مونتيني... مفكر في عصر الحروب المذهبية

لا يمكن فهم فلسفة ديكارت جيداً دون الاطلاع على فكره

مونتيني
مونتيني
TT

مونتيني... مفكر في عصر الحروب المذهبية

مونتيني
مونتيني

من يزور باريس لا بد أن يزور الشانزيليزيه أجمل شارع في العالم. وقد ينزلق إلى الأسفل على غير وعي منه حتى يصل إلى شارع جانبي متفرع عنه يدعى شارع مونتيني؛ هناك حيث عاشت في شقق فاخرة الممثلة الشهيرة مارلين ديتريش وإمبراطورة إيران السابقة ثريا وبعض المشاهير الآخرين. وقد يتساءل أحد: من هو مونتيني هذا؟ هنا بعض الإجابة عن هذا السؤال.
يعتبر مونتيني (1533 - 1592) أحد كبار مفكري عصر النهضة الأوروبية، بالإضافة إلى رابليه، وايراسم، وتوماس مور، وجيوردانو برينو، وآخرين كثيرين. ولا يمكن فهم فلسفة ديكارت جيداً دون الاطلاع على فكره لأنه أثر عليه كثيراً. ويمكن اعتبار مونتيني أحد حكماء الغرب كله وليس فقط فرنسا. وذلك لأن الدراسات المخصصة له كثيرة في كل اللغات الأوروبية. وقد اتسم فكره بالعمق، والمرونة، والاستخفاف بمظاهر الحياة الدنيا التي لا تستحق أن نهتم بها أو نتكالب عليها إلى مثل هذا الحد. يقول هذه العبارة الجميلة:
«الحياة ليست إلا عبوراً مؤقتاً، ولكن على الأقل لنزرع على هذا المعبر المؤقت قبل رحيلنا بعض الأزهار».
كان هذا المفكر الفذ قد ولد في مدينة بوردو الواقعة جنوب غربي فرنسا التي خلدها الشاعر الألماني هولدرلين بقصيدة مشهورة يوماً ما قبل أن يجن بقليل. وفيها مات فيلسوفنا عن عمر يقارب 60 عاماً. وكان مفكراً ورجلاً سياسياً في الوقت ذاته. فقد كان عمدة لمدينة بوردو مثل آلان جوبيه الديغولي الحالي. بمعنى أنه لم يكن يتفلسف في برجه العاجي. وبالتالي ففكره ليس تجريدياً أو نظرياً وإنما هو مرتبط بالممارسة العملية المحسوسة. وكان ينتمي إلى عائلة نبلاء أرستقراطيين يمتلكون الأراضي والقصور في منطقة بوردو الجميلة المليئة بالبساتين وكروم العنب. وهي المدينة الثانية التي حظيت بالإقامة فيها بعد وصولي إلى فرنسا عام 1976. أما المدينة الأولى فكانت بيزانسون القريبة من الحدود السويسرية.
ومعلوم أن عصره أي القرن السادس عشر - كان عصر الحروب الطائفية والمذهبية في كل أنحاء فرنسا. فقد اندلع الصراع بين المذهبين الأساسيين للمسيحية آنذاك، أي المذهب الكاثوليكي الأغلبي والمذهب البروتستانتي الأقلوي. وهجمت الأكثرية على الأقلية وحاولت إبادتها بعد أن كفرتها وزندقتها وأخرجتها من الدين. وارتكبت فيها مجازر دموية مرعبة كان أشهرها مجزرة سانت بارتيليمي التي حصلت بتاريخ 24 أغسطس (آب) من عام 1572 أي قبل أربعة قرون ونصف القرن تقريباً. نقول ذلك على الرغم من أنهما ينتميان إلى نفس الإنجيل ونفس المسيح، ولكن هناك خلافات لاهوتية تفصيلية كعدم اعتراف البروتستانتيين بالبابا مثلاً. و«الشيطان يكمن في التفاصيل» كما يقول المثل الشهير.
