المراسل العسكري ذو البدلة البيضاء: الحرب تحطم الرجال... أو تصنعهم

مارتن بيل غطى عشرات النزاعات وحجز مقعداً في البرلمان البريطاني

بيل يوقع سيرته خلال الحوار في حديقة منزله بشمال لندن («الشرق الأوسط»)
بيل يوقع سيرته خلال الحوار في حديقة منزله بشمال لندن («الشرق الأوسط»)
TT

المراسل العسكري ذو البدلة البيضاء: الحرب تحطم الرجال... أو تصنعهم

بيل يوقع سيرته خلال الحوار في حديقة منزله بشمال لندن («الشرق الأوسط»)
بيل يوقع سيرته خلال الحوار في حديقة منزله بشمال لندن («الشرق الأوسط»)

بعد 34 عاماً على انقضاء خدمته في الجيش، اضطر المراسل الحربي البريطاني مارتن بيل أن يرتدي البزة العسكرية من جديد وتوجه برفقة الجيش البريطاني إلى الكويت لتغطية حرب الخليج عام 1991... حفر خنادق بيده وتقمص دور الجندي والصحافي معاً.
عند عودته، قطع وعداً أن يغطي الحرب التي تليها بصفته مدنياً. الزي الجديد: بدلة بيضاء. والسبب: «الوسوسة». أما النتيجة: فلقب «الصحافي ذو البدلة البيضاء» ومسيرة 3 عقود غطى فيها 18 حرباً. البدلة كانت شاهدة على قتال الميدان وعلى اجتماعات تحت قبة البرلمان وعلى مهمات إنسانية مع اليونيسيف. وارتداها عندما قابلته بحديقة منزله في شمال لندن الأسبوع الماضي.
مع أنه مر بتجارب كثيرة كادت تقتله، اتجه بيل إلى كل حرب وهو على يقين بأنه سيعود منها سالما. وبعد سنوات من نقل الصورة من ميادين القتال إلى الشاشة الفضية، قرر الصحافي العسكري أن يخوض معركته الخاصة تحت قبة البرلمان البريطاني. ونجح في عهد توني بلير بصفته عضو البرلمان المستقل الوحيد، وخاض حملة لحظر القنابل العنقودية، مستعيرا من خبراته السابقة. وأضحى اليوم سفيراً لليونيسيف يتوجه إلى مناطق النزاع، بعيداً عن التقارير والمنافسة، وقريباً من الضحايا والمتضررين.
متحدث لبق بذاكرة حديدية. عفوي ومتواضع رغم إنجازاته. لم يقاطعني إلا مرة واحدة، ليسقي قطة الجيران التي تسللت إلى حديقته بعض الحليب. الحرب لم تحجر قلبه، بل صقلت الإنسان في داخله. هذا هو مارتن بيل وفيما يلي نص الحوار:
* لماذا البدلة البيضاء دائماً؟
لدي نوع من «الوساوس». اضطررت لارتداء الزي العسكري كمراسل في حرب العراق بعد 34 عاماً، واضطررنا كصحافيين أن نحفر خنادقنا بأيدينا. بعد نهاية الحرب وعدت نفسي أن في تغطية الحرب التالية سأذهب إليها كمدني. وكانت الحرب في كرواتيا في يونيو (حزيران) 1991. ارتديت بدلة بيضاء، لم تصيبني رصاصة طائشة، فربطت بين لون البدلة وسلامتي. هكذا أصبحت البدلة البيضاء لاحقا الأمر الذي يميزني عن الكم الهائل من الصحافيين. فعرفت بالرجل أو الصحافي ذي البدلة البيضاء.
* هل تدين لوالدك، المجمع الأول للكلمات المتقاطعة في صحيفة «التايمز»، عن معجمك اللغوي الواسع؟
- بالطبع. كنا عائلة أدبية. جدي كان محرر الأخبار في صحيفة «الأوبسيرفر»، وشقيقتي كانت المترجمة لكتب «استريكس آند أوبليكس» الفرنسية. إذن الكلمات هي مصدر رزق عائلة «بيل».
