الأمم المتحدة قلقة من «إخلاء قسري» لمدنيين «موالين لداعش» من الموصل

مسلحو التنظيم يتحصنون بين السكّان لإعاقة الحسم النهائي للمعركة

دمار في محيط الجامع النوري الذي فجّره «داعش» في المدينة القديمة في الموصل (أ.ف.ب)
دمار في محيط الجامع النوري الذي فجّره «داعش» في المدينة القديمة في الموصل (أ.ف.ب)
TT

الأمم المتحدة قلقة من «إخلاء قسري» لمدنيين «موالين لداعش» من الموصل

دمار في محيط الجامع النوري الذي فجّره «داعش» في المدينة القديمة في الموصل (أ.ف.ب)
دمار في محيط الجامع النوري الذي فجّره «داعش» في المدينة القديمة في الموصل (أ.ف.ب)

واصلت القوات العراقية، أمس، تقدمها باتجاه استعادة السيطرة على المدينة القديمة، آخر معاقل «داعش» في الموصل، في حين أعلن مجلس محافظة نينوى، أن الشرطة المحلية هي التي ستمسك الأرض بعد تحرير المدينة بالكامل وإعادة الاستقرار لها. وجاء ذلك في حين أبدت الأمم المتحدة قلقها من تهديدات متصاعدة، خصوصاً بإخلاء قسري لمدنيين من الموصل للاشتباه بعلاقتهم بمسلحي «داعش»، بحسب ما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية في تقرير من جنيف أمس.
وقال روبر كولفيل، المتحدث باسم المفوضية العليا لحقوق الإنسان: «مع التحرير التدريجي للموصل من (داعش)، نشهد تنامياً مقلقاً للتهديدات خصوصاً بالإخلاء القسري لمشتبه بكونهم من عناصر (داعش) أو من لديهم أقارب يشتبه في انخراطهم مع (داعش)». وأضاف: «إن مئات من الأسر مهددة بالترحيل القسري، ومثل هذه التطورات مقلقة للغاية».
وتابع: إن المفوضية تلقت معلومات تشير إلى «رسائل ليلية تركت في منازل أسر أو وزّعت في أحياء» تحذّر أناساً بضرورة الرحيل، وإلا فإنه سيتم ترحيلهم عنوة. وقال: إن هذه التهديدات عادة ما ترتبط باتفاقات عشائرية تطالب باستبعاد كل أسرة على صلة بـ«داعش» من بعض المناطق.
وأضاف: إن «الإخلاء القسري غير القانوني والترحيل الإجباري يمكن أن يشكل عقوبة جماعية ويتعارض بوضوح مع الدستور العراقي وحقوق الإنسان والقوانين الإنسانية الدولية».
وتابع: إن الأمم المتحدة تدعو الحكومة العراقية «إلى التحرك لإنهاء عمليات الإخلاء الوشيكة ولكل عقوبة جماعية»، معتبراً أن «عمليات الإخلاء القسرية غير القانونية تشكل أعمالاً انتقامية تسيء للمصالحة الوطنية والتعايش الاجتماعي»
ميدانياً، قال مسؤول إعلام قوات الشرطة الاتحادية العقيد عبد الرحمن الخزعلي، لـ«الشرق الأوسط»: «مساحة المنطقة الخاضعة لسيطرة إرهابيي (داعش) في المدينة القديمة لا تتعدى واحد في المائة (منها)، والقوات الأمنية تواصل التقدم لاستعادة السيطرة عليها والقضاء على ما تبقى من الإرهابيين».
وقالت مصادر أمنية عراقية: إنه ما زال هناك نحو 300 مسلح من «داعش» يخوضون القتال ضد القطعات الأمنية في الموصل القديمة، غالبيتهم من الأجانب والعرب غير العراقيين، حيث تشتد المعارك بين الجانبين من منزل إلى آخر، وتطغى أسلحة القناصة والرشاشات الخفيفة والقنابل اليدوية على المعركة التي تدور وسط كثافة سكانية عالية يستخدمها التنظيم دروعا بشرية؛ لإطالة مدة الحرب وإعاقة تقدم القوات العراقية.
وتفيد إحصاءات رسمية بأنه ما زال هناك نحو 80 ألف مدني داخل المناطق الخاضعة للتنظيم. وقال نازحون موصليون نجحوا خلال الأيام الماضية من الهرب من المدينة: إن الآلاف من المدنيين يعيشون ظروفا معيشية صعبة، في ظل نقص حاد في الغذاء والدواء ومياه الشرب، وقد جمع التنظيم في كل منزل من منازل الموصل القديمة المتلاصقة العشرات من العوائل وأغلق عليها الأبواب، ومنع العوائل من الخروج، بينما تتحصن كل مجموعة من مسلحيه في هذه المنازل بين المدنيين، ويرتدون أحزمة ناسفة لتفجير أنفسهم مع اقتراب القوات العراقية منهم.
من جانبه، قال قائد الشرطة الاتحادية، الفريق رائد شاكر جودت، في بيان أمس: إن الشرطة الاتحادية تضييق الخناق على مسلحي «داعش» في المحور الجنوبي من المدينة القديمة. وأضاف: «استعادت قواتنا السيطرة على محطة وقود الجمهورية في باب لكش وجامع كعب بن مالك في باب جديد، وتواصل التقدم من ثلاثة محاور نحو أهدافها المتبقية».
