الغزيون محبطون فاقدون للثقة بمستقبلهم

الغزيون محبطون فاقدون للثقة بمستقبلهم
TT

الغزيون محبطون فاقدون للثقة بمستقبلهم

الغزيون محبطون فاقدون للثقة بمستقبلهم

يبدأ قطاع غزة اليوم، عامه الحادي عشر تحت سيطرة حركة حماس، التي اختارت في 14 يونيو (حزيران) 2007 طريق القوة العسكرية، لحسم خلافاتها مع السلطة الفلسطينية، مخلِّفة مئات القتلى وآلاف الجرحى، وجرحاً غائراً في الجسد الفلسطيني.
يمكن القول إن الحركة الإسلامية أقامت «دولتها» هناك: حكومة، وموظفين، وشرطة، وأجهزة أمنية، وقضاء مستقلاً. وهي تجربة يبدو أنها فشلت بعد 10 أعوام، تردى فيها مستوى المعيشة، وارتفعت خلالها نسب الفقر والبطالة والاعتماد على المساعدات، وتخللتها ثلاث حروب طاحنة خلفت دماراً ومشردين.
ولم يعد سرّاً أن المواطن الغزي العادي، لا يجد شربة ماء نظيفة، ولا يحصل على كهرباء لأكثر من ساعتين أو ثلاث في أحسن تقدير، في مشهد يرسم إلى حد كبير، حجم المعاناة التي يغلِّفها حصار إسرائيلي مطبَّق وطويل.
وفي حين تحاول السلطة الفلسطينية استعادة قطاع غزة عبر إجراءات اقتصادية ضاغطة، وترفض حركة حماس الاستجابة، متهمة إياها بالمشاركة في حصار القطاع، يدفع الفلسطينيون المزيد من الأثمان الكبيرة وسط غياب كامل للأفق.
يقول علي مشهور (41 عاماً) الذي يعمل في القطاع الخاص، وعايش حقبتي حكم السلطة، والعهد الجديد لحماس، إن «الأزمات المتلاحقة تجعلنا نفكر فقط في تأمين احتياجاتنا اليومية، بصراحة، لم يعد هناك أي تخطيط للمستقبل.. أصلاً لم نعد نستطيع ذلك». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الحياة لا تُطاق، لا يوجد حاضر ولا مستقبل، ولا نعتقد أن هذا يمكن أن يتحسن في ظل انعدام إمكانية تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام».
ويعتقد مشهور أن حماس خسرت أكثر بعد حكمها القطاع. ويقول: «حماس فشلت في إدارتها لغزة، وأهم فشل هو توفير ظروف مناسبة للحياة... أعتقد أن عليها أن تدرك أن الواقع تغير وتعمل على تحسين الظروف الحياتية للحفاظ على قوتها وجماهيريتها». ويضيف: «حتى قاعدتها الجماهيرية تزعزعت بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة والحصار والأوضاع المعيشية التي يعيشها السكان هنا».
ويرى مشهور أن الحل الأمثل أمام حماس، هو إنهاء الانقسام. ويقول: «من دون ذلك، الوضع سيزداد سوءاً. كل شيء يتراجع إلا أرقام الفقر والبطالة. الأجيال تفقد الثقة بالمستقبل وهذا وضع مخيف». وتشير الإحصاءات الفلسطينية المنشورة بمناسبة 10 أعوام على «انقلاب» حماس، إلى حقائق صعبة ومُرّة.
وقامت الحكومة الفلسطينية بنشر أرقام مقارنة بين وضع قطاع غزة عام 2007، قبل أن تسيطر عليه حماس، ووضعه في 2016، جاء فيها أن نسبة البطالة وصلت في 2016 إلى 41.7 في المائة بعدما كانت في 2007 تبلغ 29.7 في المائة، والفقر وصل إلى 65 في المائة بعدما كان 38.3 في المائة، والصادرات تراجعت إلى 3.997، بعدما كانت في ظل حكم السلطة تصل إلى 33.956.
وتظهر إحصاءات أخرى أن 70 في المائة من سكان القطاع يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وأن 89 في المائة لا يستطيعون توفير الاحتياجات الأساسية.
