كتاب لبنانيون: لماذا لا ينتقد المثقف نفسه؟

علوية صبح - غسان علم الدين - سماح إدريس
علوية صبح - غسان علم الدين - سماح إدريس
TT

كتاب لبنانيون: لماذا لا ينتقد المثقف نفسه؟

علوية صبح - غسان علم الدين - سماح إدريس
علوية صبح - غسان علم الدين - سماح إدريس

سماح إدريس: العرب والاستشراق المعكوس

كتب الكثير عن النكسة وتداعياتها، لكنني أعتقد أن أسوأ انعكاساتها هي في محاولة بعض المثقفين العرب، تأبيد هذه الهزيمة إلى حد، ليس اعتبارها قدراً محتوماً، وإنما أمر كامن في بنية ما يسمونه العقل والمجتمع العربيين. وكأنما هناك نوع من الاستشراق المعكوس نتبناه عن غباء العقل العربي، وعدم قدرة هذا الإنسان على تجاوز تخلفه، فصارت النكسة دائمة. هذا ليس فقط خيانة للدور الذي يفترض أن يؤديه المثقف، وإنما خيانة لكل فكرة التطور.
دور الثقافة هو تحسين الراهن. هناك في التاريخ العربي المعاصر ما يشجع العقلية المهزومة، سواء بالتركيز على اجتياح إسرائيل عام 1982، أو احتلال العراق، ثم تدمير الربيع العربي.
النظرة التشاؤمية المغرقة في جلد الذات، تتغاضى عما حققه العرب في أماكن أخرى وعلى رأسها ضرب إسرائيل في لبنان، وعجزها عن كسر إرادة الشعب الفلسطيني ولو بالأمعاء الخاوية.
قد يبدو هذا الكلام كلاماً غير ثقافي وغير عقلاني، وسط كل الإحباطات. لكن لننظر إلى حقيقة أساسية هي أن العدو لم يكسرنا رغم كل تآمرنا وهزائمنا، ما زلنا قادرين على أن نرفع صوتنا، قادرين على الحياة، ولن نستسلم لما يفرض علينا. وما يجري الآن في العالم، أعتقد سيكون حافزاً جديداً لنا على النهوض. نحن إزاء تكون مجتمع دولي جديد، ليس قوامه الأمم المتحدة والحكومات الغربية والاستعمارية، وإنما حركات المقاطعة ضد إسرائيل التي تستقطب مئات آلاف الناشطين على المستويات الفنية والأكاديمية والكنائس الأميركية والأوروبية. وهذا مؤثر على ما يمكن أن يكون عليه العالم بعد سنوات، إذ سيكون مغايراً لما تريده الصهيونية التي استعبدته باسم الهولوكوست.
* الروائية علوية صبح: تنصّل المثقف
الأدب والفن جزء من التحولات الكبرى. وهزيمة 67، التي لا أحب أن أسميها نكسة، هزّت الوجدان العربي وزلزلت الكتاب والمثقفين، لكن أغلب النصوص التي كتبت على الأثر، هي نصوص مخذولة، ورثائيات. ساد الخطاب المهزوم، والذائقة ما عادت تتحمل سوى الانكسار وتوجيه الاتهامات إلى الأنظمة وهي تحملها مسؤولية الهزيمة.
لكنني أسأل نفسي: لماذا بقي المثقف يستثني نفسه من المحاسبة؟ لماذا لم يوجه نقداً لذاته؟
كشفت الهزيمة، كم أننا نعيش في مجتمعات لا قيمة فيها للفرد إلا حين يكون زعيماً، وهي عقلية لا تزال سائدة. استبدل المثقف العربي بعد 67 بخطابه النضالي آخر تنصلياً، ونقل بندقيته من كتف إلى آخر، وتحول من عبادة الشخص (الزعيم) إلى التعصب للأحزاب والآيديولوجيات والقوى التي صعدت بعد الهزيمة. في هذه الفترة رأينا ازدهار نجم القومية والبعثية والشيوعية والحركات الإسلامية، وصار المثقف خادماً لها وبدّل بخطابه المهزوم خطابات حزبية، عوضاً عن أن يكون ناقداً لهذه الأحزاب. وسادت على الأثر، الآيديولوجيا في الأدب، وابتعد المثقف عن مهمته في كشف المستور ووضع الأسئلة وأخذ بدلاً عن ذلك يقدم الإجابات. هكذا غرقت الكتابات الأدبية بالعقائد السياسية بدل أن تنشغل بالحياة.
يحضرني هنا، عملان مهمان عبرا عن صدمة المثقف أمام ما حصل بعد الهزيمة، أحدهما هو «حفلة سمر من أجل 5 يونيو (حزيران)» للرائع سعد الله ونوس الذي عبر فيه عن غضبه ونقده لما حصل، والآخر هو «ثرثرة فوق النيل» للكبير نجيب محفوظ. وهي رواية أدهشتني وأعتبرها واحدة من أهم ما كتب، فهي أشبه بقصيدة روائية. بطل محفوظ مختلف عن الذي نجده عند ونوس، فهو أشبه بمجذوب، إذ استبدل محفوظ بالتعبير عن الغضب، العبثية، واستغرق البطل في الملذات والهروب من الواقع.
مع صعود الأحزاب الآيديولوجية النضالية والثورية، ولد الحلم المسلح الحزبي بدل الفرد القومي أو الشيوعي أو الإسلامي، صار الإيمان عامة بالعقيدة الحزبية لا القناعة الذاتية، ثم انكسرت الحزبية وانهزمت أيضاً. وهنا لم يجرِ المثقف نقداً لدوره وبدل ذلك صار البطل الثوري هو الموضوع، وتميز الأدب بتمجيد المناضل، فيما أصبح الأديب مقاولاً أو خادماً للخطاب السياسي.
