الطاقة المتجددة تنتعش في الولايات المؤيدة لترمب

أهداف براغماتية تتعلق بالأسعار... وليس إيماناً باتفاقية المناخ

يسمح الاتجاه للطاقة النظيفة لمرافق هذه الولايات بالإبقاء على أسعار الطاقة منخفضة لعقود (أ.ب)
يسمح الاتجاه للطاقة النظيفة لمرافق هذه الولايات بالإبقاء على أسعار الطاقة منخفضة لعقود (أ.ب)
TT

الطاقة المتجددة تنتعش في الولايات المؤيدة لترمب

يسمح الاتجاه للطاقة النظيفة لمرافق هذه الولايات بالإبقاء على أسعار الطاقة منخفضة لعقود (أ.ب)
يسمح الاتجاه للطاقة النظيفة لمرافق هذه الولايات بالإبقاء على أسعار الطاقة منخفضة لعقود (أ.ب)

منذ عامين، ألغت ولاية كنساس الأميركية قانونا يشترط أن تعتمد 20 في المائة من طاقة الكهرباء بالولاية على مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2020، فيما يبدو وكأنه خطوة إلى الوراء في ولاية محافظة إلى حد كبير.
لكن في الوقت الذي ألغي فيه القانون، كان القانون بالفعل تحصيل حاصل، إذ تجاوزت ولاية كنساس نسبة 20 في المائة المستهدفة، والتي نص عليها القانون عام 2014، بعد أن تخطت كمية الطاقة التي تنتجها من الرياح 30 في المائة.
ربما تكون كنساس أول ولاية تمثل طاقة الرياح فيها نسبة 50 في المائة من إجمالي مصادر الطاقة بها، وذلك خلال عام أو عامين من الآن، إن لم تسبقها ولاية أيوا في تحقيق هذا الهدف.
من الملاحظ أن من أسرع الولايات تحقيقا للتقدم في الطاقة النظيفة هي تلك التي يقودها محافظون ومشرعون جمهوريون، وأيضا الولايات التي ساندت دونالد ترمب في الانتخابات الرئاسية.
والولايات الخمس التي تحصل على أعلى نسب الطاقة من توربينات الرياح هي أيوا، وكنساس، وساوث داكوتا، وأوكلاهوما، ونورث داكوتا، وجميعها صوتت لترمب. ونفس الشيء فعلته ولاية تكساس التي تنتج أعلى نسبة طاقة من الرياح. في الحقيقة، فإن 69 في المائة من طاقة الرياح التي تنتجها البلاد تأتي من الولايات التي حصل ترمب على أصواتها في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
الطاقة المتجددة التي لا تنتج انبعاث ثاني أكسيد الكربون ليست ظاهرة مقتصرة على الولايات الساحلية المؤيدة للحزب الديمقراطي دون غيرها. فبدءا من ولاية جورجيا إلى ولايتي داكوتا، اتجه كبار الساسة ورجال الأعمال إلى مصادر الطاقة النظيفة، حتى في الوقت الذي شجعت فيه إدارة ترمب على مزيد من الاستغلال للنفط والغاز والفحم.
لكن بالنسبة للولايات الحمراء (الحزب الجمهوري)، لم يكن الحافز ظهور رغبة مفاجئة في التقليل من انبعاثات الاحتباس الحراري، كذلك لم يسعوا إلى الانضمام إلى نيويورك وواشنطن وكاليفورنيا المساندين للحزب الديمقراطي في الدفاع عن «اتفاقية باريس للمناخ» التي عزف عنها ترمب الأسبوع الماضي. فحكام هذه الولايات يرون ضرورة الاستفادة من الرياح ومن الشمس، وإن كانت بدرجة أقل، باعتبارها استراتيجية اقتصادية.