تقول عبير سامي (32 عاماً) وهي طالبة ماجستير إدارة واقتصاد: إن الأوضاع الاقتصادية الصعبة منذ بدء الانقسام حولت غزة إلى طبقات... فقد أغنت نتائج حكم حماس البعض من المستفيدين وأفقرت آخرين. وهي ترى أن هذا الوضع الصعب، هو ما رفع من معدل حالات الانتحار والقتل والهجرة. وتقول إن البديل الوحيد لإنهاء الواقع الحالي، هو إجراء انتخابات عامة لإخراج الفلسطينيين من حالة التشرذم التي يعيشونها، وإنه من دون انتخابات، فإن غزة تتجه للأسوأ، خصوصاً في ظل القرارات الأخيرة للسلطة الفلسطينية في محاولة للضغط على حماس. وتضيف عبير: «للأسف المواطن الفلسطيني وحده يدفع الثمن، بالكاد تصل إليه الكهرباء والمياه، وبالكاد تستطيع السيدة في بيتها إنجاز أعمالها البيتية، منذ 10 أعوام، يوجد دائما هموم جديدة ولا تزول أو تتغير».
وعلى الرغم من أن الفلسطينيين تعودوا، إلى حد ما، على الحصار الخانق ومشكلات أخرى لا حصر لها، فإن التأقلم مع انقطاع الكهرباء وشحة المياه يبدو أمراً مستحيلاً.
ويحصل الفلسطينيون في غزة اليوم، على 3 ساعات كهرباء فقط في اليوم، ولا يحصلون على ماء شرب نظيف من أي مصدر أساسي. ويحول هذا حياة معظم سكان القطاع إلى مأساة، مع نقص ملحوظ في كثير من الأحيان، في الغاز أو الوقود أو مواد البناء أو حتى الأموال النقدية.
ويصف حسام عابد (20 عاماً)، وهو طالب هندسة، الحياة في غزة، بأنها بائسة. ويقول: «المواطن الغزي فاقد لكل مقومات الحياة.. كل شيء في تراجع». ويشير عابد إلى أن والده، الذي يملك محلاًّ تجاريّاً بمدينة غزة، بات لا يستطيع توفير لقمة العيش اليومية لأبنائه، بسبب انعدام الحركة التجارية في الأسواق. ويرى أن ذلك سيستمر ويتضاعف، في ظل الإحباط الشديد والقلق من حرب جديدة محتمَلَة.
ولا تقتصر أوجه المعاناة في غزة على الوضع الاقتصادي وانعدام الآفاق السياسية، بل تتعدى ذلك إلى الشروخ المجتمعية، التي سببها الاقتتال والثارات، واعتقاد كل طرف بأحقيته في حكم القطاع، إضافة إلى الضغوط التي تمارسها كل من السلطة ومصر على حماس، وتنعكس بالتالي على حياة الناس.
يقول المحلل السياسي مصطفى إبراهيم، إنه توجد جهات عديدة من مصلحتها بقاء الأوضاع في قطاع غزة، على ما هي عليه اليوم. ويضيف: «أهمها إسرائيل التي لا تزال تلعب دوراً في تعميق الانقسام». ويرى إبراهيم أن الوصول إلى اتفاق ينهي الانقسام ويردم الفجوات الكبيرة بين فتح وحماس، بات مسألة صعبة للغاية، في ظل وجود إسرائيل، وبعدما تمأسس الانقسام. وسألت «الشرق الأوسط»، القيادي في حماس عطا الله أبو السبح، عضو المكتب السياسي للحركة، عن مستقبل غزة في ظل حكم حماس، فقال إن «حماس حققت الكثير من الإنجازات للفلسطينيين خلال حكمها، على الرغم من الحصار المشدد من قبل الاحتلال الإسرائيلي. فهي استطاعت الصمود والحفاظ على الثوابت، رغم الحصار والحروب الإسرائيلية المتكررة، التي كان آخرها عام 2014 واستمرت 51 يوما، حققت فيها حماس صمودا أسطوريا».
ويضيف المسؤول الحمساوي: «كما أن حماس حققت اكتفاءً ذاتيّاً على المستوى الحياتي بغزة، فقد عملت على الانفتاح على العالم، وحافظت على الثوابت الفلسطينية ولم تعترف بإسرائيل، رغم كل ما تعرضت له». وأردف: «حماس حافظت على سمعتها لأنها حركة مقاومة وليست إرهاباً، والمقاومة مكفولة في كل الشرائع والقوانين، وحافظت على نهجها ووسطيتها، رغم كل العوائق التي تعرضت لها». وأرجع أبو السبح فشل جهود المصالحة، على الرغم من توقيع 7 اتفاقيات في دول مختلفة، إلى وجود فيتو أميركي - إسرائيلي. ورفض الاتهامات الموجهة لحماس بالتدخل في شؤون العرب، قائلاً: «الحركة لم تتدخل في أي من الشؤون الداخلية للدول العربية طوال فترات حكمها، وحافظت على علاقات متزنة مع الجميع، دون الانحياز لأي طرف على حساب آخر، وإنها لم ولن تحرف البوصلة، وسلاحها موجَّه للاحتلال الإسرائيلي فقط».



