ألمانيا رائدة استكشاف «كنز النفايات»

استخدامها في إعادة التدوير وإنتاج الطاقة يدر أرباحاً خيالية

قطاعات صناعية ألمانية عدة تركز على استعادة أكبر كمية من المواد الأولية لصنع السلعة نفسها
قطاعات صناعية ألمانية عدة تركز على استعادة أكبر كمية من المواد الأولية لصنع السلعة نفسها
TT

ألمانيا رائدة استكشاف «كنز النفايات»

قطاعات صناعية ألمانية عدة تركز على استعادة أكبر كمية من المواد الأولية لصنع السلعة نفسها
قطاعات صناعية ألمانية عدة تركز على استعادة أكبر كمية من المواد الأولية لصنع السلعة نفسها

عندما نستغني عن جهاز هاتف محمول، أو نلقي أي أجهزة نستخدمها في حياتنا اليومية، أو نظهر انزعاجنا للنفايات المختلفة التي تتراكم أحيانا في الشوارع كما هي الحال في بلدان فقيرة أو نامية، أو على شواطئ البحار أو في أعماقها، لا يمكن أن نتصور مدى إمكانية الاستفادة منها؛ إما بتصنيع سلع جديدة أو إنتاج الطاقة، وذلك عبر ما يسمى اليوم بعملية إعادة التدوير.
ولقد استفادت ألمانيا قبل عامين من أطنان هائلة من النفايات، عندما أضرب عمال التنظيف في مدينة نابولي الإيطالية، وكادت المدينة أن تواجه أمراضا خطيرة لو لم تقدم شركات في مدينتي لابزيج وبريماهافن على عمل غير عادي... فقد اشترت هذه الشركات تلك الأطنان من النفايات ودوّرتها.
وأول صفقة تمت يومها كانت تبلغ نحو 1500 طن نفايات من نابولي، تحولت بعد ذلك إلى مواد أولية لصنع أدوات منزلية وحاجيات بكلفة بسيطة؛ لأن المواد الأولية كانت قد أنتجت من النفايات، ثم بيعت سلعا وكأنها مصنوعة من مواد أولية جديدة يتم استيرادها عادة من الخارج.
وحققت الشركات أرباحا كبيرة، واليوم يوجد في ألمانيا أكثر من 100 مصنع للاستفادة من النفايات، إما بإحراقها وإنتاج طاقة منها لإضاءة آلاف المنازل، أو لتدويرها كي تصبح مواد أولية تدخل في صناعات كثيرة.
وتعتبر ألمانيا حاليا في طليعة الدول التي تعتمد على عمليات تدوير النفايات وتحويلها إلى مواد أولية، إما لصناعة السلعة نفسها التي تم تدويرها أو سلعا جديدة، وبخاصة بعد إقرار الحكومة الألمانية قوانين ولوائح تحظر رمي النفايات والمخلفات بشكل عشوائي، وتقضي بتجميعها لإعادة تدويرها. وتبع ذلك إقرار الاتحاد الأوروبي بأهمية عملية إعادة التدوير؛ وذلك لحماية البيئة وفي الوقت نفسه تنشيط اقتصاديات الدول الأعضاء بالاتحاد.
* الحاجة أم الابتكار
ولقد أدى ارتفاع أسعار المواد الأولوية وتناقص المخزون العالمي منها إلى البحث عن بدائل؛ ما جعل اليوم عملية إعادة تدوير المخلفات والنفايات الصناعية والمنزلية عنصرا يزداد أهمية في الدورة الاقتصادية الألمانية، ومصدرا مهما للحصول على المواد الأولوية اللازمة للكثير من القطاعات الصناعية. فنتج من ذلك إنشاء شركات متخصصة بجمع وفزر النفايات من الأجهزة الكهربائية والسيارات والبطاريات والنفايات المنزلية، ثم تعبئتها وتغليفها وبيعها.