ويسمح الاتجاه للطاقة النظيفة لمرافق هذه الولايات بالإبقاء على أسعار الطاقة منخفضة لعقود، وإيجاد فرص عمل وتوفير دخل ثابت للفلاحين الذين تمر توربينات الكهرباء من خلال أراضيهم، ناهيك عن إغراء أصحاب الأعمال الذين يسعون إلى الحصول على الطاقة المتجددة لإقامة مشروعات في تلك المناطق.
وفي سياق متصل، قال حاكم ولاية كنساس المحافظ، عضو الحزب الجمهوري، سام برونباك، في كلمة ألقاها عام 2011: «نصدر كثيرا من الأشياء، وفي المستقبل أتطلع إلى تصدير كثير من طاقة الرياح. نريد مزيدا من هذه الطاقة الآن».
حصل برونباك على ما أراد، فمنذ تحدث في هذا الأمر، تضاعفت طاقة الرياح 3 مرات تقريبا، وباتت ولايته الآن تصدر الكهرباء النظيفة.
وأيا كانت الدوافع، فالتقدم الذي تحقق في ولايات الحزب الجمهوري في هذا الصدد ساعد على خفض الانبعاثات، مما يعني أن أهداف تلك الولايات تتوافق مع أهداف ولايات الحزب الديمقراطي، التي عبرت عن قلقها من التغييرات المناخية.
وهنا يبرز السؤال: في الوقت الذي لم تعد تهتم فيه واشنطن بالانبعاثات، هل يستطيع النظام الفيدرالي أن يوجد الحل لأزمة المناخ؟ بمعنى أن تقوم كل ولاية على حدة بتحقيق أهداف الطاقة الخاصة بها.
«على مستوى الولايات، فأنت أقرب بكثير إلى الديمقراطية»، وفق آدم براونينغ، المدير التنفيذي لمجموعة «فوت سولار» التي تعمل في مجال الطاقة النظيفة ومقرها كاليفورنيا.
وفي الولايات المتحدة الحديثة، فإن الدفاع عن حقوق الولايات غالبا ما ينظر إليه كموقف محافظ، وكمثال لعداوة تيار اليمين للحكومة الوطنية الكبرى. لكن مايكل كزيان، أستاذ التاريخ بجامعة «جورج تاون»، أشار إلى أن قضايا مثل منح النساء حق التصويت ومؤخرا السماح بالزواج المثلي، غالبا ما نجحت على مستوى الولايات قبل غيرها من القضايا. وأشار الدكتور كازين: «في النظام الأميركي، تتمتع الولايات بصلاحيات ضخمة أحيانا تستخدم في القضايا التقدمية».
ومنذ أكثر من عقد مضى، وبسبب بطء فاعلية الإجراءات في الولايات، حشد نشطاء التغييرات المناخية والمتحمسون للطاقة النظيفة الجهود لدفع حكومات الولايات إلى تبني أهداف الطاقة المتجددة التي طالما تأجلت.
وتوصل المحللون إلى أن أغلب الولايات تسير على نفس الطريق في سبيل تحقيق أهدافها، وغالبا ما يسبقون المواعيد المحددة. وفي السنوات الأخيرة، حاولت المنظمات المدافعة عن التيار المحافظ، التي أسسها رجلا الصناعة الأخوان تشارلز وديفيد كوش، إلغاء الأهداف لكنها فشلت فشلا ذريعا.
كانت ولاية كنساس التي تحتضن مقر شركة كوش استثناء. وفي عام 2015، وافق المروجون لطاقة الرياح على صفقة قامت بمقتضاها السلطة التشريعية بتحويل أحد اشتراطات الولاية إلى هدف طوعي، وفي المقابل، تلقت الصناعة وعودا بألا تخضع إلى ضرائب عقابية، كما اقترح بعض المشرعين. رحب برونباك بتلك الصفقة لكنه توقع مواصلة ولاية كنساس بناء مزارع الرياح، وهو ما حدث بالفعل.
على المستوى المحلي، خطت الطاقة الشمسية خطوات كبيرة للأمام في بعض الولايات القليلة مثل كاليفورنيا، لكن طاقة الرياح تمثل قصة النجاح الأكبر. فالتوربينات الآن توفر نحو 6 في المائة من الكهرباء في البلاد، وتشير الدراسات إلى أنها ربما توفر ثلث الاحتياج أو أكثر في المستقبل.
