المراسل العسكري ذو البدلة البيضاء: الحرب تحطم الرجال... أو تصنعهم

مارتن بيل غطى عشرات النزاعات وحجز مقعداً في البرلمان البريطاني

بيل يوقع سيرته خلال الحوار في حديقة منزله بشمال لندن («الشرق الأوسط»)
بيل يوقع سيرته خلال الحوار في حديقة منزله بشمال لندن («الشرق الأوسط»)
TT

المراسل العسكري ذو البدلة البيضاء: الحرب تحطم الرجال... أو تصنعهم

بيل يوقع سيرته خلال الحوار في حديقة منزله بشمال لندن («الشرق الأوسط»)
بيل يوقع سيرته خلال الحوار في حديقة منزله بشمال لندن («الشرق الأوسط»)

بعد 34 عاماً على انقضاء خدمته في الجيش، اضطر المراسل الحربي البريطاني مارتن بيل أن يرتدي البزة العسكرية من جديد وتوجه برفقة الجيش البريطاني إلى الكويت لتغطية حرب الخليج عام 1991... حفر خنادق بيده وتقمص دور الجندي والصحافي معاً.
عند عودته، قطع وعداً أن يغطي الحرب التي تليها بصفته مدنياً. الزي الجديد: بدلة بيضاء. والسبب: «الوسوسة». أما النتيجة: فلقب «الصحافي ذو البدلة البيضاء» ومسيرة 3 عقود غطى فيها 18 حرباً. البدلة كانت شاهدة على قتال الميدان وعلى اجتماعات تحت قبة البرلمان وعلى مهمات إنسانية مع اليونيسيف. وارتداها عندما قابلته بحديقة منزله في شمال لندن الأسبوع الماضي.
مع أنه مر بتجارب كثيرة كادت تقتله، اتجه بيل إلى كل حرب وهو على يقين بأنه سيعود منها سالما. وبعد سنوات من نقل الصورة من ميادين القتال إلى الشاشة الفضية، قرر الصحافي العسكري أن يخوض معركته الخاصة تحت قبة البرلمان البريطاني. ونجح في عهد توني بلير بصفته عضو البرلمان المستقل الوحيد، وخاض حملة لحظر القنابل العنقودية، مستعيرا من خبراته السابقة. وأضحى اليوم سفيراً لليونيسيف يتوجه إلى مناطق النزاع، بعيداً عن التقارير والمنافسة، وقريباً من الضحايا والمتضررين.
متحدث لبق بذاكرة حديدية. عفوي ومتواضع رغم إنجازاته. لم يقاطعني إلا مرة واحدة، ليسقي قطة الجيران التي تسللت إلى حديقته بعض الحليب. الحرب لم تحجر قلبه، بل صقلت الإنسان في داخله. هذا هو مارتن بيل وفيما يلي نص الحوار:
* لماذا البدلة البيضاء دائماً؟
لدي نوع من «الوساوس». اضطررت لارتداء الزي العسكري كمراسل في حرب العراق بعد 34 عاماً، واضطررنا كصحافيين أن نحفر خنادقنا بأيدينا. بعد نهاية الحرب وعدت نفسي أن في تغطية الحرب التالية سأذهب إليها كمدني. وكانت الحرب في كرواتيا في يونيو (حزيران) 1991. ارتديت بدلة بيضاء، لم تصيبني رصاصة طائشة، فربطت بين لون البدلة وسلامتي. هكذا أصبحت البدلة البيضاء لاحقا الأمر الذي يميزني عن الكم الهائل من الصحافيين. فعرفت بالرجل أو الصحافي ذي البدلة البيضاء.
* هل تدين لوالدك، المجمع الأول للكلمات المتقاطعة في صحيفة «التايمز»، عن معجمك اللغوي الواسع؟
- بالطبع. كنا عائلة أدبية. جدي كان محرر الأخبار في صحيفة «الأوبسيرفر»، وشقيقتي كانت المترجمة لكتب «استريكس آند أوبليكس» الفرنسية. إذن الكلمات هي مصدر رزق عائلة «بيل».
