واشنطن تحذر الأسد من استخدام «الكيماوي»... وموسكو ترفض «الاستفزازات»

البيت الأبيض يؤكد وجود أدلة ويتوعد النظام بـ «ثمن باهظ»

واشنطن تحذر الأسد من استخدام «الكيماوي»... وموسكو ترفض «الاستفزازات»
TT

واشنطن تحذر الأسد من استخدام «الكيماوي»... وموسكو ترفض «الاستفزازات»

واشنطن تحذر الأسد من استخدام «الكيماوي»... وموسكو ترفض «الاستفزازات»

أطلقت الولايات المتحدة الأميركية تهديداً شديد اللهجة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، متوعدةً الأسد وجيشه بدفع ثمن باهظ في حال قيام الأسد بشن هجوم كيماوي جديد، على غرار ما قام به في خان شيخون مطلع أبريل (نيسان) الماضي، في وقت رفض فيه الكرملين التحذيرات الأميركية، لكنه لم يستبعد تكرار «هجمات كيماوية استفزازية» ينفذها تنظيم داعش.
وأعلن البيت الأبيض، أمس، أنه عمل مع جميع الجهات الأميركية «المعنية» بشأن التحذير الموجه للنظام السوري بأنه سيدفع ثمناً باهظاً، إذا ما شن هجوماً كيماوياً.
وقالت سارا ساندرز، الناطق باسم البيت الأبيض: «نريد أن نوضح أن جميع الوكالات المعنية... شاركت في العملية من البداية»، مشيرة إلى مشاركة وزارة الدفاع ووزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه)، وأضافت: «أي تسريبات مجهولة تفيد بعكس ذلك غير صحيحة».
كان الناطق باسم البيت الأبيض، شون سبايسر، قد قال، في بيان نشره في وقت متأخر من مساء الاثنين، إن الولايات المتحدة رصدت تحركات سوريا لشن هجوم كيماوي، وأضاف: «يخطط نظام الأسد لشن هجوم آخر مستخدماً الأسلحة الكيماوية، ما من شأنه أن يؤدي على الأرجح إلى القتل الجماعي للمدنيين، بمن فيهم الأطفال الأبرياء».
واستطرد: «الأنشطة التي تم رصدها تشابه ما قمنا برصده قبل الهجوم الكيماوي الذي حدث في 4 أبريل الماضي»، مشدداً على أن وجود بلاده في سوريا لمحاربة «داعش»، لكنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي هجوم بالأسلحة الكيماوية، موضحاً: «كما ذكرنا سابقاً، فإن وجود الولايات المتحدة في سوريا هو للقضاء على (داعش)، لكن إذا قام الأسد بشن هجوم آخر باستخدام أسلحة كيماوية، فإنه هو وجيشه سيدفعان ثمناً باهظاً».
من جانبها، أكدت سفيرة أميركا لدى الأمم المتحدة، نيكي هالي، على أن اللوم سيقع على الأسد وروسيا وإيران، في حال شن النظام السوري هجوماً كيماوياً، وقالت: «أي اعتداءات أخرى على الشعب السوري، سيكون الأسد مسؤولاً عن ذلك، بالإضافة لروسيا وإيران اللتين تدعمان الأسد لقتل شعبه».
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أمر بتنفيذ ضربات أميركية بالصواريخ، استهدفت قاعدة سورية عسكرية قام نظام الأسد باستخدامها عند شن الهجوم على خان شيخون. وقال ترمب حينها إن نظام الأسد تخطى كثيراً من الخطوط الحمراء بعد استخدام الأسلحة الكيماوية.
هذا، وكانت آخر التدخلات العسكرية لواشنطن خارج حدود مواجهة «داعش» إسقاط طائرة سورية في 18 يونيو (حزيران) الحالي، بعد أن هاجمت الطائرة السورية مقاتلين مدعومين من الولايات المتحدة في شمال سوريا، بالقرب من مدينة الرقة. وقبل 10 أيام، أفاد مسؤولون أميركيون بأن مقاتلة أميركية هاجمت طائرة من دون طيار في سوريا.
من جهته، رفض الكرملين التحذيرات الأميركية من هجوم جديد باستخدام السلاح الكيماوي تخطط له قوات النظام السوري، وقال إنه لا علم له بخطط كهذه، لكنه لم يستبعد تكرار «هجمات كيماوية استفزازية» ينفذها تنظيم داعش الإرهابي. وفي البرلمان الروسي، ارتفعت الأصوات محذرة من أن الولايات المتحدة تخطط عبر تلك التحذيرات لتوجيه ضربة استباقية، وربما «عدوان» ضد النظام السوري.
