن فكرة اللمس المتعدد التي روج لها «آيفون» لم تكن وليدة «آبل» في الجوهر، حيث بدأت الفكرة في ستينات القرن الماضي في «المؤسسة الملكية البريطانية للرادارات»، ومن ثم تم تطويرها في سبعينات القرن الماضي في المؤسسة الأوروبية للأبحاث النووية CERN، لتتبلور في بداية القرن الجديد من خلال الدكتور «وين ويسترمان» Wayne Westerman من جامعة «ديلاوير» الأميركية الذي عمل على تطوير تقنية التفاعل باللمس المتعدد جراء إصابته بمرض جعل الكتابة على أزرار لوحة المفاتيح أمرا مؤلما بالنسبة له. واستحوذت «آبل» على شركة الدكتور «وين ويسترمان» في العام 2005، واستطاعت دمج هذه التقنية في جهاز صغير وبتصميم جميل، مضيفة إليها واجهة استخدام مريحة. أضف إلى هذه المعادلة زجاج «غوريلا» ومستشعرات الميلان والتقنيات اللاسلكية المتعددة والمعالج سريع الاستجابة والبطارية طويلة الأمد لمعرفة أن الهاتف لم يكن من نتيجة تطوير جميع هذه التقنيات داخل «آبل»، بل نتيجة جمعها ودمجها في وحدة مريحة للاستخدام على صعيد التصميم والبرمجيات.
وكانت «آبل» قبل فترة التطوير قد أطلقت مشغل الموسيقى «آيبود»، وأدركت أن الهواتف الجوالة التي تعمل باللمس المتعدد ستحتوي على قدرات لتشغيل الموسيقى وقد تهدد هيمنة «آيبود» في الأسواق، الأمر الذي جعلها تبحث عن شراكة مع «موتورولا» لإطلاق هاتف جديد يحتوي على «آيبود» مدمج، ولكن «آبل» كانت تعمل على تطوير هاتف تجريبي خاص بها، كان الإصدار الأول منه على شكل «آيبود» بقرص أرقام في المنتصف، والثاني كان على شكل هاتف يعمل باللمس المتعدد.
وأطلق هاتف «موتورولا روكر إي 1» Moto ROKR E1 في الأسواق والذي كان يحتوي على مشغل «آيبود» ولكنه لا يستطيع حفظ أكثر من مائة أغنية. واستمر فريق «آبل» على العمل على هاتف الشركة، ليكشف «ستيف جوبز» عن «آيفون» في 9 يناير (كانون الثاني) 2007 في مؤتمر في مدينة سان فرنسيسكو الأميركية، وذلك بإصدارين الأول بسعة 4 غيغابايت بسعر 499 دولارا، والثاني بسعة 8 غيغابايت بسعر 599 دولارا. وأطلق الهاتف في الولايات المتحدة في 29 يونيو (حزيران) 2007. وفي بريطانيا وفرنسا وألمانيا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2007، وفي آيرلندا في ربيع العام 2008.
وبالنسبة للمواصفات التقنية للهاتف، فكانت ثورية في وقتها، حيث بلغ قطر شاشته 3.5 بوصة، وكان يستخدم كاميرا خلفية بدقة 2 ميغابيكسل (لا تستطيع تسجيل عروض الفيديو)، وتستطيع شاشته عرض المحتوى بدقة x 320 480 بيكسل بكثافة 165 بيكسل في البوصة الواحدة، مع استخدام معالج بسرعة 412 ميغاهرتز وتوفير سعة تخزينية تبدأ من 4 غيغابايت. وكان الهاتف يدعم تقنية «واي فاي» و«بلوتوث» (للاتصال بالسماعات اللاسلكية فقط)، مع عدم دعمه تقنية الملاحة الجغرافية «جي بي إس»، وكانت بطاريته تكفي للتحدث لمدة 8 ساعات. وبلغ وزن الهاتف 135 غراما، وبلغ سمكه 11.6 مليمتر، ولم يقدم متجر التطبيقات المعروف اليوم.
* منافسة للصدارة