* في مذكراتك نقرأ أنك كنت تبحث عن الجواسيس من حولك منذ سن الثامنة، هل شعرت يوما بأنك تريد أن تكون مراسلاً حربياً؟
- كنت أبحث عن الجواسيس لأنها كانت محط تركيز الكتب التي كنا نقرأها بعد الحرب كأطفال. لم تكن لدي فكرة بأنني سأكون مراسلا حربيا لكن الـ«بي بي سي» حينذاك، كان كادر مراسليها ضيقا. ولو اندلعت حرب آنذاك فإن المراسل الأقرب إلى مطار هيثرو كان يكلف بمهمة التغطية. وإن كانت تغطيتك جيدة ولم تشتبك مع المكتب الرئيسي في لندن سترسل لتغطية حرب أخرى. لاحظت بعد فترة أنني أمضيت نحو 3 عقود في تغطية الحرب تلو الأخرى من دون أن أعي ذلك. وكأن ما حدث لي دون علمي.
* تعلمت فن «البقاء على قيد الحياة» خلال فترة بقائك في الجيش. وكان ذلك مفيدا في الحروب التي غطيتها كمراسل مثل البوسنة وفيتنام وغيرهما... كيف ساهمت تجربتك كجندي إذن في صقلك كمراسل حربي، خصوصا عندما رافقت الجيش البريطاني في حرب الخليج عام 1991؟
- كان مفيداً خصوصا في حرب الخليج التي أرسل مجموعة من المراسلين الحربيين إليها لمرافقة الجيش البريطاني. من المفيد أن يعي الجنود أنك جندي سابق. الخبرة السابقة أغنتني عن طرح تساؤلات عن الفرق بين الكتيبة واللواء وغيرهما. كما كنت دقيقا عند مخاطبة الجنود في تمييز رتبهم احتراما لهم، ما سهل التعامل معهم. ومصوري آنذاك كان جنديا سابقا من جنوب أفريقيا. في الواقع عندما التحقنا بالجيش كمراسلين خلال حرب الخليج، كنا على دراية بالأمور العسكرية أكثر من الجنود نفسهم. ولذلك عاملونا باحترام.
* لكنك عام 2003 عند اجتياح العراق، أصبحت معارضاً لظاهرة دمج الصحافيين الحربيين بالجيش، لماذا؟
- لأن الصحافيين مع التطور التكنولوجي أصبحوا مهووسين بالحرب والقتال كأنها مغامرة، لكن الحرب في الحقيقة هي مأساة.
* كملحق إعلامي مع الجيش، هل شعرت بأنك صحافي أم جندي؟
- شعرت بأنني بين المراسل والجندي. للالتحاق عليك التضحية بحريتك وإطاعة الجنود والذهاب حيث شاءوا، كما أنك معرض لمعايير رقابتهم. وترى جانبا واحدا من القتال. ذكرتني التجربة بتغطيتي لفيتنام. مع أني لم أكن ملحقا بالجيش وكان بإمكاني الذهاب إلى أين شئت، عام 1967، إلا أن تغطيتي لم تشمل الجانب الفيتنامي. كانت كلها عن الجنود الأميركيين. واليوم أصبحت الحروب أكثر خطرا، وهذه الطريقة الوحيدة لتغطيتها. فعلى سبيل المثال إن أراد مراسل حربي تغطية حرب تحرير الموصل الآن فالطريقة الوحيدة هي مرافقة الجيش، ومعظم الصحافيين الذين يذهبون لتغطيتها منفردين يدفعون حياتهم ثمنا. برأيي ينبغي على الصحافيين الابتعاد عن معاقل «داعش»؛ لأنهم سيخطفون ويقتلون فورا. ولذلك، لم نر للأسف تغطية حية للمعارك في الرقة.
* تؤكد أكثر من مرة عن أهمية الامتناع عن دخول منطقة سائبة أو منزوعة السلاح لأن مصير الصحافي فيها مجهول. هل لديك تجارب خطرة؟
- يجب عدم الذهاب إلى هناك لأنها منطقة قد يطلق أي جانب متعارك فيها النار عليك. أسوأ تجربة لي هي قيادة سيارة على مدرج الطائرات بمطار سراييفو وجرى إطلاق النار، إلا أنها كانت مصفحة. أن تكون تحت إطلاق النار في الحقيقة، ليس أبدا كما تظهر الأفلام. الصوت كتساقط قطرات المطر وليس عاليا. في بادئ الأمر ظننت فعلا أن المطر يتساقط إلا أنه تبين لي أن رصاصا استهدف المركبة. لم أصب في هذه المرة. لكن العبرة هي تفادي المناطق المنزوعة السلاح.