* في مذكراتك نقرأ أنك كنت تبحث عن الجواسيس من حولك منذ سن الثامنة، هل شعرت يوما بأنك تريد أن تكون مراسلاً حربياً؟
- كنت أبحث عن الجواسيس لأنها كانت محط تركيز الكتب التي كنا نقرأها بعد الحرب كأطفال. لم تكن لدي فكرة بأنني سأكون مراسلا حربيا لكن الـ«بي بي سي» حينذاك، كان كادر مراسليها ضيقا. ولو اندلعت حرب آنذاك فإن المراسل الأقرب إلى مطار هيثرو كان يكلف بمهمة التغطية. وإن كانت تغطيتك جيدة ولم تشتبك مع المكتب الرئيسي في لندن سترسل لتغطية حرب أخرى. لاحظت بعد فترة أنني أمضيت نحو 3 عقود في تغطية الحرب تلو الأخرى من دون أن أعي ذلك. وكأن ما حدث لي دون علمي.
* تعلمت فن «البقاء على قيد الحياة» خلال فترة بقائك في الجيش. وكان ذلك مفيدا في الحروب التي غطيتها كمراسل مثل البوسنة وفيتنام وغيرهما... كيف ساهمت تجربتك كجندي إذن في صقلك كمراسل حربي، خصوصا عندما رافقت الجيش البريطاني في حرب الخليج عام 1991؟
- كان مفيداً خصوصا في حرب الخليج التي أرسل مجموعة من المراسلين الحربيين إليها لمرافقة الجيش البريطاني. من المفيد أن يعي الجنود أنك جندي سابق. الخبرة السابقة أغنتني عن طرح تساؤلات عن الفرق بين الكتيبة واللواء وغيرهما. كما كنت دقيقا عند مخاطبة الجنود في تمييز رتبهم احتراما لهم، ما سهل التعامل معهم. ومصوري آنذاك كان جنديا سابقا من جنوب أفريقيا. في الواقع عندما التحقنا بالجيش كمراسلين خلال حرب الخليج، كنا على دراية بالأمور العسكرية أكثر من الجنود نفسهم. ولذلك عاملونا باحترام.
* لكنك عام 2003 عند اجتياح العراق، أصبحت معارضاً لظاهرة دمج الصحافيين الحربيين بالجيش، لماذا؟
- لأن الصحافيين مع التطور التكنولوجي أصبحوا مهووسين بالحرب والقتال كأنها مغامرة، لكن الحرب في الحقيقة هي مأساة.
* كملحق إعلامي مع الجيش، هل شعرت بأنك صحافي أم جندي؟
- شعرت بأنني بين المراسل والجندي. للالتحاق عليك التضحية بحريتك وإطاعة الجنود والذهاب حيث شاءوا، كما أنك معرض لمعايير رقابتهم. وترى جانبا واحدا من القتال. ذكرتني التجربة بتغطيتي لفيتنام. مع أني لم أكن ملحقا بالجيش وكان بإمكاني الذهاب إلى أين شئت، عام 1967، إلا أن تغطيتي لم تشمل الجانب الفيتنامي. كانت كلها عن الجنود الأميركيين. واليوم أصبحت الحروب أكثر خطرا، وهذه الطريقة الوحيدة لتغطيتها. فعلى سبيل المثال إن أراد مراسل حربي تغطية حرب تحرير الموصل الآن فالطريقة الوحيدة هي مرافقة الجيش، ومعظم الصحافيين الذين يذهبون لتغطيتها منفردين يدفعون حياتهم ثمنا. برأيي ينبغي على الصحافيين الابتعاد عن معاقل «داعش»؛ لأنهم سيخطفون ويقتلون فورا. ولذلك، لم نر للأسف تغطية حية للمعارك في الرقة.
* تؤكد أكثر من مرة عن أهمية الامتناع عن دخول منطقة سائبة أو منزوعة السلاح لأن مصير الصحافي فيها مجهول. هل لديك تجارب خطرة؟
- يجب عدم الذهاب إلى هناك لأنها منطقة قد يطلق أي جانب متعارك فيها النار عليك. أسوأ تجربة لي هي قيادة سيارة على مدرج الطائرات بمطار سراييفو وجرى إطلاق النار، إلا أنها كانت مصفحة. أن تكون تحت إطلاق النار في الحقيقة، ليس أبدا كما تظهر الأفلام. الصوت كتساقط قطرات المطر وليس عاليا. في بادئ الأمر ظننت فعلا أن المطر يتساقط إلا أنه تبين لي أن رصاصا استهدف المركبة. لم أصب في هذه المرة. لكن العبرة هي تفادي المناطق المنزوعة السلاح.