ولكن هذه الفكرة لم تعجب «ستيف بالمر»، الرئيس التنفيذي السابق لـ«مايكروسوفت»، ذلك أن الهاتف لا يحتوي على لوحة مفاتيح، وبالتالي فإن المديرين والموظفين لن يستطيعوا كتابة الرسائل النصية والبريد الإلكتروني بسهولة، بالإضافة إلى أن سعره مرتفع جدا بالنسبة لهاتف، مقارنة بالأجهزة الأخرى الموجودة في الأسواق.
واستطاع «آيفون» كسر حاجز مليون وحدة مبيعة بعد مرور 70 يوما من إطلاقه، على الرغم من تذمر الكثير من المستخدمين والتقنيين من صعوبة الكتابة بدقة على شاشة مسطحة، وأن قطر شاشته كبير مع عدم وجود تطبيق للتراسل الفوري والدردشة أو أي تطبيق للبريد الإلكتروني للشركات، وغياب الكثير من الوظائف الأساسية، مثل دعم تقنية «بلوتوث» لتبادل الملفات مع الأجهزة المختلفة الأخرى، وعدم وجود القدرة على نسخ ولصق النصوص، وعدم دعم شبكات الجيل الثالث للاتصالات، وغيرها من الوظائف الأخرى.
واستمرت «آبل» بتطوير سلسلة الهاتف، وذلك بإطلاق الإصدار الثاني منه في صيف العام 2008، والذي أصبح يدعم تقنية الملاحة الجغرافية «جي بي إس» وشبكات الجيل الثالث للاتصالات، وتطوير تصميمه الخارجي. وأطلقت الشركة كذلك متجر التطبيقات الرقمي عبر الإنترنت الذي لاقى نجاحا كبيرا. واستمرت «آبل» بتطوير الهاتف لتطلق الإصدار التالي 3GS في صيف العام 2009 والذي يقدم مستويات أداء أعلى وكاميرا خلفية بدقة 3 ميغابيكسل ودعم لنسخ النصوص ولصقها.
وأتبعت «آبل» ذلك بهاتف «آيفون 4» جديد في صيف العام 2010.
والذي يقدم تطبيق «فيس تايم» للدردشة بالصوت والصورة مع الآخرين، بالإضافة إلى استخدام كاميرا خلفية تعمل بدقة 5 ميغابيكسل وضوء «فلاش» مدمج، مع تقديم كاميرا أمامية وشاشة أفضل من السابق، في تصميم جديد أقل سمكا. وواجه الهاتف مشكلة توقف الإرسال والاستقبال لدى الإمساك به بطريقة محددة جراء عيب في تصميمه. وكشفت الشركة في أكتوبر (تشرين الأول) 2011 عن هاتف «آيفون 4 إس» قبل يوم واحد من وفاة «ستيف جوبز»، وهو أول هاتف يطلقه رئيس «تيم كوك» الرئيس التنفيذي الجديد للشركة. ويتميز هذا الإصدار بدعم المساعد الشخصي «سيري».
وبدأت مرحلة جديدة في حياة الشركة بعد رحيل «ستيف جوبز»، حيث قدمت الشركة في سبتمبر (أيلول) 2012 هاتف «آيفون 5» الذي يقدم تصميما أقل سمكا وأخف وزنا، وشاشة أكثر طولا، مع استبدال منفذ التواصل مع الكومبيوتر بآخر جديد.
وأطلقت الشركة في العام التالي هاتفي «آيفون 5 إس» و«آيفون 5 سي»، حيث يتميز «5 سي» بمواصفات أقل تقدما وتصميم بلاستيكي بهدف تقديم هاتف منخفض التكاليف للدخول في الأسواق النامية، الأمر الذي لم يترجم على شكل مبيعات مقنعة، لتتوقف الشركة عن إطلاق أي هاتف آخر في هذه السلسلة.
وفي سبتمبر (أيلول) 2014 أطلقت «آبل» هاتفي «آيفون 6» و«6 بلاس» بتصميم أكبر وبشاشة يبلغ قطرها 4.7 و5.5 بوصة بمبيعات وصلت إلى 10 ملايين وحدة في أول أسبوع من إطلاقهما. ويترجم هذان الإصداران رغبة الشركة في مواكبة نزعة استخدام هواتف كبيرة تقارب حجم الأجهزة اللوحية «فابليت» Phablet (مزيج من كلمتي «فون» هاتف و«تابليت» جهاز لوحي). ولكن عيبا تصميميا في الهاتف الكبير أدى إلى انثناء هيكله لدى وضعه في جيب المستخدم والجلوس، الأمر الذي أصلحته الشركة في سبتمبر 2016 بإطلاق «آيفون 7» و«7 بلاس» بغياب أي تحديثات ثورية، الأمر الذي أكد بعض المحللين التقنيين أن سببه يعود إلى سياسة جديدة للشركة بعدم إطلاق أي تحديث ثوري إلا كل 3 أعوام.