وبالتالي، ففلسفة مونتيني لا يمكن فصلها عن سياقها التاريخي وأهم الأحداث التي حصلت عندئذ. وفي نشأته الأولى اهتم فيلسوفنا بالدراسات النهضوية والإنسانية، أي الدراسات التي تركز على أعلام الفكر والأدب في العصور اليونانية والرومانية القديمة. ومعلوم أن هذه الدراسات الأدبية - الإنسانية انتشرت بشكل واسع إبان عصر النهضة كرد فعل على الدراسات اللاهوتية والكنسية الظلامية التي كانت الناس غارقة فيها إبان العصور الوسطى.
بهذا المعنى، فإن مونتيني كان كاتباً نهضوياً بامتياز. فقد شغف بدراسة مؤلفات أفلاطون وفيرجيل وشيشرون وغيرهم من كبار شعراء وأدباء وفلاسفة اليونان والرومان. ثم ابتدأ مونتيني بتأليف كتابه الكبير «المقالات» وهو كتابه الوحيد. وكان عمره عندما ابتدأ بتأليفه سبعة وثلاثين عاماً. وقد ظل يكتب فيه حتى مات. وبالتالي فهو كتاب العمر. ولا يزال هذا الكتاب يدهش الدارسين حتى الآن بسبب عمقه والجواهر الفكرية التي يحتوي عليها.
وكان هدفه في هذا الكتاب أن يدرس الإنسان في كل حالاته لكي يكتشف نقاط قوته ونقاط ضعفه ولكي يعرف نفسيته وردود أفعاله المختلفة. وقد طبق هذه الدراسة التحليلية على نفسه أولاً، لأنه إنسان من جملة خلق الله. وبالتالي فما ينطبق عليه ينطبق على غيره من بني البشر، على الرغم من خصوصية كل إنسان.
ولكن هناك صفات مشتركة تجمع بين البشر. وهذه الصفات هي التي يدرسها علم الإنسان أو ما يدعى باللغات الأجنبية: الأنثروبولوجيا. وهذا يعني أن مونتيني كان من أوائل الذين أسسوا هذا العلم في الغرب. وقد قال في مقدمة كتابه شارحاً مشروعه الكبير: «لقد أردت في هذا الكتاب أن أعرّي نفسي على حقيقتها دون مساحيق تجميلية أو اصطناعية».
وهذا ما فعله جان جاك روسو بعده بقرنين من الزمن عندما ألف كتاب «الاعترافات» الشهير، وتحدث عن حياته الشخصية والحميمية وحتى الجنسية بشكل جريء جداً، بل ومتهور، دون أن يخفي شيئاً من نواقصه أو عيوبه المخجلة. وهذا شيء صعب جداً ولا يتجرأ عليه الكتاب العرب الذين لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم...
وقد نجح مونتيني في مشروعه مثلما نجح روسو بعده، لأنه كان صادقاً ولم يحسّن صورته ولم يزيفها أو يمجدها كما يفعل الناس عادة عندما يكتبون عن أنفسهم. لقد وصفها بشكل موضوعي، بارد، وكأنه يتحدث عن شخص آخر. ولم يشأ أن يكذب على الناس في عصره ولا على الأجيال القادمة. ولهذا السبب، فإن تأثير مونتيني على الأدب الفرنسي والأوروبي بل وحتى العالمي كان كبيراً من هذه الناحية. فصدقه الكامل في الكتابة واعترافه بكل نقاط ضعفه فاجأ الجميع ونال إعجابهم.