* تذكر في كتابك الأخير أن كل مراسل حربي يقع في حب حرب واحدة فقط. بعد تغطيتك لنحو 18 حربا، أي واحدة هي حبك الوحيد؟
- البوسنة بالتأكيد. بلاد جميلة، وأمضيت وقتا طويلا فيها. هذه الحرب استمرت عامين ونصف العام، وأنا شهدت الحرب بعد اندلاعها بيوم، وكنت حاضرا حتى النهاية. كما أصبت هناك. أحببت الناس والشعب.
* الصحافية الحربية الراحلة كلير هولينغوورث كانت تأخذ معها فرشاة أسنان وآلة طابعة إلى الحروب. ماذا عنك؟
- كان في شنطتي مصباح يدوي ودفتري الأسود الصغير، ومقتنيات تجلب لي الحظ مثل قطعة من جلد أفعى وعملات نادرة، إلى جانب مشبك لأجمع فواتيري رباط حذاء احتياطي وضعف المال الذي كنت أحتاجه، ونصف كمية الملابس. وقصائد ويلفرد أوين الذي كان يكتب ليرافق من كانوا على قيد الحياة في الحروب، ويعبر عن أسفه لوقوعها. وتأثرت بقصائده وكان التركيز في معظم تغطياتي الأخيرة للحروب لإيضاح أسفي لوقوعها وعن تراجيديتها.
* ما الذي كان دفعك إلى خطوط النار لتغطية الحروب علما بأن هنالك احتمالية أنك لن تعود منها؟
- المراسلون الحربيون على يقين دائم بأنهم سيعودون من الحروب. هذه جزء من سيكولوجيتهم للتعامل مع الموقف. وإن لم نفعل هذا كنا سندفع إلى الجنون.
* إذن شعرت بأنك خالد؟
- لا أبداً. تعرضي للإصابة في حرب البوسنة جعلني متوترا. تركت المركبة المحصنة لوقت طويل وضربتني قذيفة هاون وأصبت في أسفل بطني وأردتني أرضا. تميزت عن المراسلين الحربيين الآخرين لأنني أصبت بقذيفة صربية وسرقني الفرنسيون في اليوم ذاته. فعند نقلي إلى المشفى الذي أداره الفرنسيون آنذاك في مقر الأمم المتحدة واستيقظت بعد زوال مفعول المخدر لم أعثر على نقودي ولا حتى جواز سفري. لكنني كنت على قيد الحياة. ولم تؤثر في السرقة.
* كم من مرة خضت تجربة كادت أن تنهي حياتك؟
- لا أعرف، لكن من المرات التي أتذكرها هي عندما كنت على شرفة في سراييفو أثناء تصوير قطعة للكاميرا، واحتدم إطلاق النار، فاضطررنا لتأجيل التصوير والدخول. وعندما شاهدنا التصوير لاحظنا أن رصاصة طائشة اقتربت من رأسي وكادت تقتلني.
* تنوه في سيرتك الذاتية بأن تغطيتك للحروب تغيرت مع الوقت. ففي الوقت الذي كنت فيه مأخوذا بالتكنولوجيا الحربية خلال فيتنام، تغير تركيزك ليتسلط على الناس في التغطيات التي تلتها. لماذا؟
- أرفض مشاهدة تغطياتي الأولى لأن جميعها يتبع نهج السينما آنذاك. اللهجة الأرستقراطية والرواية التي تقتصر على شرح عظمة المعدات العسكرية. لكن الترسانات لم يكسب الأميركيون حرب فيتنام بها. فبرأيي الأفكار هي التي تدير الحروب والقدرة على الحفاظ على تلك الأفكار هي المفتاح لكسبها. لا أعتبر نفسي مسالما كليا أو من المدرسة المعارضة كلياً للحروب. لكنني حرصت في تغطياتي اللاحقة أن أركز على العنصر الإنساني للحروب، على الجنود والمواطنين، وكيف تأثر ويلات الحرب عليهم. الحروب تصنع الرجال أو تحطمهم، حيث يعاني كثير من العسكريين ومراسلي الحرب من اضطراب الكرب التالي للصدمة النفسية (PTSD). عقل الإنسان غير مؤهل للتعامل مع دموية الحروب.
* هل عانيت من هذا الاضطراب؟
سألت نفسي هذا مراراً، ولربما الإنكار من أحد الأعراض. لكن الطريقة الوحيدة لمعرفة ما يدور في اللاوعي هي الأحلام أو الكوابيس بالأدق. ومعظم أحلامي عن فقدان أمتعتي في مطار هيثرو اللندني والجلوس على مقاعد البرلمان الخشبية ولكن لا أحلم بالحروب.