وفي تعليقه على تصريحات البيت الأبيض، قال ديمتري بيسكوف، الناطق الرسمي باسم الكرملين، للصحافيين أمس: «سمعنا التصريحات الأميركية، ولا ندري ما الأسس التي انطلقوا منها في كلامهم»، وشدد على أن موسكو ترفض استخدام الجانب الأميركي لعبارة «هجوم جديد»، مكرراً الانتقادات الروسية للتحقيق في الهجوم الذي تعرضت له مدينة خان شيخون، وأضاف أنه «على الرغم من أن الجانب الروسي طالب بتحقيق دولي حيادي في الحادثة السابقة (يقصد الهجوم على خان شيخون)، فإن تحقيقاً كهذا لم يتم»، وعلى هذا الأساس يرى الكرملين أنه «لا يمكن تحميل المسؤولية (عن ذلك الهجوم) للقوات السورية».
وفي إجابته عن سؤال حول «الثمن الباهظ»، وما إذا كانت روسيا ستعمل على منعه، قال بيسكوف إن «الكرملين يعتبر هذه التهديدات للقيادة السورية أمراً غير مقبول»، وأكد أن موسكو تصر على «عدم إمكانية توجيه الاتهام للأسد دون تحقيق»، واعتبر أن هذا «أمر غير شرعي، وغير صحيح بالمطلق، من وجهة نظر تحقيق الأهداف النهائية للتسوية السورية». وفي الوقت ذاته، شدد المتحدث الرسمي باسم الكرملين: «نرى أيضاً أنه من غير المسموح به أبداً، وغير المقبول، استخدام المواد الكيماوية السامة»، ولم يستبعد هجوماً استفزازياً في سوريا باستخدام تلك المواد، ينفذه «داعش».
نواب روس
من جانبه، رأى ليونيد سلوتسكي، رئيس لجنة مجلس الدوما الروسي للشؤون الدولية، أن الاتهامات الأميركية عارية من الصحة، ويراد منها «تشويه سمعة الأسد». وقال في تصريحات له أمس إن التحذير الأميركي «عمل استفزازي واتهامات عارية عن الصحة»، وحذر من أنه في حال وقع هجوم كيماوي، فإن واشنطن «ستحمل الأسد المسؤولية. وبعد ذلك، ستوجه القوات الجوية الأميركية ضربات لمواقع القوات السورية»، ووصف هذا التطور بأنه «الخطوة الاستفزازية التالية»، ودعا الأميركيين إلى عدم المضي في مثل هذه الأعمال، وقال إن هذا كله «محاولات لتشويه صورة الأسد في الفضاءين الإعلامي والسياسي الدوليين».
ويقود سلوتسكي منذ نحو عام حملة برلمانية لتبييض صورة الأسد، وذلك عبر تنظيم زيارات لوفود برلمانية أوروبية إلى سوريا، يوجه لها برلمانيون روس دعوات لزيارة دمشق، وغالباً ما يستقبل رأس النظام السوري تلك الوفود، ويجري تنظيم جولات لها على المدن السورية لإظهار النظام في موقع القوة التي تحارب الإرهاب.
ومن المجلس الأعلى في البرلمان الروسي، أي المجلس الفيدرالي، قال قسطنطين كوساتشوف، رئيس لجنة الشؤون الدولية في المجلس، إن التصريحات الأميركية تبعث على القلق، وتحديداً فيما يخص المخططات الأميركية، وحذر من تطور الأحداث وفق سيناريوهين «كلاهما أسوأ من الآخر»، وقال: «ربما تكون الولايات المتحدة على علم بخطط لهجمات كيماوية، وعلى علم كذلك بأن من سينفذها ليست دمشق»، وعبر عن قلقه من أن هذا الاحتمال يعني أن واشنطن «تطلق أيدي الإرهابيين، عندما تحدد مسبقاً الجهة التي سيتم تحميلها المسؤولية». والسيناريو الثاني، حسب كوساتشوف، هو أن «الولايات المتحدة تعد لتوجيه ضربات استباقية ضد القوات السورية».
ويتفق أندريه كراسوف، رئيس لجنة مجلس الدوما لشؤون الدفاع، مع وجهة نظر كوساتشوف، ويقول إن الولايات المتحدة إنما تضع مبررات تمهيداً لتوجيه ضربة ضد النظام السوري.
جدير بالذكر أن موسكو ترفض حتى الآن تحميل النظام السوري المسؤولية عن أي من الهجمات التي وقعت في سوريا باستخدام السلاح الكيماوي، وشككت بنتائج تقارير دولية أكدت مسؤولية النظام عن العدد الأكبر من الهجمات. كما ترفض موسكو نتائج التحقيق في الهجوم الذي تعرضت له مدينة خان شيخون، وتطالب بتشكيل لجنة تضم ممثلين عن روسيا وإيران.