وبرأي خبراء اقتصاد، أصبح تدوير النفايات «منجم ذهب لا ينضب»، طالما أن الناس يرمون ما لا يريدون استخدامه، كما أن هذا العمل لا يحمي الطبيعة فحسب؛ بل يقلل أيضا من الاعتماد على استيراد المواد الخام الصناعية من الخارج، ويخفض من تكلفة السلع المنتجة.
وحسب بيانات وزارة الاقتصاد والطاقة الاتحادية في ألمانيا، فإن حجم النفايات البلاستيكية التي جمعت عام 2015 في ألمانيا وصل إلى ما يقرب من 6 ملايين طن، تم تدوير نحو 84 في المائة منها كمواد أولية دخلت في صناعات مختلفة، وما تبقى كان من أجل إنتاج الطاقة.
ولقد أنتج من 50 في المائة من هذه النفايات البلاستيكية مادة بولي فينيل كلوريد، التي تستخدم في البناء كمادة إنشائية، و2.29 مليون طن من البولي إثيلين المستخدم في الكثير من الصناعات، مثل صناعة الأجزاء المتحركة من آلات النسيج وغيرها، وكذلك 990 ألف طن من مادة البولي بروبلين، وهي لدائن تدخل في صناعة الأحبال والملابس الداخلية والسجاد، وأجزاء من السيارات وسلع كثيرة أخرى. ويقدر قيمة ما ينتج في العالم من عملية تدوير النفايات البلاستيكية بنحو 65 مليار دولار سنويا.
وتراهن اليوم الكثير من المصانع في ألمانيا أيضا على عمليات تدوير الألمنيوم والنحاس؛ ما يمكنها من سد حاجاتها إلى الصناعة بنسبة لا بأس بها، ويوفر عليها شراء مواد أولية من الأسواق الدولية؛ إذ توجد أعداد هائلة من الهواتف النقالة القديمة ما زالت لدى الألمان، وضعت في القبو لتحل مكانها الأجهزة المتطورة. والأجهزة القديمة تحتوي على ذرات من الذهب والفضة ومعادن أخرى ثمينة أدخلت في صناعتها، وتحاول المصانع اليوم شراءها من أجل إعادة تدويرها. إلى جانب ذلك، تفكر مصانع كبيرة بتطوير تقنيات بهدف إعادة تدوير المواد الممغنطة في الكثير من الأجهزة بهدف إدخالها في صناعات كهربائية كثيرة.
* اعتماد رئيسي على التدوير
ولقد أصبح إعادة تدوير المخلفات والنفايات مصدرا جديدا للحصول على مواد أولية لعدد لا بأس به من المصانع الألمانية، منها مصنع في إقليم براندنبورغ الذي يدّور سنويا ما يقرب من 40 ألف طن من النفايات البلاستيكية لإدخالها في صناعة الكوابل، ويجني أرباحا تصل سنويا إلى مليار يورو نتيجة تقليصه شراء مواد أولية من الخارج.
هذا التطور في مجال الحصول على مواد أولوية قد يغير جذريا استراتيجية إنتاج قطاعات صناعية ألمانية عدة مستقبلا؛ فهي تتركز على استعادة أكبر كمية من المواد الأولية لصنع السلعة نفسها أو سلع مختلفة، أيضا استخدام المخلفات وقودا ومصدرا مساعدا لإنتاج الطاقة الكهربائية أو الطاقة الحرارية، وذلك عبر إحراقها في أفران خاصة؛ مما يقلل من استيراد كميات ضخمة من المواد الأولية اللازمة لتشغيل مصانعها، بالأخص بعد الدراسات التي تحذر من مغبة تراجع كميات المواد الأساسية الخام؛ وفي الدرجة الأولى المعادن المختلفة... في وقت يزداد فيه الطلب العالمي عليها، وتحتكرها بلدان مصدرة لها، وبخاصة تلك التي تدخل في الصناعات الالكترونية، التي أصبحت اليوم أحد أهم ركائز اقتصاد بلدان صناعية كبيرة.
