«بيليز» للكتابة النسائيّة تتوّج موضة «الديستوبيا»

موسم الجوائز الأدبيّة البريطانيّة في ذروته

ناعومي ألديرمان
ناعومي ألديرمان
TT

«بيليز» للكتابة النسائيّة تتوّج موضة «الديستوبيا»

ناعومي ألديرمان
ناعومي ألديرمان

سيكون المشهد الثقافي اللندني مزدحماً بكثير الأنشطة الهامة خلال شهر يونيو (حزيران) الحالي ليس أقلّها الإعلان عن الأعمال الفائزة بالجوائز الأدبيّة الثلاث الأرفع في بريطانيا والعالم الناطق بالإنجليزيّة: مان بوكر للرواية العالميّة، وأورويل للكتابة السياسيّة وبيليز للكتابة النسائيّة.
الأخيرة التي تمنح سنويّاً منذ عام 1996 من قبل لجنة تحكيم مختارة لأفضل رواية حديثة كتبتها امرأة باللغة الإنجليزيّة مُنحت في حفل خاص أقيم بقاعة الاحتفالات الملكيّة (لندن) الأربعاء الماضي للكاتبة البريطانيّة ناعومي ألديرمان عن روايتها الديستوبيّة (القوة) - وهي بالمناسبة رشحت أيضاً على القائمة الطويلة لجائزة أورويل للكتابة السياسيّة 2017 إلى جانب القائمة القصيرة في بيليز – وكانت حققت أرقام مبيعات غير متوقعة لا سيما في أوساط النساء الشابات. ويذهب التفسير لكون الرواية تمنح هؤلاء الشابات فرصة لعيش حلم انقلاب العالم وتولي بطلات من جيلهن مقاليد السلطة على حساب الرّجال في مناخ خيال علمي كثير الإثارة، بينما يتولى صوت رجل شاب تسجيل مفاعيل هذه الأزمنة الثوريّة المغرقة بالدماء والجدل السياسي والديني والجندري.
وهذه أول مرّة تمنح فيها الجائزة لرواية من الخيال العلمي وبالذات تلك المنتمية إلى نوع أدبي يعرف بالديستوبيا (أو نقيض اليوتوبيا) حيث يقدّم العالم وكأنه اتخذ شكل كابوس كارثي يمثّل أسوأ مخاوف البشريّة. ويبدو تتويج (القوة) نوعاً من تكريس لاتجاه متصاعد الشعبيّة للأعمال الأدبيّة والتلفزيونيّة والسينمائية في الغرب لتقديم هذا النوع الأدبي المتشائم وإن بدا تلقي الجمهور لم يعد مقتصرا على الجانب المظلم في تلك الأعمال، بل هو يستقبلها بصخب صارخ وكأنها ملجأ هروب من مواجهة الواقع شديد القبح وعقار نسيان لانغلاق آفاق النجاة في أجواء الرأسماليّة المعاصرة الخانقة.
بيليز للكتابة النسائيّة شهدت ازدحاماً غير مسبوق هذا العام نسبة لعدد الأعمال المرشحة لها – إذ قارب المائتين مقابل معدل مائة وخمسين رواية الأعوام السابقة – وفي عدد المتنافسات على القائمة المبدئيّة للأعمال المرشحة ذات العيار الثقافي الثقيل: فائزات سابقات بذات الجائزة، فائزات ومرشحات من جوائز أدبيّة مختلفة، إضافة إلى أسماء معروفة في سماء الرواية باللغة الإنجليزّية، بالطبع دوماً على حساب الروايات الأولى للكتّاب الجدد، رغم أن الرواية الفائزة العام المنصرم (البدع المجيدة) كانت رواية أولى للكاتبة الآيرلندية – التي كانت مغمورة حينها – ليزا ماكينيرني.
المنافسة المحتدمة بين الروائيّات النساء للفوز ببيليز - التي تبلغ قيمتها الماديّة ثلاثين ألف جنيه إسترليني - كانت أيضاً بين البريطانيات من جهة، والناطقات بالإنجليزيّة من أنحاء العالم غير البريطانيات. وقد تقاسم الفريقان القائمة النهائيّة (القصيرة) بثلاثة أعمال لكل منهما: ثلاثة روايات لبريطانيات، ورواية واحدة لكل من كندا والولايات المتحدة ونيجيريا.
الرواية الأولى الوحيدة التي أفلحت بالوصول إلى قائمة الترشيحات النهائيّة كانت (ابق معي) للنيجيرية أيوبامي أديبايو، وتجري أحداثها المليئة بالحزن والغيرة وسجن التقاليد المقيتة على خلفيّة من أجواء الاضطراب السياسي والاجتماعي الذي شهدته بلادها ثمانينات القرن الماضي، وهي تحكي قصة امرأة نيجيريّة تتزوج ولا تفلح في إنجاب الأطفال، وبعد عامين يتآمر مجتمعها عليها - باشتراك أمها ذاتها - لإعادة الاعتبار للزوج (المنكوب) من خلال تزويجه بامرأة أخرى، لتتحول حياتها من جحيم الحصار المجتمعي الخانق إلى سباق محموم في السعي لإنجاب الأطفال وفضاءات من غيرة النساء القاتلة. وقد وصف النقاد الرواية بأنها صوت نسوي ساطع رغم أجوائها الشديدة القتامة.