مصر: تغيير حكومي أمام مجلس النواب الثلاثاء

رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)
TT

مصر: تغيير حكومي أمام مجلس النواب الثلاثاء

رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)

تستعد مصر لإجراء تعديل وزاري على حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، هذا الأسبوع، بعد سلسلة من التكهنات بالتزامن مع انطلاق مجلس النواب الجديد وبدء جلساته.

ودعا مجلس النواب (الغرفة الرئيسية للبرلمان) لاجتماع مهم، الثلاثاء المقبل، لمناقشة التعديل الوزاري الجديد... ويقول برلمانيون إن «الدعوة العاجلة تأتي لمناقشة برنامج الحكومة».

ولن تشهد الحكومة المصرية تغييراً كاملاً، حيث سيستمر رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي، في منصبه، وفق مصدر مطلع، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «نسبة التغيير في الحقائب الوزارية تتراوح ما بين 9 إلى 12».

وأدّى مدبولي اليمين رئيساً للوزراء في يونيو (حزيران) 2018؛ وبعد عام ونصف عام تقريباً، حصل التعديل الأول على تشكيل الحكومة، وانضم 6 وزراء جدد إليها. وبعد إعادة انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي في ديسمبر (كانون الأول) 2023، أعاد تكليف مدبولي بتشكيل الحكومة، وفي 3 يوليو (تموز) 2024، أدّت حكومته اليمين الدستورية لآخر حركة تعديل، شملت حقائب وزارية جديدة.

وبعد انعقاد مجلس النواب المصري بتشكيله الجديد، في 12 يناير (كانون الثاني) الماضي، زادت التوقعات والتكهنات لدى وسائل الإعلام المحلية، بشأن «التغيير الوزاري وطبيعة التعديلات المنتظرة».

ووجَّه مجلس النواب أعضاءه لاجتماع طارئ، الثلاثاء المقبل، وذلك «للنظر في أمر هام»، وفق إفادة صادرة عن الأمين العام للمجلس، أحمد مناع.

وربط عضو مجلس النواب مصطفى بكري، بين الدعوة ومناقشة التعديل الوزاري، وقال عبر حسابه الشخصي على منصة (إكس)، إن «البرلمان سيناقش في جلسة الثلاثاء التعديل الوزاري، برئاسة مصطفى مدبولي، بعد اعتماده من رئيس الجمهورية».

وتحدث بكري عن 4 مفاجآت في التغيير المقبل، مشيراً إلى ارتباطه «بمستوى الأداء وتحقيق الإنجاز في إطار برنامج الحكومة السابق، كما أن هناك تصعيداً لبعض الشخصيات التي أثبتت قدرتها على النجاح في أعمالها السابقة، واسم أحد المحافظين يبرز بقوة»، متوقعاً إجراء حركة محافظين عقب التغيير الحكومي.

وتأتي مناقشة البرلمان للتعديل الوزاري قبل أداء الوزراء اليمين أمام رئيس الجمهورية، تنفيذاً للمادة 147 من الدستور، التي نصت على أن «لرئيس الجمهورية، إجراء تعديل وزاري، بعد التشاور مع رئيس الوزراء، وموافقة مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس».

ورجح عضو مجلس النواب، ونائب رئيس حزب «المؤتمر»، مجدي مرشد، أن «يشمل التعديل الوزاري 9 حقائب أو أكثر قليلاً»، وقال: «من المقرر أن يناقش البرلمان برنامج الحكومة بالكامل، بما في ذلك الأسماء الجديدة المرشحة لحقائب وزارية»، مشيراً إلى أن «أعضاء البرلمان سيصوتون على برنامج الحكومة، بتشكيلها الجديد، دون مناقشة الأسماء المرشحة».

وتنص المادة 146 من الدستور المصري على أنه «يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء يقوم بتشكيل الحكومة وعرض برنامجه على مجلس النواب؛ فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال 30 يوماً على الأكثر، يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب. فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال 30 يوماً، عُدّ المجلس منحلاً، ويدعو رئيس الجمهورية لانتخاب مجلس نواب جديد خلال 60 يوماً من تاريخ صدور قرار الحل».