فألمانيا على سبيل المثال ليس لديها ثروات طبيعية؛ ما يضطرها إلى استيراد نحو 75 في المائة من حاجاتها إلى المواد الأساسية، ويجعل صناعتها مرتهنة للبلدان المنتجة لهذه المواد الأساسية... وبذلك تصبح ألمانيا أحيانا خاضعة للأسعار التي لا تتحكم بها الأسواق العالمية مباشرة، بل وضع البلدان المصدرة، ومن أهم الدول المصدرة لهذه المواد الحيوية الصين، حيث تنتج مناجمها نحو 70 في المائة من المعادن النادرة في العالم، وتأتي بعدها البرازيل ثم روسيا.
* ماذا يصنع من النفايات
يعتبر قطاع تدوير النفايات اليوم في ألمانيا من أهم أرباب العمل، ففي هذا القطاع يعمل أكثر من 300 ألف شخص، ويحقق القطاع إيرادات تتجاوز سنويا 38 مليار يورو. وتستفيد من عمليات التدوير قطاعات عدة، منها قطاع البناء، حيث يبلغ سنويا حجم مخلفات البناء نتيجة هدم المباني والمنازل أو عمليات الترميم نحو 50 مليون طن. وتتم الاستعانة بنحو مليوني طن من الخرسانة المدورة في المباني الجديدة، وبتكاليف أقل من شراء مواد بناء جديدة.. إلى جانب أكثر من 7 ملايين طن من قضبان الحديد وكميات هائلة من التراب للبناء.
والأمر نفسه ينطبق على صناعة الورق، وتصل نسبة إعادة تدوير ما يجمع من كل أنواع الورق (صحف ومجلات وكتب ومستلزمات ورقية في الإدارات) إلى نحو 99 في المائة.
وتكتسب عملية إعادة التدوير في صناعة الورق أهمية كبيرة، فالمصدر التقليدي الرئيسي هو الأخشاب في الغابات، مثل غابات الأمازون، والتدوير يقلل من قطع الأشجار فيها.
وأصبح رمي الزجاج في ألمانيا بشكل عشوائي من الأمور المحظورة، حيث تنتشر آلاف الحاويات في الأحياء لجمعه. وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أنه يتم سنويا جمع ما يقارب من 2.5 مليون طن من الزجاج بهدف تدويره، أو إعادة استخدامه في صناعات مختلفة.
والاستفادة من المعادن الثمينة من الكثير من الأجهزة أصبح استراتيجية يعتمدها قطاع الصناعات، بالأخص الأجهزة الإلكترونية والكهربائية، مثل أجهزة الكومبيوتر المحمولة والهواتف المحمولة والألعاب الإلكترونية. ويبلغ حجم النفايات منها سنويا مليوني طن.
وتحتوي الهواتف المحمولة على سبيل المثال على أكثر من 30 نوعا من المعادن، واستطاعت ألمانيا عام 2012 فقط الحصول على نحو 300 ألف طن من الألمنيوم والنحاس ومعادن أخرى، إلى جانب ذرات من الذهب والفضة، عبر إعادة تدوير هذه الأجهزة التي كانت ترمى سابقا وتلوث البيئة.
ويصل حجم إنفاق ألمانيا في صناعة مستلزمات بلاستيكية من أكياس النايلون والتعليب ومنتجات ومستحضرات التجميل وألياف النسيج والمفروشات والاحتياجات المنزلية، وحتى الملابس والأحذية، إلى ما يقرب من 60 مليار يورو. حيث يجمع قرابة 90 في المائة من هذه النفايات، فيتم تدوير نحو 50 في المائة منها وتستخدم لصناعة السلع نفسها التي دورت، وما تبقى لحرقها مواد بديلة عن الوقود، أو استخدامها في توليد الطاقة الكهربائية أو التدفئة.
وعلى هذا الأساس، أصبح للنفايات والمخلفات قيمة كبيرة بعد أن تحولت إلى عنصر يدخل في صناعات كثيرة، فحتى الأحذية القديمة؛ تصنع منها اليوم حقائب أنيقة، وملابس رياضية، وأحذية باهظة الثمن.



الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
TT

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)

كشفت الهيئة العامة للإحصاء عن أداء استثنائي للقطاع الصناعي السعودي في نهاية عام 2025، حيث حقق الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي نمواً سنوياً بلغت نسبته 8.9 في المائة مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول) من العام السابق.

ويعكس هذا الارتفاع حالة الانتعاش في الأنشطة الاقتصادية الرئيسة، وعلى رأسها التعدين، والصناعة التحويلية، مما يعزز من مكانة القطاع باعتبار أنه رافد أساسي للاقتصاد الوطني.

الإنتاج النفطي

لعب نشاط التعدين واستغلال المحاجر دوراً محورياً في دفع المؤشر العام نحو الأعلى، حيث سجل نمواً سنوياً لافتاً بنسبة 13.2 في المائة بحلول ديسمبر. ويُعزى هذا الزخم بشكل أساسي إلى ارتفاع مستويات الإنتاج النفطي في المملكة لتصل إلى 10.1 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ 8.9 مليون برميل في الفترة المماثلة من العام الماضي. على أساس شهري، شهد المؤشر استقراراً نسبياً بزيادة طفيفة بلغت 0.3 في المائة فقط مقارنة بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) السابق.

الصناعة التحويلية

وفي سياق متصل، أظهر قطاع الصناعة التحويلية مرونة عالية بنمو سنوي قدره 3.2 في المائة، مدعوماً بقوة الأداء في الأنشطة الكيميائية والغذائية. وقد برز نشاط صنع المواد الكيميائية والمنتجات الكيميائية بوصفه من أقوى المحركات في هذا القطاع مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 13.4 في المائة، تلاه نشاط صنع المنتجات الغذائية الذي نما بنسبة 7.3 في المائة. أما على الصعيد الشهري، فقد حافظ المؤشر على وتيرة إيجابية بزيادة قدرها 0.3 في المائة، حيث قفز نشاط المنتجات الغذائية منفرداً بنسبة 9.6 في المائة، ونشاط المواد الكيميائية بنسبة 2.8 في المائة مقارنة بنوفمبر 2025.

إمدادات المياه والخدمات العامة

أما بالنسبة للخدمات العامة، فقد سجل نشاط إمدادات المياه وأنشطة الصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها ارتفاعاً سنوياً قوياً بنسبة 9.4 في المائة. وفي المقابل، واجه نشاط إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء انخفاضاً بنسبة 2.5 في المائة مقارنة بديسمبر 2024. ولوحظ انكماش شهري في هذين القطاعين بنسب بلغت 7.2 في المائة و13.1 في المائة على التوالي عند المقارنة بشهر نوفمبر 2025، مما يشير إلى تأثر الإنتاج بالتقلبات الموسمية، أو جداول الصيانة الدورية.

توازن الأنشطة النفطية وغير النفطية

ختاماً، تُظهر البيانات توزيعاً متوازناً للنمو بين الركائز الاقتصادية للمملكة، حيث حققت الأنشطة النفطية ارتفاعاً سنوياً بنسبة 10.1 في المائة، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً ثابتاً بنسبة 5.8 في المائة. وعند النظر إلى الأداء قصير المدى، يتبين أن الأنشطة غير النفطية حافظت على تفوقها الشهري بنمو قدره 0.4 في المائة، في حين سجلت الأنشطة النفطية انخفاضاً شهرياً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة، مما يعكس استراتيجية التنويع الاقتصادي المستمرة في المملكة.


ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
TT

ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)

في واحدة من أكثر تصريحاته الاقتصادية إثارة للجدل، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقفاً مرتفعاً جداً لمرشحه الجديد لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، مؤكداً أنه قادر على دفع عجلة الاقتصاد الأميركي لتحقيق معدلات نمو تاريخية تصل إلى 15 في المائة.

هذه التصريحات لا تضع ضغطاً هائلاً على وورش فحسب، بل تعلن رسمياً بداية معركة ترمب لكسر التقاليد النقدية المتبعة في واشنطن منذ عقود.