لكن ما يمثل تهديدا للطاقة المتجددة هو أن إدارة ترمب ربما تدفع تجاه نهاية مبكرة للدعم الفيدرالي الذي يعمل على تحسين اقتصاديات الولايات. من المقرر أن يلغى الدعم تدريجيا في السنوات القادمة؛ لأن أي اقتراح بوقفه نهائيا وفجأة في الفترة القادمة ربما يلقى معارضة شديدة من الحزبين في الكونغرس. فكلا الحزبين يريان الدعم بمثابة استثمار لتقليص كلفة الطاقة المتجددة، عن طريق توسيع السوق للاستفادة من الوفر الناتج عن زيادة المعروض، بالإضافة إلى أن طاقة الرياح والشمس كليهما يوفران كثيرا من الوظائف.
وكرد فعل لانتخاب ترمب وتجاهله لأهداف المناخ التي حددتها إدارة أوباما، قامت الولايات المساندة للحزب الديمقراطي، مثل نيويورك وكاليفورنيا بمضاعفة جهودهما، حيث قررت الولايتان العمل على الحصول على 50 في المائة من احتياجاتهما من الطاقة من خلال الطاقة المتجددة، فيما تدرس كاليفورنيا إمكانية الحصول على 100 في المائة من احتياجاتها من الكهرباء من خلال الطاقة المتجددة بحلول عام 2045.
قد يكون السؤال الأكبر الآن هو ما إذا كانت ولايات الحزب الديمقراطي – في ضوء إلحاح مسألة التغييرات المناخية - بمقدورها أن تقدم لولايات الحزب الجمهوري ما يحفزها على التحرك السريع تجاه الطاقة المتجددة.
أحد الاقتراحات الممكنة هي المال، فولاية كاليفورنيا وغيرها من الولايات الغربية تناقش مقترح تحقيق التقارب بين أسواق الكهرباء الخاصة بهم، مما يتيح نقل مزيد من الطاقة المتجددة في ولايات الحزب الجمهوري إلى المستهلكين في كاليفورنيا، ومن ثم نقل مال كاليفورنيا إلى جيوب أصحاب الأرض في ولايات الحزب الجمهوري.
ربما تصبح ولاية وايمنغ، التي تعد أكبر ولاية منتجة للفحم والتي يقودها الحزب الديمقراطي، المستفيد الأكبر في ضوء مزرعة الرياح المقترحة التي ستكون أحد أكبر مزارع الطاقة في العالم. ويناقش حاكما ولاية وايمنغ وكاليفورنيا الصفقة، رغم أن الاثنين شعرا بكثير من الضيق بسبب فقدانهما السيطرة على أسواق الكهرباء بولايتيهما.
الاحتمال الثاني هو أن الولايات التابعة للحزبين الجمهوري والديمقراطي بمقدورهما حشد الجهود لبناء خطوط الكهرباء بوتيرة أسرع. وتشير الإحصاءات إلى أن ولاية كنساس وحدها تستطيع نظريا توفير أغلب كمية الكهرباء التي تحتاجها البلاد عن طريق توربينات الرياح حال جرى توفير خطوط كهرباء كافية لنقلها إلى الأسواق.
ومع استمرار تراجع كلفة الطاقة المتجددة، فإن فرص قيام تعاون بين ولايات الحزبين الجمهوري والديمقراطي ستزداد. ولذلك حتى وإن بدا أن إدارة ترمب قد انتبهت إلى أن قضية المناخ باتت ملحة، فإن الخبراء الذين يقضون وقتا طويلا في الحديث مع حكام الولايات يرون أن فرص إحراز تقدم باتت كبيرة.
وفي السياق ذاته، قال هال هيرفي، المدير التنفيذي لمركز «إنيرجي أنوفيشن» البحثي بسان فرنسيسكو: «أعتقد أن الإجابة هي أننا لا نريد مثل هذه الحرب السخيفة. دعونا نعترض على التغييرات المناخية. دعونا ننجز هذا العمل».
* خدمة «نيويورك تايمز»