الحوثي يشرعن لجماعته التنكيل بموظفي المنظمات الدولية

لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يشرعن لجماعته التنكيل بموظفي المنظمات الدولية

لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)

صعّد زعيم الجماعة الحوثية، عبد الملك الحوثي، من هجومه على المنظمات الإنسانية والدولية العاملة في مناطق سيطرة جماعته، مكرراً اتهامات لها بالضلوع في أنشطة استخباراتية، رغم استمرار المطالبات الدولية والأممية بالإفراج عن عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المنظمات الإنسانية المحتجزين لدى الجماعة منذ سنوات.

وتحتجز الجماعة الحوثية نحو 73 موظفاً أممياً وعاملاً في منظمات دولية وإنسانية، إلى جانب موظفين محليين سابقين في السفارة الأميركية، بعضهم مضى على اعتقاله أكثر من أربع سنوات، وسط تحذيرات أممية وحقوقية من تداعيات استمرار هذه الانتهاكات على العمل الإنساني في اليمن.

وقال الحوثي، في خطبة بثتها وسائل إعلام جماعته، مساء الخميس، إن «الأعداء يعملون بشكل كبير جداً في مجال الاختراق الأمني»، زاعماً أن جهات خارجية وظفت «العنوان الإنساني والمنظمات الإنسانية» لأغراض استخباراتية داخل اليمن.

وادعى زعيم الجماعة أن «خلايا تابعة للمنظمات» شاركت في عمليات رصد ومتابعة لصالح ما وصفه بـ«العدو الإسرائيلي»، واتهم عناصر محلية وأجنبية بالعمل على جمع معلومات مرتبطة بمواقع حساسة ومخازن أسلحة واجتماعات حكومية.

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال فعالية تعبوية دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

وذهب الحوثي إلى القول إن تلك الخلايا «لم تعمل في إطار جمع المعلومات فقط بل في تنفيذ عملية الاستهداف»، في إشارة إلى هجمات أميركية وإسرائيلية سابقة استهدفت مواقع ومقار خاضعة للجماعة وأدت إلى مقتل قادة بارزين من المستويين العسكري والإداري.

ويرى مراقبون يمنيون أن هذه التصريحات تمثل امتداداً لحملة الجماعة ضد المنظمات الدولية، والتي تصاعدت خلال الأشهر الماضية عبر حملات اعتقال وتحقيقات وإجبار بعض المنظمات على تقليص أنشطتها أو تعليق أعمالها في مناطق سيطرة الحوثيين.

المزيد من القمع

تثير اتهامات الحوثيين المتكررة قلقاً واسعاً لدى الأوساط الإنسانية، خصوصاً مع اعتماد ملايين اليمنيين على المساعدات الدولية في ظل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وكانت الأمم المتحدة ومنظمات دولية عدة قد طالبت مراراً الجماعة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن موظفي الإغاثة المحتجزين، مؤكدة أن استمرار احتجازهم يهدد جهود الاستجابة الإنسانية ويقوض الثقة بالعمل الإنساني.

ويقول عاملون في المجال الإغاثي إن الخطاب الحوثي الأخير يمنح غطاءً سياسياً وأمنياً لمزيد من التضييق على المنظمات، خصوصاً بعد حملات الاعتقال الواسعة التي طالت موظفين محليين ودوليين خلال العامين الأخيرين.

صفقة جديدة بين الحوثيين والحكومة اليمنية لتبادل الأسرى غاب عنها الموظفون الأمميون (رويترز)

ويخشى ناشطون حقوقيون من أن يؤدي استمرار هذه الحملة إلى عزوف مزيد من المنظمات عن العمل في مناطق سيطرة الجماعة، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والانهيار الخدمي.

ويرى متابعون للشأن اليمني أن الجماعة توظف مثل هذه الخطابات التعبوية لتعزيز سرديتها السياسية والأمنية، وتبرير القيود المفروضة على المنظمات والمجتمع المدني، بالتوازي مع استمرار حملات التعبئة والتجنيد وتوسيع القبضة الأمنية في مناطق سيطرتها.