* لقد تم ترحيلك من لبنان خلال تغطيتك للحرب الأهلية. ما السبب؟
حدث في بداية الحرب الأهلية. لم تكن الأقمار الصناعية متاحة آنذاك.كان التحدي الأكبر إيصال تسجيلات التغطية إلى مكان مناسب للبث. كنا نرسل بعض الأشرطة براً إلى دمشق. لكن في هذه الواقعة حاولت تهريب الأشرطة على متن قارب إلى قبرص لكن جواسيس في فندق «الكومودور» في بيروت كشفوا سرنا وتم اعتقالنا وترحيلنا.
* ماذا عن تغطياتك الأخرى في منطقة الشرق الأوسط؟
- غطيت حرب 1967 (نكسة حزيران) وحرب 1973 (حرب أكتوبر «تشرين الأول»)، وكنا نسافر 300 ميل لإنتاج تقرير خبري مدته 3 دقائق. أذكر يوما أنني سافرت إلى سيناء وكان هناك حاجز واضطررنا إلى العودة بعد رفض الحرس أن نعبر.
* في بعض سطور سيرتك تبدي تعاطفا مع الشعب الفلسطيني وتتضامن معهم في وجه الظلم الإسرائيلي، لكن في صفحات أخرى تؤكد إعجابك بدولة إسرائيل وتصفها بالدولة المعادية للإرهاب. ما موقفك من القضية الفلسطينية - الإسرائيلية اليوم؟
- في بادئ الأمر كنت مأخوذا بإسرائيل. لكن اليوم أصبحت من أكبر منتقديها، وأرفض أن تطأ قدمي هناك مجددا. وأعتقد أن استخدام الدولة للذخائر العنقودية في جنوب لبنان كان جريمة حرب لا يمكن الدفاع عنها.
* ما السبق الصحافي الأكبر الذي أنجزته في مناطق النزاع؟
- أعتقد كان اكتشاف مجزرة في منطقة وسطية في البوسنة كنت مع قوات أممية آنذاك. عثرنا على أكثر من 100 شخص قتلوا رميا بالرصاص وهم يحاولون الفرار أو جرى حرقهم داخل المنازل. كان المنظر دمويا، وضاقت في الكلمات لكتابة نص خبري لروايته. اضطررت لأن أعتمد لقطات معينة ملائمة للعرض التلفزيوني لئلا ترفض غرفة أخبار «بي بي سي» عرض التقرير.
* كيف تصف شعور التعرض لقنابل مسيلة للدموع أثناء تغطيتك للمظاهرات؟
- لا زلت أحتفظ بإحدى العبوات التي أدمعتني أثناء تغطيتي لاحتجاجات شيكاغو المناهضة لحرب فيتنام عام 1968 أثناء مؤتمر الحزب الديمقراطي. حرصت على جمع الرصاصات وعبوات الغاز وغيرها من مخلفات كل ما غطيت. وأعتبرها كتذكارات شاعرية تعيدني إلى تلك اللحظات التي عشتها وأحتفظ بها إلى اليوم. وعلى كل صحافي ومراسل فعل ذلك لو أراد أن يكتب مذكراته يوما.
* عدت إلى الولايات المتحدة من جديد كمراسل الـ«بي بي سي» في واشنطن في عام 1978 ولمدة 12 عاما، وكنت شاهداً على فترة رئاسة رونالد ريغان. كيف تقيم هذه التجربة؟
- كانت مميزة. أعتقد أنه كانت فترة رئاسة ريغان ناجحة لأنه كان متحدثا بارعا وكانت أصعب تحدياتي إقناع محرري «بي بي سي» في لندن أن ممثلا سابقا بإمكانه أن يكون رئيسا مناسبا لأميركا.
* هل ترى تشابها بين رونالد ريغان ودونالد ترمب؟
- لا بتاتا. ريغان كان يستمع للآخرين، وكانت لديه تجربة سياسية سابقة، حيث كان حاكم كاليفورنيا، وأحاط نفسه بمفكرين وأذكياء. كما كان صانعا للسلام، وهو السبب وراء إنهاء الحرب الباردة.