* تذكر في كتابك الأخير أن كل مراسل حربي يقع في حب حرب واحدة فقط. بعد تغطيتك لنحو 18 حربا، أي واحدة هي حبك الوحيد؟
- البوسنة بالتأكيد. بلاد جميلة، وأمضيت وقتا طويلا فيها. هذه الحرب استمرت عامين ونصف العام، وأنا شهدت الحرب بعد اندلاعها بيوم، وكنت حاضرا حتى النهاية. كما أصبت هناك. أحببت الناس والشعب.
* الصحافية الحربية الراحلة كلير هولينغوورث كانت تأخذ معها فرشاة أسنان وآلة طابعة إلى الحروب. ماذا عنك؟
- كان في شنطتي مصباح يدوي ودفتري الأسود الصغير، ومقتنيات تجلب لي الحظ مثل قطعة من جلد أفعى وعملات نادرة، إلى جانب مشبك لأجمع فواتيري رباط حذاء احتياطي وضعف المال الذي كنت أحتاجه، ونصف كمية الملابس. وقصائد ويلفرد أوين الذي كان يكتب ليرافق من كانوا على قيد الحياة في الحروب، ويعبر عن أسفه لوقوعها. وتأثرت بقصائده وكان التركيز في معظم تغطياتي الأخيرة للحروب لإيضاح أسفي لوقوعها وعن تراجيديتها.
* ما الذي كان دفعك إلى خطوط النار لتغطية الحروب علما بأن هنالك احتمالية أنك لن تعود منها؟
- المراسلون الحربيون على يقين دائم بأنهم سيعودون من الحروب. هذه جزء من سيكولوجيتهم للتعامل مع الموقف. وإن لم نفعل هذا كنا سندفع إلى الجنون.
* إذن شعرت بأنك خالد؟
- لا أبداً. تعرضي للإصابة في حرب البوسنة جعلني متوترا. تركت المركبة المحصنة لوقت طويل وضربتني قذيفة هاون وأصبت في أسفل بطني وأردتني أرضا. تميزت عن المراسلين الحربيين الآخرين لأنني أصبت بقذيفة صربية وسرقني الفرنسيون في اليوم ذاته. فعند نقلي إلى المشفى الذي أداره الفرنسيون آنذاك في مقر الأمم المتحدة واستيقظت بعد زوال مفعول المخدر لم أعثر على نقودي ولا حتى جواز سفري. لكنني كنت على قيد الحياة. ولم تؤثر في السرقة.
* كم من مرة خضت تجربة كادت أن تنهي حياتك؟
- لا أعرف، لكن من المرات التي أتذكرها هي عندما كنت على شرفة في سراييفو أثناء تصوير قطعة للكاميرا، واحتدم إطلاق النار، فاضطررنا لتأجيل التصوير والدخول. وعندما شاهدنا التصوير لاحظنا أن رصاصة طائشة اقتربت من رأسي وكادت تقتلني.
* تنوه في سيرتك الذاتية بأن تغطيتك للحروب تغيرت مع الوقت. ففي الوقت الذي كنت فيه مأخوذا بالتكنولوجيا الحربية خلال فيتنام، تغير تركيزك ليتسلط على الناس في التغطيات التي تلتها. لماذا؟
- أرفض مشاهدة تغطياتي الأولى لأن جميعها يتبع نهج السينما آنذاك. اللهجة الأرستقراطية والرواية التي تقتصر على شرح عظمة المعدات العسكرية. لكن الترسانات لم يكسب الأميركيون حرب فيتنام بها. فبرأيي الأفكار هي التي تدير الحروب والقدرة على الحفاظ على تلك الأفكار هي المفتاح لكسبها. لا أعتبر نفسي مسالما كليا أو من المدرسة المعارضة كلياً للحروب. لكنني حرصت في تغطياتي اللاحقة أن أركز على العنصر الإنساني للحروب، على الجنود والمواطنين، وكيف تأثر ويلات الحرب عليهم. الحروب تصنع الرجال أو تحطمهم، حيث يعاني كثير من العسكريين ومراسلي الحرب من اضطراب الكرب التالي للصدمة النفسية (PTSD). عقل الإنسان غير مؤهل للتعامل مع دموية الحروب.
* هل عانيت من هذا الاضطراب؟
سألت نفسي هذا مراراً، ولربما الإنكار من أحد الأعراض. لكن الطريقة الوحيدة لمعرفة ما يدور في اللاوعي هي الأحلام أو الكوابيس بالأدق. ومعظم أحلامي عن فقدان أمتعتي في مطار هيثرو اللندني والجلوس على مقاعد البرلمان الخشبية ولكن لا أحلم بالحروب.