ندم «تاريخي» واعتراف بالخطأ

خلال مقابلة مطولة مع شبكة «فوكس بيزنس»، عاد ترمب بالذاكرة إلى الوراء ليعرب عن ندمه الشديد على تعيين جيروم باول رئيساً للبنك المركزي في ولايته الأولى. ووصف هذا القرار بأنه كان «خطأً كبيراً جداً»، كاشفاً أن كيفن وورش كان هو «الوصيف» في ذلك الوقت.

وحمّل ترمب وزير خزانته السابق، ستيفن منوشين، مسؤولية هذا الاختيار، قائلاً: «لقد أصرَّ وزيري حينها على باول بشكل لا يصدق... لم أكن مرتاحاً له في قلبي، لكن أحياناً تضطر للاستماع للآخرين، وكان ذلك خطأً جسيماً».

ترمب والسيناتور الأميركي تيم سكوت وباول خلال جولة في مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي (رويترز)

أحلام النمو... هل هي واقعية؟

عند الحديث عن وورش، لم يتردد ترمب في رسم صورة «إعجازية» للمستقبل الاقتصادي، حيث صرح للشبكة: «إذا قام وورش بالعمل الذي أعلم أنه قادر عليه، فيمكننا أن ننمو بنسبة 15 في المائة، بل أعتقد أكثر من ذلك».

هذا الرقم أثار دهشة الأوساط الاقتصادية؛ فالاقتصاد الأميركي نما بمتوسط 2.8 في المائة سنوياً على مدار الخمسين عاماً الماضية، ولم يسبق للناتج المحلي الإجمالي أن لامس حاجز الـ 15 في المائة إلا في حالات استثنائية جداً، منها فترة التعافي من إغلاقات كورونا في 2020. ومع ذلك، يبدو ترمب مصمماً على أن وورش هو الشخص القادر على تحقيق هذه القفزة التي تتجاوز كل التوقعات التقليدية.

لا لرفع الفائدة

كشف ترمب بوضوح عن المعيار الذي اختار على أساسه وورش، وهو الرغبة في خفض أسعار الفائدة. وأكد أنه لم يكن ليختار وورش لو كان الأخير يدعو إلى رفع الفائدة، مشدداً على رغبته في مرشح يدفع بالنمو إلى أقصى حدوده.

ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس «مقامرة» اقتصادية كبرى؛ إذ إن تحقيق نمو يقترب من 15 في المائة قد يؤدي تقنياً إلى انفجار في معدلات التضخم التي لا تزال تكافح للوصول إلى مستهدفاتها، وهو أمر يبدو أن ترمب لا يراه عائقاً أمام طموحاته قبل الانتخابات النصفية.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي (رويترز)

جدار الصد في «الكابيتول هيل»

على الرغم من حماس ترمب، فإن طريق وورش نحو رئاسة الفيدرالي مزروع بالألغام السياسية. فقد أعلن السيناتور الجمهوري البارز ثوم تيليس عزمه عرقلة أي عملية تصويت لتأكيد تعيين وورش في مجلس الشيوخ.

ويأتي تهديد تيليس احتجاجاً على سلوك إدارة ترمب تجاه جيروم باول، حيث تلاحق وزارة العدل باول في تحقيقات تتعلق بمشروع تجديد مبنى الفيدرالي، وتصريحاته حول التكاليف. ويرى تيليس أن هذه الملاحقات القضائية هي محاولة لترهيب رئيس البنك المركزي، وتقويض استقلاليته.

«إذا حدث التأجيل... فليحدث»

بدا ترمب غير مبالٍ بتهديدات التعطيل في مجلس الشيوخ، حيث سخر من معارضة تيليس قائلاً: «لقد حاربت تيليس لفترة طويلة، لدرجة أنه انتهى به الأمر بالاستقالة». وعندما سُئل عما إذا كان التحقيق مع باول يستحق تعطيل ترشيح وورش، أجاب ببرود: «لا أعلم، سنرى ما سيحدث... إذا حدث التأجيل، فليحدث»، في إشارة واضحة إلى أنه لن يتراجع عن ملاحقة باول قانونياً حتى لو كلّفه ذلك تأخير تعيين خليفته.