تخفيف قيود النفط الروسي يربك الغرب وسط حربي أوكرانيا وإيران

رجل يتابع مرور ناقلة نفط روسية لدى مرورها قرب شاطئ ولاية غوجارات بالهند (رويترز)
رجل يتابع مرور ناقلة نفط روسية لدى مرورها قرب شاطئ ولاية غوجارات بالهند (رويترز)
TT

تخفيف قيود النفط الروسي يربك الغرب وسط حربي أوكرانيا وإيران

رجل يتابع مرور ناقلة نفط روسية لدى مرورها قرب شاطئ ولاية غوجارات بالهند (رويترز)
رجل يتابع مرور ناقلة نفط روسية لدى مرورها قرب شاطئ ولاية غوجارات بالهند (رويترز)

تشهد سوق الطاقة العالمية تطورات متسارعة، بعد إعلان الولايات المتحدة إصدار إعفاء مؤقت يسمح ببيع شحنات النفط الروسي العالقة في البحر لمدة 30 يوماً، في محاولة لتهدئة الأسواق التي ارتبكت بفعل التصعيد العسكري في الشرق الأوسط. وفي الوقت ذاته طلب الاتحاد الأوروبي من «وكالة الطاقة الدولية» تقييم أثر الإفراج غير المسبوق عن الاحتياطيات الاستراتيجية، في خطوة تعكس القلق الغربي من استمرار تقلبات أسعار الطاقة وتداعياتها الاقتصادية. جاء القرار الأميركي في وقت تشهد فيه أسواق النفط ضغوطاً غير مسبوقة منذ اندلاع المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وما تبعها من اضطرابات في الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. هذه التطورات دفعت أسعار النفط إلى تجاوز مستوى 100 دولار للبرميل، قبل أن تتراجع قليلاً عقب إعلان الإعفاء المؤقت؛ حيث انخفض خام برنت إلى نحو 99.75 دولار للبرميل، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط إلى نحو 94.85 دولار. وبموجب الترخيص الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية، يُسمح بتسليم النفط الخام الروسي والمنتجات النفطية التي جرى تحميلها بالفعل على ناقلات في البحر وبيعها خلال الفترة من 12 مارس (آذار) إلى 11 أبريل (نيسان).

وأكد وزير الخزانة سكوت بيسنت أن الإجراء «قصير الأجل ومصمَّم بدقة»، ولن يمنح موسكو مكاسب مالية كبيرة، بل يهدف إلى تخفيف الضغوط على السوق العالمية، واحتواء ارتفاع الأسعار الذي يثقل كاهل المستهلكين والشركات في الولايات المتحدة.

يأتي هذا التحرُّك ضمن حزمة إجراءات أوسع أعلنتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمواجهة أزمة الطاقة المتفاقمة. فقد كشفت واشنطن عن خطة للإفراج عن 172 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي، في إطار تنسيق مع «وكالة الطاقة الدولية» التي قررت بدورها إطلاق 400 مليون برميل من مخزوناتها الاستراتيجية، في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى تهدئة الأسعار وطمأنة الأسواق.

لكن هذه الخطوات أثارت نقاشاً داخل المعسكر الغربي؛ خصوصاً في أوروبا التي تخشى أن يؤدي تخفيف القيود على النفط الروسي إلى تقويض الجهود الرامية إلى تقليص عائدات موسكو النفطية المستخدمة في تمويل الحرب في أوكرانيا.

• حسابات المخاوف والمصالح، وفي هذا السياق طلب الاتحاد الأوروبي رسمياً من «وكالة الطاقة الدولية» إجراء تقييم لمدى تأثير الإفراج عن الاحتياطيات النفطية على أمن الإمدادات في المدى المتوسط، في محاولة لضمان أن الإجراءات الطارئة لن تخلق اختلالات جديدة في السوق. وخلال اجتماع مجموعة تنسيق النفط التابعة للاتحاد الأوروبي في بروكسل، أكدت الدول الأعضاء أنها لا ترى حالياً خطراً مباشراً على أمن إمدادات النفط داخل التكتل، لكنها شددت على ضرورة مراقبة تطورات السوق من كثب. ومن المقرر عقد اجتماع جديد في 19 مارس لمراجعة المستجدات وتقييم فعالية الإجراءات المتخذة. ومن جانبها، رأت موسكو في الخطوة الأميركية اعترافاً ضمنياً بأهمية النفط الروسي لاستقرار السوق العالمية. وقال المستشار الاقتصادي للكرملين كيريل ديميترييف إن «سوق الطاقة العالمية لا يمكن أن تبقى مستقرة من دون النفط الروسي»، معتبراً أن واشنطن بدأت تدرك واقع التوازنات في سوق الطاقة. وأضاف أن المصالح الروسية في هذا الملف «متوافقة مع الجهود الرامية إلى استقرار الأسواق». وفي أوروبا، عبّرت وزيرة الاقتصاد الألمانية عن تفهمها للقرار الأميركي، مشيرة إلى أن الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة - خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) - تلعب دوراً مهماً في دفع واشنطن إلى اتخاذ خطوات سريعة لكبح أسعار الوقود.