وقدم إصدار «7 بلاس» كاميرتين خلفيتين وأزال منفذ السماعات الرأسية، الأمر الذي أغضب الكثير من محبي الاستماع إلى الموسيقى بسبب حاجتهم لشراء ملحقات إضافية للاستماع إلى الموسيقى أو شراء سماعات لاسلكية مرتفعة الثمن. واستطاعت الشركة في ذلك العام كسر حاجز مبيعات مليار هاتف.
وحصل المستخدمون خلال العام الحالي على «آيفون» باللون الأحمر (في الجهة الخلفية)، وبدأت الشركة هذا العام بتصنيع هواتفها في الهند لخفض التكاليف وبيع الهاتف محليا بهدف نشره في سوق لم تستطع اختراقه بقوة بسبب ارتفاع أسعارها. ويتوقع كشف «آبل» عن «آيفون 8» في سبتمبر المقبل.
* هاتف ثوري متعدد الجوانب
وقدم «آيفون» التصميم الأساسي للهواتف الذكية، والذي لا يزال مستخدما اليوم في الكثير من الهواتف، وهو إيجاد مصفوفة من الأيقونات لتشغيل التطبيقات المختلفة (على خلاف الآلية السابقة التي تمثلت بالدخول إلى التطبيقات من خلال قوائم متعددة خاصة)، وزر واحد رئيسي أسفل الجهة الأمامية للعودة إلى الشاشة الرئيسية في الهاتف، والتخلي عن لوحات المفاتيح ذات الأزرار الملموسة والاستعاضة عنها بلوحة رقمية، مع سهولة الاتصال بالإنترنت.
وأطلق الهاتف كذلك ثورة الاتصال بالإنترنت، بتوفيره قدرات الاتصال اللاسلكي عبر «واي فاي» وشبكات الاتصالات بسهولة كبيرة للمستخدمين غير التقنيين، مع سهولة تشغيل وتثبيت التطبيقات. وطور الهاتف كذلك عملية التصوير لتصبح جزءا يوميا من حياة المستخدمين عوضا عن هواية، وذلك بتوفير تطبيق سهل الاستخدام لالتقاط الصور وتحريرها للمستخدمين العاديين، إلى جانب إطلاق شبكات اجتماعية في الفترة نفسها سهلت مشاركة الصور مع الأهل والأصدقاء والغرباء عوضا عن إرسالها عبر البريد الإلكتروني أو وسائل أخرى.
وأدى نجاح «آيفون» إلى تطوير بيئة «آندرويد» كنظام تشغيل مفتوح المصدر للجميع، الأمر الذي نجم عنه شهرة غير مسبوقة للكثير من الشركات، مثل «سامسونغ» و«هواوي»، بينما تأثرت شركات أخرى سلبا، ومن بينها «بلاكبيري» و«نوكيا» اللتين لم تتوقعا نجاح «آبل» وأجهزة «آندرويد»، ولم تواكبا عجلة التطور بالسرعة المطلوبة، لتخرج الشركتان من السوق بصدمة كبيرة.
وبعد إطلاق الشركة لمتجر التطبيقات في 10 يوليو (تموز) من العام 2008 وتوفيره لـ500 تطبيق، تغيرت آلية تطوير التطبيقات وتوزيعها حول العالم، بالإضافة إلى سهولة البحث عنها وتحميلها مباشرة على هاتف المستخدم. ويُقدّر عدد التطبيقات في متجر «آبل» اليوم بنحو 2.1 مليون.
واستطاعت هذه التطبيقات تحويل الهاتف إلى أي جهاز يريده المستخدم، مثل جهاز ألعاب رقمية ومشغل موسيقى واستوديو تصوير ومكتب للعمل وماسحة ضوئية «سكانر» وكاميرا تصوير وجهاز ملاحة جغرافية وبطاقة مصرفية للدفع الرقمي ومسرح سينمائي لمشاهدة أحدث المسلسلات والأفلام وصفوف دراسية، وغيرها.
وتقدر عوائد متجري «آبل» و«غوغل» في الربع الأول من العام 2017 بنحو 10.5 مليار دولار، ويستثني هذا الرقم عوائد الإعلانات داخل التطبيقات.



الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».


النساء أم الرجال... من يرى الذكاء الاصطناعي أكثر خطورة؟

الفجوة في المواقف لا ترتبط فقط بمستوى المعرفة بل بدرجة النفور من المخاطرة وحجم التعرّض المحتمل لاضطراب سوق العمل (شاترستوك)
الفجوة في المواقف لا ترتبط فقط بمستوى المعرفة بل بدرجة النفور من المخاطرة وحجم التعرّض المحتمل لاضطراب سوق العمل (شاترستوك)
TT

النساء أم الرجال... من يرى الذكاء الاصطناعي أكثر خطورة؟

الفجوة في المواقف لا ترتبط فقط بمستوى المعرفة بل بدرجة النفور من المخاطرة وحجم التعرّض المحتمل لاضطراب سوق العمل (شاترستوك)
الفجوة في المواقف لا ترتبط فقط بمستوى المعرفة بل بدرجة النفور من المخاطرة وحجم التعرّض المحتمل لاضطراب سوق العمل (شاترستوك)

غالباً ما يُقدَّم الذكاء الاصطناعي بوصفه ثورة في الإنتاجية قادرة على رفع الناتج الاقتصادي، وتسريع الابتكار، وإعادة تشكيل طريقة إنجاز العمل. لكن دراسة جديدة تشير إلى أن الجمهور لا ينظر إلى وعود الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها، وأن المواقف تجاه هذه التقنية تتأثر بقوة بعامل النوع الاجتماعي، لا سيما عندما تكون آثارها على الوظائف غير مؤكدة.

وتخلص الدراسة إلى أن النساء مقارنة بالرجال ينظرن إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أكثر خطورة، وأن دعمهن لاعتماد هذه التقنيات يتراجع بوتيرة أشد عندما تنخفض احتمالات أن تؤدي إلى مكاسب صافية في الوظائف. ويحذر الباحثون من أنه إذا لم تُؤخذ المخاوف الخاصة بالنساء في الاعتبار ضمن سياسات الذكاء الاصطناعي، وخاصة ما يتعلق باضطراب سوق العمل، وتفاوت فرص الاستفادة، فقد يؤدي ذلك إلى تعميق الفجوة القائمة بين الجنسين، وربما إلى رد فعل سياسي مضاد للتكنولوجيا.

فجوة لا ترتبط بالمعرفة فقط

تنطلق الدراسة من فكرة بسيطة هي أن فوائد الذكاء الاصطناعي وتكاليفه لن تتوزع بالتساوي على الجميع. فمع انتشار الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد، قد تُعزَّز بعض الوظائف وتُعاد صياغة أخرى، بينما قد تختفي وظائف بعينها، أو تتراجع أهميتها. وتشير الدراسة إلى أن النساء ممثلات بنسبة أعلى في وظائف إدارية وكتابية وخدمية يُحتمل أن تكون أكثر عرضة للتأثر بالتقنيات الآلية. وفي المقابل، لا تزال النساء أقل تمثيلاً في مسارات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، وفي مواقع القيادة التي تمنح عادةً فرصاً أفضل للوصول إلى وظائف الذكاء الاصطناعي الأعلى أجراً، وهو ما قد يوسّع فجوة الأجور بين الجنسين مع مرور الوقت.