وذكر ضباط من قوات الشرطة الاتحادية شاركوا في معارك أمس، لـ«الشرق الأوسط»: «حررت قطعاتنا (أمس) كنيسة الساعة وجامع عمر الأسود وجامع الكرار وجنوب السرجخانة وكراج السرجخانة»، وأوضحوا أن قطعات الرد السريع تواصل عملية تطهير المستشفى الجمهوري، ومستشفى البتول ومبنى القاصرين ودار الأيتام، ومبنى الطوارئ، ومبنى طب الأسنان ودار الأطباء في حي الشفاء من جيوب «داعش».
وبحسب إحصاءات قيادة الشرطة الاتحادية، أسفرت المعارك أمس عن مقتل 54 مسلحا من التنظيم، وتدمير 7 عجلات و24 عبوة ناسفة، وتفكيك 15 حزاماً ناسفاً، ومعملاً للتفخيخ، ومركزاً للاتصالات، وعثرت على نفق يحوي 40 صاروخاً. في غضون ذلك، أعلن قائد عمليات «قادمون يا نينوى»، الفريق الركن قوات خاصة عبد الأمير رشيد يارالله، في بيان أمس، أن قوات جهاز مكافحة الإرهاب حررت سوق الشعارين ومنطقة النبي جرجيس ومنطقة عبد خوب في المدينة القديمة، بينما حررت قطعات فرقة المشاة السادسة عشرة من الجيش العراقي حي الفاروق الثانية في المدينة بعد معارك استمرت خلال اليومين الماضيين.
وتخوض القوات العراقية منذ أكثر من ثمانية أشهر معارك تحرير الموصل من مسلحي «داعش»، بإسناد من طائرات التحالف. وستنتظر القوات الأمنية بعد تحرير الموصل عمليات عسكرية أخرى لتحرير قضاء تلعفر وناحيتي العياضية والمحلبية، وأكثر من 500 قرية في غرب المدينة إلى جانب قضاء الحويجة جنوب غربي كركوك، والجانب الأيسر من قضاء الشرقاط.
وقال مسؤول إعلام مجلس محافظة نينوى، عبد الكريم الكيلاني، لـ«الشرق الأوسط»: إن القوات العراقية ستحرر بعد الموصل قضاء تلعفر والقرى والبلدات الأخرى الواقعة غرب الموصل، و«لن تدع شبراً واحداً من أراضي محافظة نينوى بيد مسلحي التنظيم». وأضاف: «مجلس محافظة نينوى والمحافظ الحالي سيديرون المحافظة في مرحلة ما بعد التحرير لحين إجراء انتخابات مجالس المحافظات القادمة»، مبيناً أن الشرطة المحلية في المحافظة هي التي ستمسك الأرض، وتشرف على الملف الأمني في مرحلة ما بعد التحرير وإعادة الاستقرار للمدينة.
وعما إذا كانت الشرطة المحلية قادرة على إدارة الملف الأمني خلال الفترة المقبلة، أوضح الكيلاني: «حالياً ليست قادرة بشكل كامل، لكن ستكون هناك خطوات مستقبلية بعد التحرير، كفتح باب التطوع في صفوف الشرطة وتدريبها»، لافتاً إلى أن إدارة المحافظة تعمل من أجل أن تتسلم الشرطة المحلية الملف الأمني في المحافظة بعد التحرير.
ويتكون مجلس محافظة نينوى من كتل سياسية عدة، هي «تحالف التآخي والتعايش الكردستاني» الذي يتولى رئاسة مجلس المحافظة، و«كتلة النهضة»، التي ينتمي إليها محافظة الموصل الحالي، و«الكتلة المدنية»، إضافة إلى «كوتا» الشبك والمسيحيين والإيزيديين.
ولعل المشكلة الأكبر التي ستواجه الموصل في مرحلة ما بعد التحرير هي وجود خلايا «داعش» النائمة في المدينة التي كثفت أخيراً من تحركاتها وتنفيذ العمليات الانتحارية في الجانب الأيسر من الموصل والأحياء المحررة من أيمنه، إضافة إلى عوائل مسلحي التنظيم الذين يطالب سكان المدينة بطردهم من الموصل وإيوائهم في مخيمات خارج المدينة لـ«إعادة تأهيلهم ودمجهم مرة أخرى في المجتمع». لكن القرار الذي أصدره مجلس قضاء الموصل في يونيو (حزيران) الماضي الذي ينص على نقل عوائل مسلحي التنظيم من داخل الموصل إلى مخيمات في خارجها لم ينفذ بعد، وما زال ينتظر قرار مجلس المحافظة للبدء بتنفيذه.
ويُشدد مسؤول إعلام منظمات المجتمع المدني في محافظة نينوى، مهند الأومري، على تمسك الناشطين المدنيين والشباب الموصلي بطرد عوائل المسلحين من المدينة. ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «رغم مطالباتنا بطردهم من المدينة، لكن لم تأخذ الجهات الأمنية والحكومية في المحافظة أي خطوات لتنفيذ مطالبنا، في وقت تنفذ خلايا (داعش) النائمة يومياً الكثير من العمليات الإرهابية في المدينة».



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.