• تأثير محدود اقتصادياً، يرى محللون أن تأثير الإعفاء الأميركي سيظل محدوداً نسبياً. فوفق تقديرات مؤسسات مالية، قد يسمح القرار بتصريف جزء من الشحنات الروسية العالقة في البحر التي تُقدر بعشرات الملايين من البراميل، إلا أن ذلك يعادل فقط بضعة أيام من الصادرات الخليجية التي تعطلت بسبب التوترات في المنطقة. ويشير خبراء إلى أن نحو 30 ناقلة تحمل النفط الروسي تنتظر حالياً البيع في المياه الآسيوية، بينما تتجه كميات كبيرة أخرى إلى التخزين أو الاستهلاك في الصين والهند. وفي المقابل، يبقى العامل الأكثر حسماً في مستقبل الأسعار هو الوضع الأمني في مضيق هرمز؛ فقد هددت إيران بالإبقاء على المضيق مغلقاً كوسيلة ضغط، بينما تعرضت ناقلات وقود لهجمات في المياه العراقية؛ ما دفع بعض الدول والشركات إلى اتخاذ إجراءات احترازية، مثل إعادة توجيه شحنات النفط عبر البحر الأحمر أو استخدام خطوط أنابيب بديلة. وتشير تقارير إلى أن الولايات المتحدة تدرس مرافقة السفن التجارية عسكرياً عبر المضيق بالتعاون مع تحالف دولي، في محاولة لضمان استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية، ومنع حدوث صدمة إمدادات جديدة. وفي المحصلة، تكشف التحركات الأميركية والأوروبية عن سباق دبلوماسي واقتصادي لاحتواء أزمة طاقة متفاقمة بسبب التوترات الجيوسياسية. وبين الإفراج عن الاحتياطيات الاستراتيجية وتخفيف القيود على النفط الروسي، تسعى القوى الكبرى إلى تحقيق توازن دقيق بين استقرار السوق والحفاظ على الضغوط السياسية. ومع استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط، يبقى مستقبل أسعار الطاقة مرهوناً بتطورات الميدان بقدر ما هو مرتبط بقرارات العواصم الكبرى.


أوروبا تحت ضغط أسعار الطاقة 2026... لماذا لن تُكرر حزم 2022؟

منظر عام لمصنع إعادة الغاز في خليج بيسكايا بمدينة زيربينا الباسكية الإسبانية (أ.ف.ب)
منظر عام لمصنع إعادة الغاز في خليج بيسكايا بمدينة زيربينا الباسكية الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تحت ضغط أسعار الطاقة 2026... لماذا لن تُكرر حزم 2022؟

منظر عام لمصنع إعادة الغاز في خليج بيسكايا بمدينة زيربينا الباسكية الإسبانية (أ.ف.ب)
منظر عام لمصنع إعادة الغاز في خليج بيسكايا بمدينة زيربينا الباسكية الإسبانية (أ.ف.ب)

أدى ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران إلى وضع الحكومات الأوروبية تحت ضغط لتقديم الدعم للأسر والشركات، لكن الضغوط المالية في بعض الاقتصادات الكبرى تحد من قدرتها على التحرك.

وهذا يجعل من غير المرجح أن تقدم الحكومات نفس الدعم الشامل الذي تم تقديمه بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا قبل ثلاث سنوات، عندما بلغت الإعانات والمساعدات الأخرى مئات المليارات من اليورو، وفق «رويترز».

وبالنظر إلى أزمة الطاقة في 2022، التي زادت من المخاوف بشأن تكلفة المعيشة وأثارت غضب الناخبين، بدأت الحكومات بالفعل في التحرك، بما في ذلك الإفراج القياسي عن احتياطيات النفط.

عرض أسعار الوقود بمحطة بترول في براغ بجمهورية التشيك (إ.ب.أ)

فقد اتخذت فرنسا واليونان وبولندا تدابير مثل تحديد سقوف لأسعار النفط، وقيود على هوامش الربح، وخصومات – وهي إجراءات لا تكلف المال العام كثيراً – في حين تسعى ألمانيا لتنظيم أسعار الوقود عند المضخات.

مع ذلك، قد تضطر الحكومات إلى القيام بالمزيد إذا استمرت الضغوط.