الروائيّة البريطانيّة المعروفة ليندا غرانت التي تذوقت طعم الفوز ببيليز للكتابة النسائيّة عام 2000 عن روايتها (عندما عشت في أزمان حديثة)، نافست على الجائزة من خلال مولودتها الجديدة (الدائرة المظلمة) والتي تدور أحداثها داخل مصحة بريطانيّة عامة في أجواء لندن خمسينات القرن الماضي لتستعرض فجاجة تعقيدات الحياة الاجتماعيّة في بريطانيا مرحلة ما بعد الحرب العالميّة الثانية بعبورها في دهاليز حكاية أخ وأخت مريضين معزولين داخل جدران تلك المصحة.
كانت هناك أيضاً (الحب الأول)، وهي عمل روائي سادس للبريطانية جويندولين رايلي تفكك فيه أدق حميميّات العلاقة الزوجيّة اليوميّة لامرأة كاتبة في منتصف الثلاثينات من العمر بعد أن أتى الزواج على كل الحب، فلم يتبق داخل أسوار المكان الافتراضي للعشق سوى دقائق الاختناق الطويلة ولحظات عض الأصابع التي كانت يوما شريكة في قرارات اتُخِذَت بتخديرٍ من مزاج موهوم بالحريّة ولذائذها.
سي إي مورغان الكاتبة الأميركيّة اخترقت القائمة القصيرة بروايتها (رياضة الملوك)، بعد شروعها في نحت صور شديدة الصراحة عن حياة بشر تعساء يعيشون بظل تراث العبوديّة الظالم في أميركا الشماليّة ويتنافسون شكلاً على تربية خيول السباق بينما تتلاعب بهم عواصف من عواطف مظلمة فيها كثير من العنصريّة والحقد والغيرة والطمع والشغف. وقد وصفت الصحف البريطانيّة (رياضة الملوك) بأنها ملحمة أدبيّة يندر وجود مثلها في الأدب الأميركي المعاصر.
في القائمة القصيرة للجائزة أيضاً تميّزت رواية الكاتبة الكندية – الصينيّة مادلين ثيين (لا تقل بأننا لا نملك شيئا) والتي استلهمت من أجواء التأسيس للصين الشعبيّة المعاصرة 1949 إلى اليوم مستعرضة الحراكات الاجتماعيّة والسياسيّة التي مارت – وتَمور - في قلب المجتمع الصيني من خلال سرد قصة تداخل مصائر ثلاثة موسيقيين موهوبين يلهمهم عشق الأنغام لينتهوا ضحايا شغفٍ يصارعون ضغوطات قاصمة في أجواء التحولات الثقافيّة العاصفة التي عاشتها الصين الشيوعيّة الحديثة.
الروايات المتنافسة هذه حازت على تقريض لجنة التحكيم باعتبارها مجموعة أصوات نسائيّة شديدة الجرأة، حميمة وعابقة بشخصيّات وجودية سرمدية، تُعلي صوت النساء في حقبات تاريخيّة مختلفة، وعبر فضاءات جغرافيّة متباعدة، لكننا أبدأ نلتصق بها لأن ذواتنا هناك، في مكان ما خلف عميق المشاعر والاضطرابات والتساؤلات والهموم الإنسانية.
لجنة تحكيم بيليز هذا العام كن خمس نساء تولت قيادتهن تيسا روس منتجة الأفلام المعروفة، وضمت كاتي ديرهام المعنيّة بالثقافة والفنون في هيئة الإذاعة البريطانية، سارة باسكوي الصحافيّة والفنانة الكوميديّة، سام بيكر المحررة والصحافيّة، وكذلك أميناتا فورنا الروائيّة الاسكوتلنديّة من أصل أفريقي.
ستكون دورة هذا العام الأخيرة التي تحمل اسم بيليز - ماركة المشروبات البريطانية الشهيرة - إذ وبحسب الروائية كاتي موس مؤسِسة الجائزة - ستمول الأخيرة مستقبلاً من قبل تحالف عدة جهات مهتمة، وسيتم تغيير اسمها إلى «جائزة الكتابة النسائية».
كانت الروائيّة موس قد عملت على إطلاق هذه الجائزة المقتصرة على الروائيات النساء عام 1996 رداً على ما اعتبرته تحيّزاً ضد النساء في جائزة مان بوكر البريطانيّة للروايات التي تغلب عليها عادة أسماء ذكورّية. وللحقيقة فإن بيليز ساهمت على نحو ملموس في تحسين أرقام مبيع روايات خطتها النساء، وصعّدت أسماء مغمورة إلى سماوات الشهرة الأدبيّة، وتحوّلت كثير من الروايات الفائزة إلى أعمال تلفزيونيّة وسينمائيّة.
وفي سؤال مشروع عن تقصير متعمد للمؤسسات العربيّة الثريّة في الشروع بتأسيس جائزة مماثلة تمنح الكاتبات العربيّات صوتاً يمكنهن الوصول إلى فضاءات أوسع بدلاً من أن يخضعن لأسوأ ما في صناعة النشر العربيّة من مثالب وبطركيات وشلليات. حتى ذلك الحين، سنصفق بحرارة لرفيقاتنا المتحدثات بالإنجليزيّة وللرواية الفائزة (القوة)، باسم النصف المغبون من البشر.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.