وترى الدراسة أن هذه الاختلافات الواقعية في التعرض للمخاطر، وفي فرص الوصول إلى المنافع، تنعكس على اختلافات في المواقف. فبحسب أبحاث سابقة، تميل النساء بالفعل إلى مزيد من الشك مقارنة بالرجال تجاه موجات الأتمتة السابقة.

لكن ما لم يكن واضحاً بما يكفي هو: لماذا تستمر هذه الفجوة؟ هنا يأتي طرح الباحثين عامل «المخاطر» في طريقة التعامل معها، وفي مقدار التعرض لها يقدّم تفسيراً إضافياً.

تجاهل المخاوف الجندرية في سياسات الذكاء الاصطناعي قد يعمّق عدم المساواة ويؤدي إلى ردود فعل سياسية وتنظيمية مضادة للتكنولوجيا (شاترستوك)

الميل للمخاطرة والتعرّض للمخاطر

تركّز الدراسة على عنصرين: الأول يتعلق بالتوجه نحو المخاطرة (Risk orientation)، أي مدى استعداد الفرد عموماً لتحمل عدم اليقين والمفاضلات ذات النتائج غير المضمونة. والآخر هو التعرّض للمخاطر (Risk exposure)، واحتمال أن يترتب على اعتماد الذكاء الاصطناعي تكلفة مباشرة، أو منفعة مباشرة للفرد، تبعاً لموقعه في سوق العمل، وغيرها من العوامل.

ويفترض الباحثون أن النساء ينظرن إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أكثر خطورة، لأنهن في المتوسط أكثر نفوراً من المخاطرة، ولأنهن أيضاً أكثر تعرضاً لاضطراب الوظائف الناتج عن الذكاء الاصطناعي. وتؤكد الدراسة أن هذه الأنماط لا تُقدَّم بوصفها «سمات فطرية»، بل بوصفها نتاجاً لأعراف اجتماعية، وتعلم اجتماعي، وبُنى وظيفية مترسخة منذ عقود.

تجربة واقعية

لاختبار هذا الطرح، أجرى الباحثون استطلاعاً عبر الإنترنت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 باستخدام لوحة «YouGov». وبلغت العينة الكاملة 6056 مشاركاً، لكن التحليل في هذه الدراسة يركز على 3049 مشاركاً وُجهت إليهم أسئلة حول الذكاء الاصطناعي التوليدي (بينما وُجهت المجموعة الأخرى إلى أسئلة مقارنة عن التجارة). وشملت العينة مشاركين من الولايات المتحدة وكندا، وهما دولتان يصفهما الباحثون بأنهما متقاربتان من حيث الأسس المؤسسية وبنية سوق العمل، رغم اختلاف تفاصيل تبني الذكاء الاصطناعي وتنظيمه.

قاس الباحثون «تصور خطورة الذكاء الاصطناعي» عبر سؤالين على مقياس من 11 نقطة. سُئل المشاركون عن مدى رؤيتهم حول هل مخاطر الذكاء الاصطناعي التوليدي تفوق فوائده بالنسبة لك شخصياً؟ وهل تفوق فوائده بالنسبة لمجتمعك؟ ثم جرى دمج الإجابتين في مؤشر واحد.

ولقياس التوجه نحو المخاطرة استخدمت الدراسة سؤالاً شائعاً في أبحاث المخاطر: هل تفضّل ربحاً مضموناً قدره 1000 دولار؟ أم احتمالاً بنسبة 50 في المائة لربح 2000 دولار؟ ويفترض أن اختيار الألف المضمونة يشير إلى نفور أعلى من المخاطرة.