ولا يمانع مرشد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، من استمرار مدبولي في رئاسة الحكومة، وقال إن «رئيس الوزراء الحالي أثبت جدية في ممارسة مهامه خلال السنوات الأخيرة»، مشيراً إلى أنه «يواجه تحدياً يتعلق بعدم شعور المصريين بثمار الإصلاح الاقتصادي»، ونوه إلى «ضرورة اختيار نائب رئيس وزراء للمجموعة الاقتصادية، من أجل مواصل الإصلاح».

لا يختلف في ذلك، عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، عصام خليل، الذي قال: «يجب أن تعطي الحكومة الجديدة أولوية لملف الاقتصاد، بتخصيص حقيبة وزارية للاقتصاد، بسياسات جديدة»، مشيراً إلى أن «التغيرات العالمية سياسياً واقتصادياً، تفرض وضع هذا القطاع في أولوية العمل الحكومي».

ودعا خليل، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى ضرورة أن «يشمل التعديل الوزاري تعديلاً موازياً في السياسات، سواء بدمج وزارات أو استحداث أخرى»، وقال إن «القضية ليست في تغيير الأشخاص، لكن في تغيير المنهج الحكومي في القطاعات التي لم تؤت ثمارها، خصوصاً القطاعات الخدمية التي ترتبط بشكل مباشر بالمواطن في الشارع».


مصرع 4 أشخاص جراء الفيضانات في شمال المغرب

سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
TT

مصرع 4 أشخاص جراء الفيضانات في شمال المغرب

سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)

أعلنت السلطات المغربية، الأحد، مصرع 4 أشخاص بعدما جرفتهم سيول قوية في اليوم السابق في شمال البلاد، نتيجة هطول أمطار غزيرة غير مسبوقة.

وبحسب بيان صادر عن السلطات المحلية في تطوان، فقد باغتت فيضانات مفاجئة سيارة تقل 5 أشخاص على طريق يقع بالقرب من أحد الأنهار الرئيسية في المنطقة، قبل أن تجرفها المياه، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت في بيان: «أسفرت عمليات التمشيط والبحث، خلال ليلة السبت (إلى الأحد)، عن انتشال جثتي ضحيتين» هما فتاة تبلغ 14 سنة وطفل يبلغ سنتين.

وأضافت أنه تم، صباح الأحد، «العثور على جثتين أخريين» لطفل يبلغ 12 سنة ورجل ثلاثيني، موضحة أن «عمليات البحث متواصلة للعثور على الشخص الخامس».

منذ الأسبوع الماضي، تم إجلاء أكثر من 150 ألف شخص في شمال غربي البلاد بسبب الأمطار الغزيرة والفيضانات التي أدت إلى إصدار تحذيرات جوية في مناطق عدة.

وتتوقع المديرية العامة للأرصاد الجوية استمرار سوء الأحوال الجوية حتى الثلاثاء.


مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
TT

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل، وذلك خلال لقاء جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في القاهرة مع بيدرو أروخو أجودو، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحق في مياه الشرب النظيفة وخدمات الصرف الصحي.

وأكد الوزير المصري، خلال اللقاء، رفض بلاده «الإجراءات الأحادية في أعالي النهر»؛ إذ إنها ووفق تعبيره تمثل «تهديداً مباشراً لقدرة دول المصب على تلبية احتياجاتها المائية».

وتأتي هذه المواقف، بحسب مراقبين، في سياق تأكيدات مصرية متواصلة بشأن ملف النزاع حول سد «النهضة» الإثيوبي، الذي افتتحته أديس أبابا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتنظر إليه دولتا المصب، مصر والسودان، بقلق بالغ منذ بدء إنشائه عام 2011، نظراً لتداعياته المحتملة على حصتيهما التاريخيتين من مياه النيل.

وزير الخارجية المصري لدى استقباله المقرر الأممي الخاص المعني بالحق في المياه في القاهرة (الخارجية المصرية)

النهج الدبلوماسي المصري نفسه الذي بدا خلال اتصال هاتفي بين عبدالعاطي ونظيره الكيني موساليا مودافادي، الأحد، أعاد التأكيد على «رفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل»، مشدداً على التمسك بـ«روح التوافق والأخوة بين الدول الشقيقة في حوض النيل الجنوبي»، وضرورة استعادة الشمولية داخل مبادرة حوض النيل، بما يضمن مصالح جميع الأطراف.

ويعتقد دبلوماسيون أن هذه التحركات تمثل «رسالة واضحة تعكس ثبات الدبلوماسية المصرية والتزامها باحترام القواعد والاتفاقيات الدولية المنظمة لاستخدام وإدارة الأنهار والمجاري المائية المشتركة»، رغم حالة الجمود التي تشهدها المفاوضات حتى الآن.