* لقد تم ترحيلك من لبنان خلال تغطيتك للحرب الأهلية. ما السبب؟
حدث في بداية الحرب الأهلية. لم تكن الأقمار الصناعية متاحة آنذاك.كان التحدي الأكبر إيصال تسجيلات التغطية إلى مكان مناسب للبث. كنا نرسل بعض الأشرطة براً إلى دمشق. لكن في هذه الواقعة حاولت تهريب الأشرطة على متن قارب إلى قبرص لكن جواسيس في فندق «الكومودور» في بيروت كشفوا سرنا وتم اعتقالنا وترحيلنا.
* ماذا عن تغطياتك الأخرى في منطقة الشرق الأوسط؟
- غطيت حرب 1967 (نكسة حزيران) وحرب 1973 (حرب أكتوبر «تشرين الأول»)، وكنا نسافر 300 ميل لإنتاج تقرير خبري مدته 3 دقائق. أذكر يوما أنني سافرت إلى سيناء وكان هناك حاجز واضطررنا إلى العودة بعد رفض الحرس أن نعبر.
* في بعض سطور سيرتك تبدي تعاطفا مع الشعب الفلسطيني وتتضامن معهم في وجه الظلم الإسرائيلي، لكن في صفحات أخرى تؤكد إعجابك بدولة إسرائيل وتصفها بالدولة المعادية للإرهاب. ما موقفك من القضية الفلسطينية - الإسرائيلية اليوم؟
- في بادئ الأمر كنت مأخوذا بإسرائيل. لكن اليوم أصبحت من أكبر منتقديها، وأرفض أن تطأ قدمي هناك مجددا. وأعتقد أن استخدام الدولة للذخائر العنقودية في جنوب لبنان كان جريمة حرب لا يمكن الدفاع عنها.
* ما السبق الصحافي الأكبر الذي أنجزته في مناطق النزاع؟
- أعتقد كان اكتشاف مجزرة في منطقة وسطية في البوسنة كنت مع قوات أممية آنذاك. عثرنا على أكثر من 100 شخص قتلوا رميا بالرصاص وهم يحاولون الفرار أو جرى حرقهم داخل المنازل. كان المنظر دمويا، وضاقت في الكلمات لكتابة نص خبري لروايته. اضطررت لأن أعتمد لقطات معينة ملائمة للعرض التلفزيوني لئلا ترفض غرفة أخبار «بي بي سي» عرض التقرير.
* كيف تصف شعور التعرض لقنابل مسيلة للدموع أثناء تغطيتك للمظاهرات؟
- لا زلت أحتفظ بإحدى العبوات التي أدمعتني أثناء تغطيتي لاحتجاجات شيكاغو المناهضة لحرب فيتنام عام 1968 أثناء مؤتمر الحزب الديمقراطي. حرصت على جمع الرصاصات وعبوات الغاز وغيرها من مخلفات كل ما غطيت. وأعتبرها كتذكارات شاعرية تعيدني إلى تلك اللحظات التي عشتها وأحتفظ بها إلى اليوم. وعلى كل صحافي ومراسل فعل ذلك لو أراد أن يكتب مذكراته يوما.
* عدت إلى الولايات المتحدة من جديد كمراسل الـ«بي بي سي» في واشنطن في عام 1978 ولمدة 12 عاما، وكنت شاهداً على فترة رئاسة رونالد ريغان. كيف تقيم هذه التجربة؟
- كانت مميزة. أعتقد أنه كانت فترة رئاسة ريغان ناجحة لأنه كان متحدثا بارعا وكانت أصعب تحدياتي إقناع محرري «بي بي سي» في لندن أن ممثلا سابقا بإمكانه أن يكون رئيسا مناسبا لأميركا.
* هل ترى تشابها بين رونالد ريغان ودونالد ترمب؟
- لا بتاتا. ريغان كان يستمع للآخرين، وكانت لديه تجربة سياسية سابقة، حيث كان حاكم كاليفورنيا، وأحاط نفسه بمفكرين وأذكياء. كما كان صانعا للسلام، وهو السبب وراء إنهاء الحرب الباردة.