* كنت شاهداً في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة لمحاكمة جرائم الحرب التي المرتكبة خلال الحرب. هل تعتقد أن مثولك أمام المحكمة كان تعديا على صلاحياتك كصحافي؟
كان هنالك سجال بين الصحافيين في حينها حول مثولنا أمام المحكمة. جميع المراسلين الأميركيين قرروا الامتناع عن المثول حتى كريستيان أمانبور لدى «سي إن إن» كانت منهم. وتبريرهم هو أن المشاركة ستؤثر على حيادهم الصحافي كما ستهددهم أمنيا. لكننا كصحافيين بريطانيين قررنا المثول. استمعت المحكمة إلى شهادتي 5 مرات. والتقيت بالزعيم الصربي السابق رادوفان كاراديتش في زنزانته بناء على طلبه، وتبادلنا أطراف حديث لطيف ووصفني بـ«الثمين».
* إذن ما برأيك في الدور الأساسي للصحافي؟
- دور الصحافي هو أن يروي القصة كما هي بحقائقها. وهذا ما يقلقني اليوم مع ظهور الأخبار الزائفة. ظننت أننا كنا نعرف ما هي الأخبار وما هي الحقائق. لكن الآن هناك حملة لتضبيب رؤيتنا الأمر الذي يقلقني.
* لكنك أيضا تنتقد مدرسة الحياد التام التي تتبعه الـ«بي بي سي» في سيرتك. أين تقف إذن؟
- برأيي تغطيتهم لاستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان عديم الفائدة، واقتصر على تغطية مؤقتة لـ«من هذا الجانب، ومن الجانب الآخر». وكم كبير من حجج الخروج كانت مليئة بالأكاذيب، مثل قيمة الأموال التي تدفعها بريطانيا للاتحاد أسبوعيا كانت غير دقيقة. لا يستهويني هذا النوع من التغطية. الصحافي لا يستطيع أن يقف بموضوعية بين المهاجم والضحية.
* عنوان كتابك الأخير هو «وفاة الأخبار». هل فعلا تعتقد أن العصر الإخباري قضى؟
- أنا قلق جدا من انتشار الأخبار الخفيفة التي تركز على المشاهير والأمور السطحية. لا نرى تغطية للقارة الأفريقية اليوم. التكنولوجيا باتت تشير لمديري المواقع الإخبارية بأن الأخبار الخفيفة هي الأكثر قراءة، فأصبحت تنشر بكثافة على حساب الأخبار المهمة.
* هل هناك صحافيون اليوم يحاولون إعادة إحياء الأخبار؟
نعم. مات فراي (القناة الرابعة)، ليز دوسيت (بي بي سي)، جيريمي بوين (بي بي سي)، جون سنو الذي كان منافسي، وكريستيان أمانبور (سي إن إن) وغيرهم، لكن في المقابل «المحتالون» كثر.
* تركز في كتابك على أهمية تطويع التطور التقني إلى صالح الصحافي، لكنك لا تملك أي حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي. لماذا؟
- لا أفهم «السوشيال ميديا» ربما لتقدم سني. استطعت أن أخوض مسيرة 3 عقود في الـ«بي بي سي» من دون استخدام الكومبيوتر مرة واحدة إلا لأغراض الطباعة عندما أصبحت الكاتبة قديمة الطراز. يمضي الصحافيون اليوم معظم نهارهم أمام الشاشة، ومكانهم الطبيعي في الخارج بحثا عن القصص.
* توفر في سيرتك الذاتية فصلا كاملا للنصائح «الذهبية» للمراسلين الشباب. لكن ما هي النصيحة الأهم برأيك؟
- لا تقرأ نصا من الكومبيوتر وإلا سيفقد روحه. تجب قراءته وهو مكتوب بخط يدك. وللصحافيين أنصحهم بالمثابرة دوما. ستلاحظين خلال مسيرتك الصحافية أنه من السهل الشعور بالإحباط. فكثير من الناس سيرفضون مقابلتك. لكن على الصحافي الناجح المثابرة دوما.
* مجرد فضول. تقول إن السير أليكس فيرغسون كان من أكبر الداعمين لحملتك الانتخابية البرلمانية. هل أنت من مشجعي فريق «مانشستر يونايتد»؟
- لا أنا من مشجعي فريق «نوريتش سيتي». لكن أليكس فيرغسون كان من سكان مقاطعتي وقدم لي دعما كبيرا.
