تباينت أدبيات الحرب في وصف موقع في يونيو (حزيران) 1967 بين «هزيمة» و«نكسة»، وراجت النكسة على الهزيمة، لتؤشر ثقافياً على ضعف المواجهة على مستوى الذات العربية وأدبيات الخطابات الثقافية، مثلما كانت المواجهة ضعيفة على أرض الواقع، إذ من الشجاعة وصف الأشياء بصفاتها الحقيقية بدلاً من استجداء قواميس اللغة لتغيير الحقائق. نعم، لقد انتهت الحرب بهزيمة العرب هزيمة قضت على مجمل العتاد العربي تقريباً، وكان علينا الاعتراف بالهزيمة في حينها والبحث في الأسباب التي قادتنا إليها وحرمتنا النصر وصولاً للاستعداد لما بعدها، بدلاً من تزيينها بمفردة «النكسة» في لعبة ثقافية لغوية أشبه ما تكون بوضع الرأس في الرمل. وهي لعبة لم تنتج في نظري إلا انتصاراً مؤقتاً دام يوماً واحداً، ويتمثل في أغنية فيروز التي كتب كلماتها سعيد عقل في صبيحة اليوم الخامس من أيام الحرب الستة، متوهماً النصر الذي كانت تبثه وسائل الإعلام العربية في تلك المرحلة، ولَحّنها الأخوان رحباني، ومطلعها: «الآن الآن وليس غداً... أجراس العودة فلتقرع»، ومن ذلك الحين لم نجد الأجراس لنقرعها.
لم تكن هزيمة يونيو هزيمةً عسكرية على أرض المعركة فحسب، بل كانت هزائم على جميع الصعد، أبرزها الصعيد الثقافي حيث تمثلت الهزيمة ثقافياً في أزمة سؤال الهوية الذي تجسد في مفهومين رئيسيين هما: العروبة، والدولة القُطرية، حيث لم تستوعب الجماهير العربية الحاصلة حديثاً على استقلالاتها أو تكويناتها القطرية ما حدث، ولم تهضم النظم العربية الحاكمة الهزيمة بصورة كافية لمواجهة تداعياتها على المستوى الثقافي، وضرورة النهوض منها والتعافي من تبعاتها، لذا فقد نتج عن المفهوم الأول: شعار القومية العربية وحركاتها، ونتج عن المفهوم الثاني: الأحزاب السياسية الاشتراكية وحركات الإسلام السياسي. ودخلت نواتج المفهومين في صراعات معلَنَة وخفية، كما دخل كل ناتج في صراعات داخلية مع مكوناته وكتله، وانشغل الجميع بتصفية الحسابات على حساب أجندة العمل المشترك لتقريب وجهات النظر ووضع برامج النهوض، أي أن الوضع الثقافي العربي تشظَّى نتيجة الهزيمة، ولم تُسهِم هذه التشظيات الثقافية في جمع شتات الهوية العربية، بل عَمَّقت الفجوات، ورسخت الحدود الإقليمية الثقافية والجغرافية، وكَرَّست العنصريات، وقد كانت هزيمة يونيو مقدِّمة لسلسلة من الهزائم العسكرية والثقافية وأبرزها على الصعيد الثقافي دق إسفين الصراع الطائفي بين دول وشعوب المنطقة على أسس مذهبية إقليمية، فتم طرح ثنائيات السنَّة والشيعة على أساس ضدِّي، في حين أنها لم تكن مطروحة للنقاش من قبل بهذا القدر من الحدة والتطرف والانتقامية، كما قادت الهزيمة إلى خلق تقوقعات حول الهويات الإقليمية الجزئية الضيقة كرد فعل على سؤال الجدوى وتعليق شارة النصر أو ذل الهزيمة، وما شعار الوحدة العربية الذي سدّ الأفق العربي حينها إلا دليل قوي على عمق تصدع الهوية، إذ لا يُطلَب إلا المفقود. ولم تنتهِ تداعيات الهزيمة إلى يومنا هذا، بل لما يزل المنتصر يجني ثمار انتصاره تباعاً على الأرض العربية، كما حدث في فلسطين ولبنان والجولان حينها، وصولاً إلى الربيع العربي الذي بدأ في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
* أكاديمي وناقد سعودي