أما قياس التعرض للمخاطر فكان أكثر تعقيداً لأن آثار الذكاء الاصطناعي التوليدي على سوق العمل لا تزال غير محسومة. لذلك استخدمت الدراسة التعليم بوصفه مؤشراً عاماً على مدى الاستعداد للاستفادة من التحولات التقنية، مع اختبارات إضافية لمقاييس مرتبطة بالتعرض المهني للأتمتة والذكاء الاصطناعي على عينات فرعية من العاملين.

كما تضمن الاستطلاع تجربة مسحيّة مُسجَّلة مسبقاً تغير مستوى المخاطرة الاقتصادية في سيناريو تبني الشركة للذكاء الاصطناعي. قرأ المشاركون حالة عن شركة تتبنى أدوات ذكاء اصطناعي توليدي، ثم قُدِّمت لهم احتمالات مختلفة (تعيين عشوائي) بأن يؤدي ذلك إلى مكاسب صافية في التوظيف. تراوحت الاحتمالات بين 100 في المائة (مكاسب مؤكدة) و70 في المائة و50 في المائة و30 في المائة (مستوى مخاطرة مرتفع)، ثم طلب منهم تأكيد أو رفض قرار الشركة.

الدراسة: دعم النساء لاعتماد الذكاء الاصطناعي يتراجع بوتيرة أسرع من الرجال كلما انخفضت احتمالات المكاسب الصافية في التوظيف (شاترستوك)

ما النتيجة الأبرز؟

أظهرت النتائج أن النساء أكثر ميلاً من الرجال للقول إن مخاطر الذكاء الاصطناعي تفوق فوائده. وتشير الدراسة إلى أن نسبة من ترى المخاطر أعلى من الفوائد تزيد لدى النساء بنحو 11في المائة مقارنة بالرجال، وهي فجوة تقارب حجم الفجوة المعروفة في مواقف الجنسين تجاه التجارة، وهي قضية تؤثر تاريخياً على النقاشات السياسية، والقرارات التنظيمية.

وعند التعمق، يظهر أن هذه الفجوة ترتبط بقوة بالتوجه نحو المخاطرة. فبين المشاركين الأكثر ميلاً لتحمل المخاطرة، تتراجع الفجوة بين النساء والرجال بشكل كبير، أو تتلاشى. بينما تكون الفجوة الأوضح بين من يفضّلون اليقين. يعني هذا أن النفور العام من المخاطرة يضاعف الحذر من تقنية ذات نتائج اقتصادية غير مؤكدة.

كما تشير النتائج إلى دور التعرض للمخاطر، حيث مالت النساء إلى رؤية الذكاء الاصطناعي أكثر خطورة من الرجال في كل من فئات التعليم الجامعي وغير الجامعي، وهو ما ينسجم مع كونهن أكثر تمركزاً في وظائف قد تكون أكثر عرضة للأتمتة، وأقل وصولاً لمسارات العمل الأعلى ربحاً في مجالات الذكاء الاصطناعي.

دليل تجريبي

تظهر التجربة المسحيّة أن كلا من الرجال والنساء يقللون دعمهم لاعتماد الذكاء الاصطناعي عندما تنخفض احتمالات المكاسب الصافية في الوظائف. لكن دعم النساء يتراجع بسرعة أكبر عندما يصبح السيناريو أكثر خطورة. فعند مستوى المخاطرة الأعلى حيث تكون احتمالية المكاسب الصافية في الوظائف 30 في المائة فقط يكون دعم النساء أقل بشكل واضح من دعم الرجال. أما عندما تكون المكاسب مؤكدة بنسبة 100 في المائة، فتتقلص الفجوة بين الجنسين ولا تعود ذات دلالة إحصائية بحسب ما تذكر الدراسة. بمعنى آخر: النساء لسن «ضد الذكاء الاصطناعي» بالمطلق، لكن دعمهن يبدو أكثر ارتباطاً بمدى وضوح الفائدة الاقتصادية، وتأكدها.