ولم يقتصر حديث الحوثي على اتهام المنظمات، بل وسّع دائرة الاتهامات لتشمل ما وصفه بـ«الاستهداف الاقتصادي والصحي» للدول العربية والإسلامية، متهماً شركات ودولاً غربية بالسعي للإضرار بالمجتمعات العربية عبر منتجات وسلع مختلفة.

كما تحدث عن «استهداف صحي» يركز - بحسب زعمه - على قضايا العقم وتحديد النسل، معتبراً أن جهات خارجية تستغل تقدمها العلمي والصناعي لإنتاج مواد ذات تأثيرات صحية ونفسية خطرة.


الحوثيون يوسّعون أعمال القمع في صنعاء ومحيطها

عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون أعمال القمع في صنعاء ومحيطها

عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)

صعّدت الجماعة الحوثية من انتهاكاتها بحق السكان في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحيطها، امتداداً لسياسة القمع والتوسع بالنفوذ، وشمل ذلك تفجير منازل معارضين، ومحاصرة منشآت خاصة، وفرض جبايات جديدة على المدنيين، بالتزامن مع تنامي احتجاجات قبلية ضد الاستيلاء على أراضٍ تابعة لقبائل خولان والتصرف بها خارج الأطر القانونية والقبلية.

وشهد حي شملان شمال غربي صنعاء إحدى أعنف الوقائع، بعدما أقدم مسلحون حوثيون على تفجير منزل ضابط سابق في الجيش اليمني، في حادثة أثارت موجة استياء واسعة، وعدّها حقوقيون مؤشراً جديداً على تصاعد الانتهاكات ضد السكان وممتلكاتهم في مناطق سيطرة الجماعة.

وأكدت مصادر محلية أن مسلحين حوثيين برفقة عربات عسكرية داهموا منزل العميد فضل الصايدي في حي شملان، قبل أن يقوموا بإحراقه وتفجيره بشكل كامل، وسط انتشار أمني كثيف في المنطقة.

وحسب المصادر، فإن العميد الصايدي لا يزال محتجزاً في سجون الجماعة منذ عام 2018 دون محاكمة، على خلفية نزاع سابق مع عناصر حوثية حاولت الاستيلاء على منزله بالقوة، وتطور حينها إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين.

منزل عميد في الجيش اليمني بعد إحراقه وتفجيره من قِبَل الحوثين في صنعاء (إكس)

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد أظهرت تصاعد أعمدة الدخان من موقع المنزل، مع سماع دوي انفجارات متتالية، في حين أدانت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات الواقعة، معتبرة أن تفجير المنزل يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واعتداءً مباشراً على حق المواطنين في السكن والملكية الخاصة.

وفي موازاة ذلك، أفاد سكان في شملان بأن الجماعة كثفت من انتشار عناصرها المسلحة في عدد من الحارات والشوارع، مع تنفيذ حملات تفتيش ومراقبة موسعة، بالتزامن مع فرض جبايات مالية جديدة على التجار والأهالي تحت مسميات مختلفة، من بينها دعم ما تسمى «المعسكرات الصيفية».

ابتزاز القطاع الخاص

في اتجاه قمعي آخر، أغلقت الجماعة الحوثية مصنع «شملان» للمياه المعدنية، وأوقفت عمليات الإنتاج والتوزيع بالقوة، عقب حملة حصار واقتحام نفذها مسلحون تابعون لها، ضمن ما وصفه عاملون بأنه تصعيد جديد ضد ما تبقى من القطاع الخاص اليمني.

وأوضحت مصادر مطلعة أن عناصر الجماعة فرضوا حصاراً على المصنع قبل يوم من عملية الاقتحام، وقاموا بإشعال النار في إطارات تالفة أمام البوابة الرئيسية، في محاولة للضغط على إدارة المصنع لدفع جبايات مالية مقابل السماح بخروج شاحنات التوزيع.

ووفق إفادات عاملين وشهود عيان، أجبر المسلحون أصحاب المحلات التجارية والسكان القريبين من المصنع على إغلاق متاجرهم ومغادرة المنطقة، ما تسبب في حالة من التوتر والذعر بين السكان.

جانب من تجمع لمسلحين حوثيين لحظة اقتحام مصنع لتعبئة المياه بصنعاء (إكس)

وأشار عاملون في المصنع إلى تعرضهم لاعتداءات مباشرة أثناء عملية الاقتحام والإغلاق، مؤكدين أن المصنع تعرض خلال الأشهر الماضية لعدة عمليات دهم متكررة بسبب رفض إدارته تقاسم العوائد المالية مع قيادات حوثية نافذة.