«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
TT

«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)

في خطوة تعكس فقدان «الراحة» والاطمئنان تجاه الأصول الأميركية، بدأت الصين مساراً استراتيجياً لتقليص تبعية نظامها المصرفي لديون واشنطن، في عملية وُصفت بـ«الهروب الهادئ»، لتفادي الصدمات العنيفة في الأسواق.

تعليمات صينية خلف الأبواب المغلقة

كشفت مصادر مطلعة لـ«بلومبرغ» أن السلطات التنظيمية في بكين، وعلى رأسها بنك الشعب الصيني، أصدرت توجيهات للمؤسسات المالية المحلية بضرورة كبح حيازاتها من الديون الأميركية. هذه التعليمات تضمنت حث البنوك ذات «التعرض العالي» على تقليص مراكزها فوراً، بذريعة حماية القطاع المصرفي من «مخاطر التركز»، والتقلبات الحادة.

ورغم أن القرار استثنى «الاحتياطيات السيادية» الرسمية، فإن الأسواق استقبلته بوصفه إشارة حمراء، مما رفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوراً إلى 4.2359 في المائة.

لغة الأرقام

تُظهر البيانات الدقيقة الواردة من وزارة الخزانة الأميركية أن الصين بدأت بالفعل مساراً نزولياً في حيازاتها:

  • الصين: بعد أن كانت تمتلك 767 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفعت حيازتها لتتجاوز 900 مليار دولار في أغسطس (آب) 2025، لكنها عادت للتراجع السريع لتصل إلى 888.5 مليار دولار بحلول نوفمبر 2025، حيث باعت في شهر واحد ما قيمته 5.39 مليار دولار. ويرى مراقبون أن فقدان هذا المصدر للطلب سيشكل ضربة قوية لسوق سندات الخزانة الأميركية البالغ 30.3 تريليون دولار، لكن يبقى من الصعب قياس التأثير.
  • التكتل الصيني: تشير بيانات «آي إن جي» إلى أن إجمالي ما تمتلكه الصين وهونغ كونغ معاً بلغ 938 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي، مما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً باعتبارها أكبر حامل للدين الأميركي.
  • دول بريكس الأخرى: لم تكن الصين وحدها؛ فقد قلّصت البرازيل حيازتها من 229 مليار دولار إلى 168 ملياراً خلال عام واحد، كما تراجعت استثمارات الهند من 234 مليار دولار إلى 186.5 ملياراً.

توقيت «الاتصال الساخن» وظلال ترمب

ما يمنح هذا التحرك ثقلاً سياسياً استثنائياً هو صدوره قبيل اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويأتي هذا الحذر الصيني وسط تزايد حالة عدم اليقين تجاه سياسات إدارة ترمب الثانية؛ حيث أدى نهجه الذي لا يمكن التنبؤ به في ملفات التجارة والدبلوماسية، وهجماته المتكررة على الاحتياطي الفيدرالي، وزيادة الإنفاق العام، إلى دفع المستثمرين الدوليين للتساؤل علانية: هل لا تزال الديون الأميركية مكاناً آمناً؟

وفي هذا الإطار، قال مصرف «يو بي إس» إن فكرة تراجع رغبة المستثمرين الدوليين في شراء الديون الأميركية باتت تستحوذ على اهتمام الأسواق فعلياً.

بين «سلاح الديون» واستراتيجية التحوط

بينما يقلل وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، من أهمية تحركات المستثمرين الأجانب، يرى خبراء أن هذه الضغوط تأتي في وقت «هش» للدولار.

الواقع الجديد يشير إلى أن المستثمرين العالميين لم يعودوا يرغبون في استخدام ديون واشنطن أداة «عقاب سياسي» فحسب، بل بدأوا استراتيجية «التحوط الكبرى» (Hedging). فهم يريدون البقاء في السوق الأميركية القوية بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت نفسه يقلصون مشتريات السندات، لحماية أنفسهم من انهيار محتمل في قيمة الدولار، أو تذبذب حاد في الفائدة.