مستغرب أن المثقف الثوري حمّل الفن والثقافة مسؤولية هزيمة يونيو وتنطّح البعض ليحمّل أم كلثوم مثلاً الوزر، لأنها تغني أغنيات عاطفية، ووجدناها تنشد بعد الهزيمة «أصبح عندي الآن بندقية». هناك من حمل الرحابنة مسؤولية اختراع لبنان الصورة الحلم، وبالتالي كانوا من أسباب اندلاع الحرب الأهلية. مرة أخرى لم يلُم المثقف نفسه بشيء.
بالإمكان ذكر أسماء كثيرة، لكتاب معروفين انضووا تحت لواء أحزاب ودافعوا عن آيديولوجياتها، وتنقلوا بينها، ولم يقوموا بأي مراجعة ذاتية، بل على العكس، بعضهم تنصل حتى من نتاجه الذي كتبه خلال مرحلة يريد نكرانها. استبدل المثقف باستمرار خطاباً بخطاب آخر، وفي كل مرة لخدمة مشروع سياسي يعتبره منتصراً. وفي النهاية تُرمى المسؤولية على الحاكم، بينما الأدب في ماهيته وجوهره، هو عملية كشف للحجب ومقاربة للحياة وتعبير عن أعماقها.
* غسان علم الدين: القمع هو النكسة
لا يمكن الفصل بين تجربة الشريف حسين رغم نقاء فكرته في موالاته للإنجليز ضد العثمانيين، تبعاً لوعود مكماهون، الذئب الإنجليزي لاستقلال البلاد العربية ولم يحدث ذلك بالطبع، وتجربة عبد الناصر، مع الإشارة إلى بعض الاستثناءات الإيجابية في تجربته كالرؤية إلى المستقبل الاقتصادي وبناء المصانع... ولكن اعتماده على السوفيات ونصيحتهم شبه الخديعة، بألا يكون البادئ بالحرب، هي من أهم عوامل نكسة 1967. الاستبداد وإقصاء الخصوم لم ينعكس على هؤلاء فقط، بل أيضاً على أصحاب التجارب الإبداعية الكثيرة التي كانت لها رؤيتها وهمها الوطني أيضاً. تم تسفيه الجميع وزجهم في السجون، مثل الشعراء أمل دنقل، ونجيب سرور، وصلاح عبد الصبور، وآخرين كثر. جرى هذا في مصر وسوريا، أيام الجمهورية العربية المتحدة، وتجلى في الشبكات الأخطبوطية المخابراتية لصلاح نصر وعبد الحميد السراج. وعلى رغم جماليات إبداعية كثيرة أفضت إليها التعبئة العسكرية والسياسية (المناضلة) فإن إلغاء وسحقاً مخيفاً، حجب عنا حركات كانت تتفاعل في مصر ودول عربية أخرى، كالتي كانت تشق طريقها إلى عقول وقلوب الناس في أوروبا وفلسفاتها. حيث كان سارتر وسيمون دو بوفوار ودالي وليفي ستراوس ووليم بوروز؛ الوجودية، والتفكيكية، والتكعيبية، والانطباعية، والبتلز، والبلوز... وعوض أن يترك المجال للناس أن تأخذ مبادرتها لنفسها، تم ضبط ومراقبة كل ما يسمى المصنفات الأدبية والفنية. وحظر كل ما لا يتلاءم مع فكر الثورة التي انحصرت في المقاومة العسكرية لإسرائيل وأميركا والغرب. وكان المناوئون لهذا النهج، ومن تضرروا بفعل ما سمي ثورات من إسلاميين وغيرهم، يعملون عملهم ويضخون أموالاً طائلة، وأفكاراً تسري كالنار في الهشيم، خصوصاً أن دعاة الثورة والقومية العربية كانوا ينهزمون، الهزيمة تلو الأخرى في معاركهم التي جيشوا لها كل الطاقات وأهمها الاقتصادية، وأفضت إلى تجويع الشعوب العربية. إذ لا دعم ولا هبات، ولا الإنتاج القومي المحلي بقادر على سد إهراءات الجوع من الملبس والمأكل والسكن. جاءت نكسة 67 تتويجاً لذاك النهج الذي عاش في عروشه المستبدة بدل أن ينهمك، في صنع مجتمعات حديثة تتلاءم مع النقلات النوعية، على صعيد الإنتاج الفكري، والثقافي، والاقتصادي أو على صعيد ترك علاقات الشعوب العربية بين بعضها بعضاً، وجعلها تستفيد من الثورة الفرنسية التي كانت ولا تزال تعطي ثمارها في العالم أجمع، وتحرير العبيد في أميركا، وإعداد العدة لركائز يكون المواطن فيها سيد نفسه، يتمتع هو وأسرته ومجتمعه بمقومات الاكتفاء الذاتي. وكان أن خسرنا 80 في المائة من مساحة فلسطين التي جيشت كل الطاقات لاستردادها، وفوقها شبه جزيرة سيناء والجولان السوري ولاحقاً جنوب لبنان، فلا حكم الشريف حسين تحقق ولا حكم القوميين العرب وعبد الناصر. مع الأول جرى تقسيم العالم العربي ومع الثاني خسرنا مزيداً من أرضنا، ووجدنا أنفسنا أمام أسهل الخيارات التي كانت تتحرك على الأرض: التطرف الديني.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.