* كنت شاهداً في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة لمحاكمة جرائم الحرب التي المرتكبة خلال الحرب. هل تعتقد أن مثولك أمام المحكمة كان تعديا على صلاحياتك كصحافي؟
كان هنالك سجال بين الصحافيين في حينها حول مثولنا أمام المحكمة. جميع المراسلين الأميركيين قرروا الامتناع عن المثول حتى كريستيان أمانبور لدى «سي إن إن» كانت منهم. وتبريرهم هو أن المشاركة ستؤثر على حيادهم الصحافي كما ستهددهم أمنيا. لكننا كصحافيين بريطانيين قررنا المثول. استمعت المحكمة إلى شهادتي 5 مرات. والتقيت بالزعيم الصربي السابق رادوفان كاراديتش في زنزانته بناء على طلبه، وتبادلنا أطراف حديث لطيف ووصفني بـ«الثمين».
* إذن ما برأيك في الدور الأساسي للصحافي؟
- دور الصحافي هو أن يروي القصة كما هي بحقائقها. وهذا ما يقلقني اليوم مع ظهور الأخبار الزائفة. ظننت أننا كنا نعرف ما هي الأخبار وما هي الحقائق. لكن الآن هناك حملة لتضبيب رؤيتنا الأمر الذي يقلقني.
* لكنك أيضا تنتقد مدرسة الحياد التام التي تتبعه الـ«بي بي سي» في سيرتك. أين تقف إذن؟
- برأيي تغطيتهم لاستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان عديم الفائدة، واقتصر على تغطية مؤقتة لـ«من هذا الجانب، ومن الجانب الآخر». وكم كبير من حجج الخروج كانت مليئة بالأكاذيب، مثل قيمة الأموال التي تدفعها بريطانيا للاتحاد أسبوعيا كانت غير دقيقة. لا يستهويني هذا النوع من التغطية. الصحافي لا يستطيع أن يقف بموضوعية بين المهاجم والضحية.
* عنوان كتابك الأخير هو «وفاة الأخبار». هل فعلا تعتقد أن العصر الإخباري قضى؟
- أنا قلق جدا من انتشار الأخبار الخفيفة التي تركز على المشاهير والأمور السطحية. لا نرى تغطية للقارة الأفريقية اليوم. التكنولوجيا باتت تشير لمديري المواقع الإخبارية بأن الأخبار الخفيفة هي الأكثر قراءة، فأصبحت تنشر بكثافة على حساب الأخبار المهمة.
* هل هناك صحافيون اليوم يحاولون إعادة إحياء الأخبار؟
نعم. مات فراي (القناة الرابعة)، ليز دوسيت (بي بي سي)، جيريمي بوين (بي بي سي)، جون سنو الذي كان منافسي، وكريستيان أمانبور (سي إن إن) وغيرهم، لكن في المقابل «المحتالون» كثر.
* تركز في كتابك على أهمية تطويع التطور التقني إلى صالح الصحافي، لكنك لا تملك أي حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي. لماذا؟
- لا أفهم «السوشيال ميديا» ربما لتقدم سني. استطعت أن أخوض مسيرة 3 عقود في الـ«بي بي سي» من دون استخدام الكومبيوتر مرة واحدة إلا لأغراض الطباعة عندما أصبحت الكاتبة قديمة الطراز. يمضي الصحافيون اليوم معظم نهارهم أمام الشاشة، ومكانهم الطبيعي في الخارج بحثا عن القصص.
* توفر في سيرتك الذاتية فصلا كاملا للنصائح «الذهبية» للمراسلين الشباب. لكن ما هي النصيحة الأهم برأيك؟
- لا تقرأ نصا من الكومبيوتر وإلا سيفقد روحه. تجب قراءته وهو مكتوب بخط يدك. وللصحافيين أنصحهم بالمثابرة دوما. ستلاحظين خلال مسيرتك الصحافية أنه من السهل الشعور بالإحباط. فكثير من الناس سيرفضون مقابلتك. لكن على الصحافي الناجح المثابرة دوما.
* مجرد فضول. تقول إن السير أليكس فيرغسون كان من أكبر الداعمين لحملتك الانتخابية البرلمانية. هل أنت من مشجعي فريق «مانشستر يونايتد»؟
- لا أنا من مشجعي فريق «نوريتش سيتي». لكن أليكس فيرغسون كان من سكان مقاطعتي وقدم لي دعما كبيرا.