وقال فرانك جيل، محلل وكالة «ستاندرد آند بورز رايتنغز» لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا: «إذا انقطعت شحنات الغاز القادمة من قطر لأسابيع إضافية وارتفعت الأسعار، فمن المرجح أن تتدخل الحكومات وتعيد تقديم بعض الإعانات».

ولا تزال الحكومات غير قادرة على التنبؤ بمستويات أسعار الطاقة المتقلبة، لكنها واضحة في حذرها تجاه اتخاذ تدابير مالية كبيرة.

وقالت بريطانيا إنه من السابق لأوانه تجميد ضريبة الوقود، في حين رفضت الحكومة الفرنسية دعوات المعارضة لخفض ضريبة القيمة المضافة على البنزين. أما إيطاليا فتدرس استخدام إيرادات ضريبة القيمة المضافة الناتجة عن ارتفاع الأسعار لتمويل خفض ضريبة الوقود.

ناقلات النفط وناقلات الغاز تنتظران بخليج «فوس سور مير» في جنوب فرنسا (إ.ب.أ)

ويختلف الوضع عن 2022؛ إذ تركت جائحة «كوفيد-19» وأزمة الطاقة التي أعقبتها العجز في الموازنات الأوروبية أعلى بنحو ثلاث نقاط مئوية مقارنة بعام 2019، بحسب جيل.

كما أن النمو الاقتصادي أضعف من أربعة أعوام مضت، وتكاليف الفائدة أعلى، في حين أن الحكومات الأوروبية تزيد بالفعل من الإنفاق الدفاعي. وألمانيا تقوم بزيادة الاقتراض لتمويل خطة تحفيز ضخمة.

أسعار النفط قرب ذروتها في 2022 لكن الغاز يختلف

على الرغم من أن أسعار النفط اقتربت هذا الأسبوع من 120 دولاراً للبرميل، قريبة من ذروتها في 2022، فإن وضع الطاقة في أوروبا ليس مماثلاً لذلك العام. فقد ارتفعت أسعار الغاز بأكثر من 50 في المائة منذ بداية الحرب، لكنها لا تزال نحو سدس المستويات التي تجاوزت 300 يورو لكل ميغاواط/ ساعة في 2022. كما أن أوروبا لا تتسرع في استبدال مورد واحد كما فعلت مع روسيا. لكن إذا استمرت الأسعار المرتفعة واضطرت الحكومات لتقديم دعم، فقد يزيد ذلك الضغوط المالية في فرنسا وبريطانيا نظراً لعجز موازنتيهما الكبير، وفقاً لما قاله فيديريكو باريغا-سالازار، رئيس التصنيفات الغربية الأوروبية في وكالة «فيتش».

وفي وسط أوروبا، تواجه المجر مخاطر على تصنيفها الائتماني الاستثماري بسبب الدعم السخي القائم قبل الانتخابات المقررة في أبريل (نيسان).

أما إسبانيا والبرتغال واليونان، فتمتلك أوضاعاً مالية أفضل، لكن زيادة الإنفاق قد تؤثر على تعافيها. أما إيطاليا، التي أحرزت تقدماً في إصلاح أوضاعها المالية، فقد تواجه صعوبة في الحفاظ على الانضباط المالي إذا تباطأ النمو.

أبراج كهرباء وخطوط نقل الطاقة عالية الجهد عند غروب الشمس في «فوس سور مير» بفرنسا (رويترز)

التدابير المستهدفة

نظراً لمحدودية الموارد، سيكون الدعم هذه المرة محدوداً وأكثر استهدافاً مقارنة بعام 2022، بحسب اقتصاديي «باركليز»، وهو ما أكدت عليه بريطانيا وألمانيا.

وقالت «مورغان ستانلي» إن التدابير التي نفذتها حكومات منطقة اليورو لدعم الطاقة في 2022 شكلت نحو 3.6 في المائة من الناتج، عندما تم تعليق قواعد الاتحاد الأوروبي للحد من العجز خلال الجائحة. والآن، تقدر «مورغان ستانلي» أن الدعم الممكن لا يتجاوز 0.3 في المائة من الناتج سنوياً مع الالتزام بالقواعد.