من يعرف أكثر؟

حللت الدراسة أيضاً إجابات مفتوحة حول أكبر فوائد الذكاء الاصطناعي ومخاطره باستخدام نمذجة موضوعات نصية. وظهرت فروق نوعية، إذ عبّرت إجابات النساء بدرجة أكبر عن عدم اليقين («لا أعرف») وعن الشك في وجود فوائد اقتصادية واضحة. في المقابل، ركّزت إجابات الرجال أكثر على الإنتاجية والكفاءة، وتحسين العمليات الاقتصادية.

أما بشأن المخاطر، فقد ركّزت إجابات النساء أكثر على فقدان الوظائف والبطالة، بينما ركّزت إجابات الرجال أكثر على الاستخدامات الخبيثة، والمخاطر المجتمعية الأوسع. ويعزز ذلك استنتاج الدراسة بأن النساء في المتوسط يضعن الوزن الأكبر للمخاطر الاقتصادية، ويعبّرن عن قدر أعلى من عدم اليقين بشأن مكاسب الذكاء الاصطناعي.

أهمية البحث

ترى الدراسة أن هذه الفروق ليست اجتماعية فقط، بل سياسية أيضاً. فإذا انعكس انخفاض دعم النساء لاعتماد الذكاء الاصطناعي على انخفاض استخدامهن لأدواته في العمل، فقد يتراجع حضور النساء في مسار تطوير هذه التقنيات وحوكمتها في وقت تتوسع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات. وهذا يعني أن مخاوف النساء قد لا تُدمج بالقدر الكافي في التصميم، والضمانات وقرارات النشر والتشغيل.

كما تشير الدراسة إلى أن المواقف من الذكاء الاصطناعي قد تصبح أكثر تسييساً. فإذا كانت النساء أكثر دعماً للتدخل الحكومي لإبطاء التبني تحت سيناريوهات فقدان الوظائف، فإن ذلك قد يفتح فرصاً سياسية: قد يتبنى بعض السياسيين سياسات حماية وتنظيم لجذب أصوات النساء، أو قد تُستخدم مشاعر الحذر تجاه الذكاء الاصطناعي أداة تعبئة انتخابية.

لا تقول الدراسة إن النساء يرفضن التقنية لكونها «تقنية»، بل تشير إلى أنهن يستجبن لمشهد مخاطر تكون فيه الرهانات غير متساوية، حيث تختلط وعود الذكاء الاصطناعي بآثار وظيفية غير مؤكدة، وبفرص استفادة غير متكافئة. وبالنسبة للحكومات والمؤسسات التي تدفع نحو تبنٍ سريع، فإن الرسالة تبدو واضحة، وهي أن سياسات الذكاء الاصطناعي التي تتجاهل التعرض غير المتساوي لفقدان الوظائف، وتفاوت الوصول إلى فرص العمل عالية القيمة، واختلاف إدراك المخاطر، قد تعمّق عدم المساواة، وتضعف الثقة العامة. ومن ثمّ، فإن معالجة هذه المخاوف عبر حماية القوى العاملة، ومسارات إعادة التأهيل، وتقليل التحيز في الأنظمة، وحوكمة شاملة قد تكون ضرورية ليس فقط للعدالة، بل للحفاظ على شرعية التحول مع إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي للاقتصاد.


120 ألفاً مستعدون لمساعدته… ذكاء اصطناعي يوظّف بشراً لتنفيذ مهام يعجز عنها

يوسّع الذكاء الاصطناعي نطاق عمله دون الحاجة إلى استثمارات باهظة في الروبوتات بينما يحصل البشر على فرص دخل مرنة وسريعة وشفافة (رويترز)
يوسّع الذكاء الاصطناعي نطاق عمله دون الحاجة إلى استثمارات باهظة في الروبوتات بينما يحصل البشر على فرص دخل مرنة وسريعة وشفافة (رويترز)
TT