* كيف كانت النقلة من الميدان إلى البرلمان؟
- كانت سهلة نوعا ما لأنني اكتسبت خلال سنواتي كمراسل مهارة التعامل مع الصحافة والصحافيين. واعتمدت على منصبي الجديد لإثارة مواضيع مهمة خلال جلسات البرلمان.
* هل شعرت بأنك سياسي إذن؟
- بالحقيقة لا لم أشعر بذلك إلا في أيامي الأخيرة. تركت البرلمان قبل أن ينتابني الغرور. وحتى عرفت بعد انتخابي ونجاحي بوقت وجيز أثناء زيارتي لقصر باكنغهام أن الملكة إليزابيث وزوجها الأمير فيليب دوق ادنبره كانا قد وضعا رهانا على نجاحي. وآمل أنها راهنت على نجاحي.
* كنت محاطا ببرلمانيين باتوا من وجوه صناع القرار في المشهد السياسي البريطاني اليوم كتيريزا ماي (رئيسة الوزراء) وجيريمي كوربن (زعيم حزب العمال) ودايان أبوت (وزيرة الداخلية بحكومة الظل) وفيليب هاموند (وزير الخزانة). كيف كانوا في تلك الأيام؟
- الوحيد الذي أتذكره من تلك الأيام هو جيريمي كوربن. كان يجلس في المقعد نفسه دوما، إلى جانب مجموعة «صعبة المراس»، وتحدث تكرارا ضد سياسات حزبه ورئيس الوزراء توني بلير، الأمر الذي لم يزعجني بتاتا. لكن لم يخطر على بالي يوما أنه سيكون رئيس حزبه.
* ذكرت أنك ترى كوابيس في منامك تدور داخل البرلمان. ما أكثر لحظة لن تنساها؟
- انتخبت كمرشح مستقل (غير تابع لحزب) في برلمان كانت غالبيته الساحقة من حزب العمال. لذلك لم يؤثر تصويتي على الأمور. لكن صوتي كان هو المؤثر. وزادت شعبيتي بين الناس وسمتني طالبة مدرسة «العضو الخامس لفرقة سبايس غيرلز».
* كانت الذخائر العنقودية إحدى قضاياك كبرلماني، هل تجاوب معك البرلمان في وقتها، وهل استطعت تحقيق هدفك؟
- مع أنه من الصعب أن تجد شخصا يبرر استخدام القنابل العنقودية، فإن قضيتي لم تكن على رأس أولويات البرلمان البريطاني. لكنني سافرت إلى جنيف عندما كنت عضوا في البرلمان لحشد دعم من الحكومات للتوقيع على مشروع قرار لحظر تلك القنابل. كنت البرلماني الوحيد ذات خبرة حديثة في الحروب، لم يعرف معظم أعضاء البرلمان أي شيء عن المنظومة العسكرية. لذلك استغللت منصبي للحديث عن كثير من القضايا الدفاعية.
* جرى انتخاب ديفيد أوزبورن (وزير الخزانة البريطاني السابق) بعد انتهاء فترتك ليخلفك في مقاطعة تاتون. واليوم أصبح رئيس تحرير صحيفة «ايفنينغ ستاندرد» اللندنية ما رأيك بهذه النقلة؟
- أعتقد أن أوزبورن أراد أن يكون المنتخب الأزلي عن «تاتون»، لكن هذا الحلم انتهى بعدما أقالته ماي. وهو الآن كرئيس تحرير ينتقم منها. أعتقد أن بوسعه أن يكون رئيس تحرير جيد لكنه يجب أن يبتعد عن سياسة المطبوعة التقليدية المؤيدة دائما للمحافظين.
* شغلت أيضا منصب سفير لليونيسيف وسافرت إلى مناطق النزاع تحت المسمى الأممي. هل كانت تجربة مختلفة عن مهامك كمراسل حربي؟
- سافرت في مهمات إلى العراق ولبنان واليمن. وكانت تجارب مؤثرة. شعرت بإنسانيتي من خلال تلك المهمات. وكنت سعيدا بأنني أصبحت معفيا من مواعيد تسليم التقارير والضغط والمنافسة بين القنوات والصحف. بل أخذت وقتي في جمع المعلومات والقصص الإنسانية، وأخرجت تقريرا شاملا عند عودتي ليعرض على «بي بي سي» أو إحدى القنوات الأخرى. وكما أخرجت أيضاً تقريرا لصحيفة «صاندي ميل». لم أتقاض أجرا لكنني شعرت بالاكتفاء.



الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».