واتهم العاملون قيادات في الجماعة بالوقوف وراء عمليات الابتزاز، في إطار مساعٍ لفرض السيطرة على الموارد الاقتصادية والمشروعات الخاصة، بعد سنوات من التضييق الذي طال شركات ومؤسسات تجارية عديدة في صنعاء ومناطق أخرى خاضعة للحوثيين.

غضب قبلي

بالتزامن مع تلك التطورات، تصاعدت حالة الاحتقان القبلي في ريف صنعاء، عقب اتهامات وجهتها قبائل خولان الطيال لقيادات حوثية بالاستيلاء على أراضٍ تابعة للقبيلة والتصرف بها دون أي صفة قانونية.

وأصدرت القبائل خلال اجتماع موسع قبل أيام بياناً أعلنت فيه رفضها الكامل لأي عمليات نهب أو استحداث أو بيع لأراضي أبناء القبيلة، ومحملة الجماعة الحوثية المسؤولية عن أي تداعيات قد تنتج عن استمرار تلك الممارسات.

لقاء موسع لقبائل خولان بصنعاء لتدارس موقف موحد ضد الحوثيين (إكس)

واتهمت شخصيات قبلية القيادي الحوثي عبد الباسط الهادي، المعين محافظاً لريف صنعاء، بالاستيلاء على مساحة أرض تابعة للقبيلة في شارع خولان بالعاصمة، وبيعها لأحد أقاربه مستغلاً نفوذ الجماعة المسلحة.

وأكد أبناء القبيلة أن الأراضي المعتدى عليها تُعد من الممتلكات المعروفة تاريخياً لأبناء خولان، وأن التصرف بها خارج الأطر القبلية والقانونية يمثل اعتداءً مباشراً على حقوقهم وأعرافهم المتوارثة.

ودعا البيان القبلي أبناء خولان إلى التكاتف والاصطفاف لمواجهة ما وصفه بمحاولات السطو المنظم على أراضي القبيلة ومقدراتها، مشدداً على ضرورة منع أي محاولات لفرض الأمر الواقع بالقوة.


تصاعد انتهاكات الحوثيين بحق المدنيين في إبّ

مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تصاعد انتهاكات الحوثيين بحق المدنيين في إبّ

مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد محافظة إبّ الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً لافتاً في الانتهاكات التي تطول المدنيين وممتلكاتهم، وسط اتهامات متزايدة للجماعة باستخدام النفوذ الأمني والمسلحين لقمع أي تحركات مناهضة، وفرض مزيد من الجبايات، وإشاعة حالة من الفوضى والانفلات في مناطق سيطرتها.

وفي أحدث هذه الوقائع، أقدم أحد المسلحين الحوثيين على هدم منزل امرأة تجاوز عمرها التسعين عاماً في مديرية العدين غرب المحافظة، في حادثة أثارت غضباً واسعاً في الأوساط المحلية والحقوقية، وكشفت حجم الانفلات الذي تشهده المحافظة، ومدى الحصانة التي يتمتع بها المسلحون المرتبطون بالجماعة.

ووفق مصادر محلية، فإن مسلحاً حوثياً برفقة آخرين هدم أجزاء واسعة من منزل المواطنة فاطمة غالب في قرية السنافي التابعة لعزلة الغضيبة، مستغلاً غيابها أثناء زيارتها لإحدى قريباتها، قبل أن يحول المنزل إلى ركام بالكامل.

وأوضحت المصادر أن زوج المرأة الراحل كان قد بنى المنزل قبل عقود، وعاشت فيه الأسرة لسنوات طويلة، قبل أن تجد نفسها اليوم بلا مأوى، ما اضطرها إلى الانتقال للإقامة لدى أحد أحفادها في قرية مجاورة.

مُسنّة يمنية تقف على أطلال منزلها الذي هدمه مسلح حوثي (إعلام محلي)

وأكدت مصادر في الأسرة أن الضحية تقدمت ببلاغ رسمي إلى إدارة أمن العدين الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث جرى توثيق الأضرار وإعداد محاضر معاينة، غير أن السلطات لم تتخذ أي إجراءات فعلية لضبط المتهم، رغم صدور أوامر بذلك، وهو ما عزز الاتهامات بوجود تواطؤ لحماية الجاني بسبب ارتباطاته النافذة داخل سلطة الجماعة.