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير جمال بيومي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا النهج يضمن مبدأ الاستخدام العادل والمنصف للمياه المشتركة، دون الإضرار بحقوق أي دولة من دول الحوض، ويعزز موقف مصر الدبلوماسي أمام المجتمع الدولي».

ويبرز بيومي أن «التحركات الدبلوماسية المصرية المتواصلة، سواء على مستوى دول حوض النيل أو عبر المحافل واللقاءات الدولية، تأتي في إطار الحرص على حماية الحقوق المائية لمصر في ظل قضية سد (النهضة)، رغم تعثر المسار التفاوضي وغياب مفاوضات مباشرة مع الجانب الإثيوبي منذ عام 2023»، لافتاً، إلى أن بلاده «تواجه فقراً مائياً متزايداً يمثل تحدياً وجودياً».

وتعتمد مصر، التي يبلغ عدد سكانها نحو 110 ملايين نسمة، على نهر النيل لتأمين قرابة 98 في المائة من احتياجاتها من المياه العذبة، بينما تبلغ حصتها التاريخية المقررة 55.5 مليار متر مكعب سنوياً. وتعارض القاهرة بناء السد منذ البداية، معتبرة أنه ينتهك المعاهدات المنظمة لتقاسم مياه النيل، ويمثل تهديداً مباشراً لأمنها المائي.

وخلال لقائه المسؤول الأممي، سلط عبد العاطي الضوء على حالة ندرة المياه في مصر، مشيراً إلى أن نصيب الفرد انخفض إلى أقل من 490 متراً مكعباً سنوياً، أي أقل من نصف حد الفقر المائي وفقاً لمعايير الأمم المتحدة.

واستعرض، بحسب بيان لوزارة الخارجية، حزمة الإجراءات التي اتخذتها الدولة خلال السنوات الماضية لسد الفجوة المائية، من بينها إعادة استخدام المياه أكثر من مرة، وإنشاء محطات لتحلية المياه، وتحسين جودة الخدمات المائية، إلى جانب التوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة في نظم الري.

وعلى نحو أوسع، يربط محللون هذه المشاورات المصرية بتطورات إقليمية ودولية متزامنة، معتبرين أن هذا الحراك يهيئ المناخ لانخراط أميركي مرتقب في ملف سد «النهضة» بعد تأكيد الرئيس دونالد ترمب عزمه جمع زعيمي مصر وإثيوبيا لمحاولة التوصل إلى حل للأزمة.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)

ويرى الباحث السياسي وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور حامد فارس أنه «لا يمكن فصل التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة عن الجهود السابقة للدولة المصرية للتوصل إلى حل»، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن إدارة ترمب تبدو أكثر انخراطاً في هذا الملف مقارنة بمراحل سابقة.

وكان ترمب قد أرسل، في يناير (كانون الثاني) الماضي، خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أعرب فيه عن استعداد واشنطن للوساطة واستئناف مفاوضات سد «النهضة»، بهدف التوصل إلى حل نهائي وعادل، وهو ما قوبل بترحيب مصري، رغم تعثر المفاوضات منذ عام 2023.

كما أكد كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن الولايات المتحدة تنخرط لإيجاد حل سلمي، معتبراً أن الأزمة قابلة للحل من الناحية التقنية.

ورغم هذه المؤشرات، لم يسجَّل أي تقدم ملموس حتى الآن، وسط مخاوف من تكرار سيناريو الولاية الأولى لترمب، حين تعثرت الجهود الأميركية بعد انسحاب إثيوبيا من الجولة الختامية ورفضها التوقيع على الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن مطلع عام 2020.

لكن فارس يرى أن «الأمور تبدو مختلفة هذه المرة»، في ظل ما وصفه بـ«وجود إرادة أميركية حقيقية لحسم الملف»، محذراً من «مخاطر إطالة أمد المفاوضات إلى ما لا نهاية، لا سيما في حال تعرض المنطقة لسنوات جفاف».

وتوقع أن تمارس واشنطن ضغوطاً مباشرة على أديس أبابا للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، مؤكداً أن أي نكوص إثيوبي عن التفاهمات قد يفتح الباب أمام فرض عقوبات، مذكّراً بقيام وزارة الخزانة الأميركية سابقاً بتعليق مساعدات لإثيوبيا بنحو 100 مليون دولار عقب فشل مفاوضات سابقة.