منظر عام لمصنع «أرسيلور ميتال» في جنوب فرنسا (إ.ب.أ)

وأضافت «مورغان ستانلي» أنه إذا ظل مضيق هرمز مغلقاً لأكثر من شهر وظهرت مؤشرات على ضعف النمو، فقد يسمح الاتحاد الأوروبي لبعض الدول بالانحراف مؤقتاً عن القواعد، متوقعة أن تنفق حتى 0.6 في المائة من الناتج سنوياً لتمويل تدابير مستهدفة.

وقالت إن تعليق قواعد الاتحاد الأوروبي مرة أخرى يتطلب ركوداً شديداً.

وأشارت إلى أن ارتفاع تكاليف الديون يشكل قيداً إضافياً؛ إذ قال غريغوار بيسك، المدير التنفيذي للاستثمارات في إدارة الدخل الثابت لدى «أوموندي»: «لا أرى أي دولة كبيرة على صعيد الإنفاق المالي في الوقت الحالي لأنها تخشى العقوبة».

وأصبح مستثمرو السندات أكثر حساسية تجاه الانحرافات المالية في السنوات الأخيرة، وكانت بريطانيا وفرنسا تحت المراقبة. أما ألمانيا ذات الديون المنخفضة، وإسبانيا ذات النمو المرتفع، فتمتلكان مساحة أكبر للتحرك.

وسيكون مدى قدرة أي تدابير دعم على الاستمرار مرتبطاً بقدرة الحكومات على تعويض التكاليف.

إحدى الاستراتيجيات هي فرض ضرائب استثنائية على شركات الطاقة، التي طبقتها العديد من الدول الأوروبية سابقاً، وأشارت إيطاليا إلى أنها ستطبقها مرة أخرى. لكن جيل أشار إلى أن الإيرادات في المرة السابقة كانت بعيدة عن تغطية تكلفة الإعانات.

وينتقد بعض الخبراء الإعانات وحدود الأسعار، بحجة أنها قد تزيد الطلب على الطاقة، وتضغط صعوداً على الأسعار المرتفعة بالفعل.

وقال جورج زاخمان، زميل أول في مركز البحوث «بروغل»: «على المدى القصير، الخيار الأفضل هو تمكين وتحفيز تخفيض الطلب على الطاقة».


تحقيقات «الفائض الإنتاجي» تفرمل المفاوضات التجارية بين نيودلهي وواشنطن

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي أثناء حضورهما مؤتمراً صحافياً مشتركاً في البيت الأبيض - 13 فبراير 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي أثناء حضورهما مؤتمراً صحافياً مشتركاً في البيت الأبيض - 13 فبراير 2025 (رويترز)
TT

تحقيقات «الفائض الإنتاجي» تفرمل المفاوضات التجارية بين نيودلهي وواشنطن

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي أثناء حضورهما مؤتمراً صحافياً مشتركاً في البيت الأبيض - 13 فبراير 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي أثناء حضورهما مؤتمراً صحافياً مشتركاً في البيت الأبيض - 13 فبراير 2025 (رويترز)

أفادت 4 مصادر هندية بأن الهند ستؤجل توقيع اتفاقية تجارية مع الولايات المتحدة لعدة أشهر، في ظل التحقيقات الجديدة التي تجريها إدارة الرئيس دونالد ترمب بشأن ما وصفته بفائض الطاقة الإنتاجية الصناعية لدى الشركاء التجاريين، ما يضيف مزيداً من التوتر بعد التوصل إلى تفاهم مبدئي الشهر الماضي.

وكانت نيودلهي تتوقع في البداية توقيع اتفاقية مؤقتة في مارس (آذار)، تليها اتفاقية كاملة لاحقاً، بعد أن وافق ترمب في أوائل فبراير (شباط)، على خفض الرسوم الجمركية الأميركية المرتفعة على الواردات الهندية مقابل التزامات تشمل وقف واردات النفط الروسي، وخفض الرسوم على البضائع الأميركية، والتعهد بشراء منتجات أميركية بقيمة 500 مليار دولار، وفق «رويترز».

وقالت المصادر إن هذا الجدول الزمني قد يتأخر الآن لعدة أشهر، على الرغم من أن المسؤولين الأميركيين يقولون إنهم يتوقعون من الهند الوفاء بالتزاماتها. ورفض المسؤولون الهنود، الذين لديهم جميعاً معرفة مباشرة بالموضوع، الكشف عن أسمائهم لأنهم غير مخولين بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

وفي تصريح منفصل، نفى متحدث باسم وزارة التجارة الهندية أي توقف في المفاوضات الثنائية، مؤكداً: «نؤكد مجدداً أن الجانبين ما زالا يسعيان إلى إبرام اتفاقية تجارية تعود بالنفع على الطرفين»، دون الخوض في تفاصيل توقيع الاتفاقية رسمياً.