وعندما اشتعلت الحروب المذهبية أو الطائفية في فرنسا بين الأغلبية الكاثوليكية التي ينتمي إليها شخصياً والأقلية البروتستانتية، لم يتصرف مونتيني كشخص متعصب لطائفته بشكل مسبق وإنما كوسيط معتدل بين الطرفين. وهكذا رضي عنه حتى أتباع المذهب المضاد لمذهبه، أي المذهب البروتستانتي الأقلوي. لماذا؟ لأنه بحكمته العميقة عرف كيف يتجاوز التعصب الديني ويتعالى عليه. وكان ذلك أمراً صعباً للغاية في تلك الفترة المليئة بالأحقاد الطائفية والمشتعلة بالنيران المذهبية. وقد كتب له صديقه الحميم دو بويسي رسالة يصرخ فيها قائلاً: «يا إلهي، لماذا خُلقنا في هذا العصر الرهيب، عصر المجازر الطائفية؟ الناس أصبحت مشوهة أو مبتورة. الناس تتساقط بالآلاف يومياً. الحياة لم تعد تطاق». هل يتحدث عن عصره أم عن عصرنا العربي الراهن؟
كان مونتيني يعرف أن عامة البشر لهم عقول ضيقة ومتعصبة بطبيعتها. وبالتالي فلا فائدة ترجى منهم إلا بعد أن يتعلموا ويتطوروا وتتهذب أخلاقهم وتخفّ حزازاتهم وعصبياتهم. وهذا يتطلب وقتاً طويلاً. والواقع أن فرنسا لم تخرج من العقلية الطائفية ولم تنتصر عليها إلا بعد عصر التنوير والثورة الفرنسية: أي بعد قرنين من عصر مونتيني وصديقه العزيز دو بويسي. والآن لم يعد الكاثوليكي يعرف فيما إذا كان جاره بروتستانتياً أم لا. ولا يهمه ذلك أصلاً. يكفي أنه مواطن فرنسي مثله. له الحقوق نفسها وعليه الواجبات نفسها. ومن يتقن عمله ويخدم المجتمع أكثر فهو الأفضل، سواء أكان من الأكثرية أو الأقلية. الجميع سواسية. أحياناً أتساءل: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ والجواب موجود هنا بالضبط. وهكذا حُلت المشكلة الطائفية حلاً راديكالياً جذرياً في أوروبا بفضل الأنوار الفلسفية وظهور تفسير جديد للدين مستضيء بنور العقل. فقليلاً من الصبر يا شباب! القصة طويلة ولن نرى نهاية النفق المظلم. ربما رآه أحفادنا أو أحفاد أحفادنا. هذه مسألة أجيال..
والواقع أن مونتيني لم يكن فيلسوفاً بالمعنى الاختصاصي أو التقني الحصري للكلمة، فهو لم يبلور نظاماً فلسفياً كما فعل ديكارت مثلاً. وإنما قام بتحليل الذات البشرية في أعماق أعماقها، لكي يعرف سرّ الدوافع والغرائز التي تحرك الإنسان. يضاف إلى ذلك أن مونتيني كان شكاكاً من الطراز الأول، ولم يكن يثق بالعقليات الدوغمائية السائدة في عصره.
فقد لاحظ مثلاً أن الكاثوليكي واثق من صحة عقيدته المذهبية كل الوثوق، وأن البروتستانتي، عدوه اللدود، يعتقد الشيء نفسه فيما يخص عقيدته. ولهذا السبب فإنهما يتحاربان حتى الموت. وعلى الرغم من أن كليهما مسيحيان، فإنهما كانا يكفران بعضهما. فالكاثوليكي كان ينعت البروتستانتي بالهرطيق الزنديق الخارج على المسيحية الحقة، والبروتستانتي كان يرد عليه بالصاع صاعين ويشتم البابا والبابوية، على الرغم من أنه ضعيف ومسحوق من قبله. ثم لاحظ مونتيني أن لا أحد منهما يطرح على نفسه هذا السؤال: وماذا يحصل لو كان مذهب الشخص الآخر يحتوي على جزء من الحقيقة؟ ولماذا أعتقد أن مذهبي يمثل الحقيقة المطلقة وأن مذهب خصومي هو الخطأ المطلق؟ ألا يعتقدون هم الشيء نفسه فيما يخصهم؟ ثم وهذا هو الأهم: لو أني ولدت وترعرعت في أحضان المذهب المعادي، أما كنت سأحقد على مذهبي الحالي الذي أنا فيه اليوم؟ وبالتالي فلماذا كل هذا العبث؟ لماذا كل هذا الدم المراق؟ لماذا لا أحاورهم بدلاً من أن أقتلهم أو يقتلونني؟ هذه هي بعض الأسئلة التي كان مونتيني يطرحها. وعندما درس كل المذاهب الدينية السائدة في عصره اكتشف أنها كلها تقوم على الانغلاق اللاهوتي والاعتقاد بامتلاك الحقيقة الإلهية المطلقة أو احتكارها. وعن هذا الاعتقاد الأعمى ينتج التعصب الطائفي أو المذهبي. عنه ينتج التكفير والذبح على الهوية. ولذلك نفر مونتيني من كل هذه الانغلاقات المذهبية والطائفية. ثم رفضها رفضاً قاطعاً وأصبح يخاف منها ويحذرها أشد الحذر. بل وأصبح يرى فيها أكبر خطر على حرية الفكر. كان يقول مثلاً: نحن مسيحيون بالصدفة. بمعنى: لو ولدنا في الشرق لكنا مسلمين أو بوذيين، إلخ. والعكس صحيح أيضاً. فخففوا من تزمتكم وتعصبكم أيها الناس! الأشياء نسبية أكثر مما تظنون. ونضيف من عندنا: «ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة». ولكنه لم يشأ. من هنا مشروعية التعددية الدينية والمذهبية بإرادة الله ذاته.
ولكن كرهه للدوغمائية العقائدية دفعه إلى الارتماء في الاتجاه المعاكس: أحضان الشك. وربما بالغ في الشك والارتياب. ويعترف مؤرخو الفكر بأنه كان الأستاذ المباشر لديكارت من هذه الناحية. بل إن ديكارت نفسه يعترف بذلك. وبالتالي فلولا مونتيني لما كان ديكارت. ومعلوم أن هذا الأخير اتخذ الشك وسيلة للوصول إلى اليقين. وسار على نهج أستاذه مونتيني الذي كان يدعو تلامذته إلى الشك بكل الأفكار والعقائد قبل القبول بها أو رفضها.
كما دعاهم إلى تمحيصها وغربلتها بشكل دقيق وصارم من أجل تفريق الصالح عن الطالح فيها. وهذه هي المنهجية العلمية التي سيطرت بعدئذ على أوروبا وجعلتها تتقدم وتتفوق على جميع شعوب العالم التي كانت مستسلمة ليقيناتها الدوغمائية القديمة ونائمة عليها نوم الدهور. بهذا المعنى فإن مونتيني هو أستاذ الغرب كله قبل ديكارت، بل إنه أستاذ ديكارت والغرب في آن معاً كما قلنا. فمذهب الشك الذي يؤدي إلى اليقين هو من أفضل المذاهب إن لم يكن أفضلها. وهو الذي يعطي نتائج إيجابية في مجال الفكر والممارسة العملية. وأما أولئك الجامدون المتحنطون فكرياً فلا خير يرجى منهم، لأن عقليتهم لا تعرف الشك المنهجي. وبالتالي فلا يمكن أن يتطوروا أو يتقدموا. وذلك لأنهم جامدون متحجرون يصدقون كل ما يقوله لهم آباؤهم وأجدادهم وكهنتهم وشيوخهم دون أي تشغيل لعقولهم ودون أي تمحيص.
أخيراً: لا ريب في أن مونتيني بالغ في الشك والتشاؤم بالطبيعة البشرية. ولكن لحسن الحظ، فإن القدر أرسل لفرنسا بعده ديكارت مباشرة لكي يخفّف من شكه ولكي يعيده إلى جادة الصواب. وبالتالي فبعد أن نقرأ مونتيني ينبغي أن نقرأ ديكارت فوراً، وإلا فإن قراءتنا ستكون ناقصة وسنظل أناساً ينهشهم الشك ولا يعرفون برد اليقين. هنا تكمن عظمة ديكارت. فبضربة عبقرية قل مثيلها في تاريخ الفكر، عرف كيف يوقف جنون الهوس أو هوس الجنون عند حده وينقذ فرنسا وأوروبا كلها من جحيم الشك. ولذلك دعاه هيغل مرة بأنه: البطل المقدام للفكر!



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