* كيف كانت النقلة من الميدان إلى البرلمان؟
- كانت سهلة نوعا ما لأنني اكتسبت خلال سنواتي كمراسل مهارة التعامل مع الصحافة والصحافيين. واعتمدت على منصبي الجديد لإثارة مواضيع مهمة خلال جلسات البرلمان.
* هل شعرت بأنك سياسي إذن؟
- بالحقيقة لا لم أشعر بذلك إلا في أيامي الأخيرة. تركت البرلمان قبل أن ينتابني الغرور. وحتى عرفت بعد انتخابي ونجاحي بوقت وجيز أثناء زيارتي لقصر باكنغهام أن الملكة إليزابيث وزوجها الأمير فيليب دوق ادنبره كانا قد وضعا رهانا على نجاحي. وآمل أنها راهنت على نجاحي.
* كنت محاطا ببرلمانيين باتوا من وجوه صناع القرار في المشهد السياسي البريطاني اليوم كتيريزا ماي (رئيسة الوزراء) وجيريمي كوربن (زعيم حزب العمال) ودايان أبوت (وزيرة الداخلية بحكومة الظل) وفيليب هاموند (وزير الخزانة). كيف كانوا في تلك الأيام؟
- الوحيد الذي أتذكره من تلك الأيام هو جيريمي كوربن. كان يجلس في المقعد نفسه دوما، إلى جانب مجموعة «صعبة المراس»، وتحدث تكرارا ضد سياسات حزبه ورئيس الوزراء توني بلير، الأمر الذي لم يزعجني بتاتا. لكن لم يخطر على بالي يوما أنه سيكون رئيس حزبه.
* ذكرت أنك ترى كوابيس في منامك تدور داخل البرلمان. ما أكثر لحظة لن تنساها؟
- انتخبت كمرشح مستقل (غير تابع لحزب) في برلمان كانت غالبيته الساحقة من حزب العمال. لذلك لم يؤثر تصويتي على الأمور. لكن صوتي كان هو المؤثر. وزادت شعبيتي بين الناس وسمتني طالبة مدرسة «العضو الخامس لفرقة سبايس غيرلز».
* كانت الذخائر العنقودية إحدى قضاياك كبرلماني، هل تجاوب معك البرلمان في وقتها، وهل استطعت تحقيق هدفك؟
- مع أنه من الصعب أن تجد شخصا يبرر استخدام القنابل العنقودية، فإن قضيتي لم تكن على رأس أولويات البرلمان البريطاني. لكنني سافرت إلى جنيف عندما كنت عضوا في البرلمان لحشد دعم من الحكومات للتوقيع على مشروع قرار لحظر تلك القنابل. كنت البرلماني الوحيد ذات خبرة حديثة في الحروب، لم يعرف معظم أعضاء البرلمان أي شيء عن المنظومة العسكرية. لذلك استغللت منصبي للحديث عن كثير من القضايا الدفاعية.
* جرى انتخاب ديفيد أوزبورن (وزير الخزانة البريطاني السابق) بعد انتهاء فترتك ليخلفك في مقاطعة تاتون. واليوم أصبح رئيس تحرير صحيفة «ايفنينغ ستاندرد» اللندنية ما رأيك بهذه النقلة؟
- أعتقد أن أوزبورن أراد أن يكون المنتخب الأزلي عن «تاتون»، لكن هذا الحلم انتهى بعدما أقالته ماي. وهو الآن كرئيس تحرير ينتقم منها. أعتقد أن بوسعه أن يكون رئيس تحرير جيد لكنه يجب أن يبتعد عن سياسة المطبوعة التقليدية المؤيدة دائما للمحافظين.
* شغلت أيضا منصب سفير لليونيسيف وسافرت إلى مناطق النزاع تحت المسمى الأممي. هل كانت تجربة مختلفة عن مهامك كمراسل حربي؟
- سافرت في مهمات إلى العراق ولبنان واليمن. وكانت تجارب مؤثرة. شعرت بإنسانيتي من خلال تلك المهمات. وكنت سعيدا بأنني أصبحت معفيا من مواعيد تسليم التقارير والضغط والمنافسة بين القنوات والصحف. بل أخذت وقتي في جمع المعلومات والقصص الإنسانية، وأخرجت تقريرا شاملا عند عودتي ليعرض على «بي بي سي» أو إحدى القنوات الأخرى. وكما أخرجت أيضاً تقريرا لصحيفة «صاندي ميل». لم أتقاض أجرا لكنني شعرت بالاكتفاء.



«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.