120 ألفاً مستعدون لمساعدته… ذكاء اصطناعي يوظّف بشراً لتنفيذ مهام يعجز عنها

يوسّع الذكاء الاصطناعي نطاق عمله دون الحاجة إلى استثمارات باهظة في الروبوتات بينما يحصل البشر على فرص دخل مرنة وسريعة وشفافة (رويترز)
يوسّع الذكاء الاصطناعي نطاق عمله دون الحاجة إلى استثمارات باهظة في الروبوتات بينما يحصل البشر على فرص دخل مرنة وسريعة وشفافة (رويترز)

في خطوة غير تقليدية تقلب سردية الأتمتة السائدة، تبرز منصة «رانت إي هيومان» RentAHuman.ai (أي استأجر إنساناً) نموذجاً جديداً للتكامل بين الذكاء الاصطناعي والإنسان، حيث تتيح لوكلاء الذكاء الاصطناعي استئجار أشخاص حقيقيين لتنفيذ مهام في العالم المادي لا تستطيع الأنظمة الرقمية القيام بها بمفردها حتى الآن.

تعمل المنصة بصفتها سوقاً متخصصة تربط بين وكلاء ذكيين يحتاجون إلى «تدخُّل بشري» وبين أفراد قادرين على تنفيذ مهام تتطلب حضوراً فعلياً، مثل التحقق الميداني، وحضور الاجتماعات، وتوصيل الطرود، والتقاط الصور، أو تنفيذ مهام بسيطة لكنها خارج نطاق العالم الرقمي. وبهذا، يُجسِّر هذا الموقع الفجوة بين قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة وحدود الواقع الفيزيائي.

آلية بسيطة

آلية العمل بسيطة نسبياً: ينشئ الأفراد ملفات تعريفية تتضمن موقعهم الجغرافي، ومهاراتهم، وأوقات التفرغ، والأجر المطلوب. في المقابل، يستطيع وكلاء الذكاء الاصطناعي البحث آلياً عن الشخص المناسب، وتفويضه بالمهمة، وتحديد التفاصيل الزمنية والتنفيذية بدقة. تجري المدفوعات بشكل فوري عبر العملات الرقمية أو المستقرة، ما يُلغي التأخير المعتاد في منصات العمل الحر التقليدية.

تكمن أهمية النموذج في فائدته للطرفين، فالذكاء الاصطناعي يوسّع نطاق عمله دون الحاجة إلى استثمارات باهظة في الروبوتات، بينما يحصل البشر على فرص دخل مرنة وسريعة وشفافة. ومع التوسع المتوقع في استخدام الوكلاء المستقلين، قد تتحول هذه المنصات إلى بنية تحتية أساسية لاقتصاد هجين جديد يقوم على الشراكة لا الاستبدال، ويُبقي الإنسان عنصراً لا غنى عنه في عصر الأتمتة.

ينشئ الأفراد ملفات تعريفية بموقعهم الجغرافي ومهاراتهم وأوقات التفرغ والأجر المطلوب وفي المقابل يستطيع وكلاء الذكاء الاصطناعي البحث آلياً عن الشخص المناسب وتفويضه بالمهمة وتحديد التفاصيل الزمنية والتنفيذية بدقة (رويترز)

استجابة مجتمعية سريعة

منذ إطلاقها مؤخراً، شهدت منصة «RentAHuman.ai» إقبالاً سريعاً، حيث سجّل مئات الأشخاص أسماءهم فيها في غضون أيام. وبلغ عدد الأشخاص الذين سجّلوا أسماءهم للقيام بمهمات يطلبها منهم الذكاء الاصطناعي على هذه المنصة، 120 ألف شخص.

وشمل المشاركون الأوائل متخصصين من مختلف القطاعات، ما يعكس فضولاً واسع النطاق حول هذه الديناميكية المعكوسة، حيث يسعى الذكاء الاصطناعي إلى الحصول على مساعدة بشرية.

تؤدي هذه المنصة بدورها تغييراً مبتكراً في الأدوار، حيث يعتمد الذكاء الاصطناعي، الآن، على البشر للتفاعل الجسدي. ويرى كثيرون في ذلك حلاً عملياً للقيود الحالية للذكاء الاصطناعي، مع خلق فرص اقتصادية جديدة.