وقال مسؤول في البيت الأبيض إن الولايات المتحدة تواصل العمل مع الهند لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاقية. وأفادت المصادر الحكومية الهندية بأن المفاوضات فقدت زخمها بعد أن ألغت المحكمة العليا الأميركية في أواخر فبراير، الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب، مضيفةً أنه لم تُجرَ أي محادثات جوهرية منذ ذلك الحين، لا سيما مع انشغال واشنطن بالحرب على إيران. ولم توقف الهند مشترياتها من النفط الروسي؛ بل خففتها فقط، ويحث المسؤولون الأميركيون الآن نيودلهي على زيادة مشترياتها للمساعدة في تخفيف أزمة الطاقة العالمية الناتجة عن النزاع.

ويزيد تعقيد الأمور التحقيق الأميركي الجديد فيما تسميه واشنطن «فائضاً هيكلياً في الطاقة الإنتاجية بقطاعات التصنيع» لدى 16 شريكاً تجارياً، من بينهم الهند.

وقال أحد المصادر: «لسنا في عجلة من أمرنا لتوقيع أي اتفاق. التحقيق الجديد مجرد تكتيك ضغط لإجبار الدول على توقيع الاتفاقيات بعد صدور أمر المحكمة. إنه يعرقل الأمور». وأضاف أن الهند ستتبنى على الأرجح نهج «الترقب والانتظار» مع تطور سياسة التعريفات الجمركية الأميركية، مشيراً إلى أن ترمب ألغى التعريفة الجمركية العقابية بنسبة 25 في المائة على الهند بعد أن صرّحت نيودلهي بالحد من واردات النفط الروسي، بينما اكتفت الهند بالقول إنها ستنوع قاعدة إمداداتها. وكانت التعريفة الجمركية الإجمالية المفروضة على الهند سابقاً 50 في المائة، من بين الأعلى عالمياً.

وقد بدأ التحقيق الأخير بموجب المادة 301 من قانون التجارة الأميركي لعام 1974. وتعتزم الهند عرض قضيتها على مكتب الممثل التجاري الأميركي إذا سُمح لها بذلك، أو انتظار صدور حكم قبل النظر في خيارات أخرى مثل اللجوء إلى منظمة التجارة العالمية، وفق المصدر.

الولايات المتحدة تتوقع من الهند الوفاء بالتزاماتها

قال السفير الأميركي في نيودلهي، سيرجيو غور، إن لدى ترمب أدوات متعددة لفرض الرسوم الجمركية، بما في ذلك المادة 301، مضيفاً: «لذا نتوقع تماماً من الدول التي أبرمنا معها اتفاقيات أن تفي بتلك الاتفاقيات». وتابع: «أعتقد أن الهند ستفعل ذلك لأن الأمر لا يقتصر على الوفاء بالاتفاقيات فحسب؛ بل هو وضع مربح للطرفين».

وعقب قرار المحكمة العليا، فرض ترمب رسوماً جمركية بنسبة 10 في المائة على الواردات من جميع الدول حتى 24 يوليو. وبموجب التفاهم الأولي، الذي وصفه بيان مشترك بين نيودلهي وواشنطن بأنه «إطار لاتفاق مؤقت»، كان من المتوقع أن تخضع الصادرات الهندية إلى الولايات المتحدة لرسوم جمركية بنسبة 18 في المائة.

وأفاد مصدر بأن نيودلهي تسعى الآن لتوضيح ما إذا كانت واشنطن ستعود إلى تلك النسبة أم ستطبق نسبة مختلفة.

وقالت بريانكا كيشور، من شركة «آسيا ديكودد» الاستشارية في سنغافورة: «من المنطقي أن تُبطئ الهند وتيرة المحادثات التجارية، فإذا كانت الرسوم الجمركية عند 10 في المائة والتحقيقات جارية، فمن الأفضل التريث وانتظار النتائج، بدلاً من التسرع في توقيع اتفاقية».