وقالت المصادر إن الأسرة تتعرض لضغوط متواصلة للقبول بتسوية عرفية بدلاً من إحالة القضية إلى القضاء، مشيرة إلى أن المرأة المسنّة وأحفادها يرفضون تلك الضغوط، ويتمسكون بإحالة القضية إلى النيابة والمحكمة، ومحاسبة المتورطين في هدم المنزل وتشريد ساكنيه.

ضغوط وجبايات

في مناشدة مصورة وجهتها إلى السلطات المحلية الحوثية، قالت المرأة المسنّة إن المنزل يمثل كل ما تملكه بعد وفاة زوجها، مطالبة بإنصافها، ومؤكدة أنها لا تملك مكاناً آخر يؤويها في هذا العمر المتقدم.

وفي حادثة أخرى تعكس حجم الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في المحافظة، الواقعة على بعد 193 كيلومتراً جنوب صنعاء، اقتحمت عناصر مسلحة تابعة لما يسمى «مكتب الزكاة» الخاضع لإدارة الحوثيين، مبنى سكنياً في مديرية المشنة بمدينة إبّ، بذريعة تحصيل جبايات مالية من أحد التجار الذي يمتلك محالّ تجارية في الطابق الأرضي من المبنى.

وذكرت مصادر محلية أن الحملة المسلحة نُفذت بإشراف مباشر من مدير مكتب الزكاة في المديرية فؤاد الحاج، موضحة أن العملية لم تقتصر على ملاحقة التاجر داخل محالّه، بل امتدت إلى اقتحام الطابق السكني الذي تقيم فيه أسرته، حيث حاول المسلحون كسر أبواب الشقق، ما تسبب في حالة من الرعب والهلع بين النساء والأطفال.

لحظة اقتحام المسلحين الحوثيين مسكن أحد التجار في إبّ (إعلام محلي)

وأظهر مقطع مصور يوثق عملية الاقتحام طفلاً وهو يصرخ باكياً في وجه المسلحين، قائلاً: «هنا عوائل... عوائل!»، في محاولة لمنعهم من اقتحام الشقق السكنية، غير أن المسلحين واصلوا محاولاتهم متجاهلين تلك المناشدات.

وأثارت الواقعة موجة استياء واسعة على منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ عدّ ناشطون أن الجماعة حولت مؤسسات الجباية إلى أدوات للابتزاز والترهيب، تستخدم القوة المسلحة ضد المدنيين والتجار، وتنتهك حرمة المنازل تحت غطاء التحصيل المالي.

اختطاف شاب

يرى سكان في محافظة إبّ أن هذه الحوادث تعكس جانباً من سياسة التضييق التي تمارسها الجماعة الحوثية بحق المدنيين في مناطق سيطرتها، من خلال فرض جبايات متزايدة، والتعامل مع الرافضين لها بالقوة، في ظل غياب سلطة قضائية مستقلة قادرة على حماية المدنيين أو محاسبة المتورطين في تلك الانتهاكات.

وعلى صعيد متصل بسياسة القمع التي تتبعها الجماعة في المحافظة، ذكرت مصادر حقوقية أن الشاب ماجد النبوي اختُطف من أمام محله التجاري في مديرية السدة شرق المحافظة، التي تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى مركز بارز لمعارضة سلطة الحوثيين.

شاب اختُطف في إبّ قبل أيام ولا يزال مصيره مجهولاً (إعلام محلي)

وبحسب المصادر، فإن مسلحين كانوا على متن سيارة اقتادوا الشاب من أمام متجره إلى جهة غير معروفة، ما أثار حالة من الهلع في أوساط السكان الذين لم يعتادوا مثل هذه الحوادث من قبل.

وأضافت المصادر أن سلطات الحوثيين لم تكشف، رغم مرور أربعة أيام على الواقعة، عن مكان احتجازه أو الجهة التي تقف خلف العملية، أو الأسباب التي أدت إليها، خصوصاً أن الشاب لا ينتمي إلى أي جهة سياسية، ولا يمارس أي نشاط سوى عمله التجاري، كما تؤكد أسرته أنه لا يملك أي خصومات مع أحد.

وطالبت الأسرة، إلى جانب ناشطين حقوقيين، بسرعة الكشف عن مصير المختطف النبوي، ومحاسبة أي جهة تقف وراء الحادثة، معتبرين أن صمت السلطات طوال هذه الفترة يثير مخاوف السكان من وجود جماعات مسلحة أو جهات غير معلومة تنفذ مثل هذه العمليات في المحافظة.