ضم الجولان فصل جديد في «النكسة» ... و«حفلة سمر» مستمرة في دمشق

ضم الجولان فصل جديد في «النكسة» ... و«حفلة سمر» مستمرة في دمشق
TT

ضم الجولان فصل جديد في «النكسة» ... و«حفلة سمر» مستمرة في دمشق

ضم الجولان فصل جديد في «النكسة» ... و«حفلة سمر» مستمرة في دمشق

«نكسة» 1967 نقطة انعطاف في سوريا، لا تقل أهميتها عن «نكبة» 1948. حفرت عميقاً في بنية النظام والسياسة والثقافة والاقتصاد والمجتمع لا تزال آثارها قائمة إلى الآن، بل إن ارتداداتها ظهرت في السنوات الست الأخيرة. وأثبتت رياح «الربيع السوري» الأخيرة ببرهان الدم نبوءة الكاتب سعد الله ونوس في مسرحيته «حفلة سمر من أجل 5 حزيران»، عندما كان الجرح سخناً: سبب الهزيمة داخلي وإزالة آثار «النكسة» جواني أيضاً... وإلا فإن تمزيق الجغرافيا لن يقتصر على الحدود، بل إنه سيمتد إلى داخل الأوطان والشوارع والحارات والطوائف والأعراق.
خسائر حرب يونيو (حزيران) على الجبهة السورية قبل 5 عقود، كانت الجولان جغرافياً، لكنها هزت السوريين عمودياً وأفقياً. بعضهم حاول الانتحار أو أنه مات قهراً، لكن الحرب وفرت أيضاً حافزاً للبحث في العمق في الأسباب وكيفية معالجتها. أيضاً، كانت للحظة أو سنوات عاملاً لتناسي الخلافات والبحث عن الجامع.
لم يكن سعد الله ونوس وحده الذي قرر ترك غربة باريس والعودة إلى البلاد بعد حرب الأيام الستة لتقديم «حفلة سمر» بعد سنتين على «مسارح الوطن»، بل إن معارضين كثيرين قرروا العودة. سليم حاطوم الذي هرب إلى الأردن بعد فشل محاولته الانقلابية، قرر العودة من المنفى بعد «النكسة»، فكان الاعتقال والموت في انتظاره في دمشق. أما الرئيس شكري القوتلي، الذي عاش في بيروت منذ وصول حزب «البعث» إلى الحكم في 1963، وفرت له الهزيمة غطاء كي يعود إلى دمشق، لكن على أكتاف محبيه في كفن.
القوتلي، الذي كان يعاني الأمراض في العاصمة اللبنانية، لم يحتمل علقم الهزيمة. مات باحتشاء في القلب بعد نحو أسبوعين من «النكسة» وبعد عقدين من قهر «النكبة». وقتذاك، توسط قادة عرب لدى حكم «البعث» في الجناح السوري كي يسمحوا لجثمان القوتلي بالعودة إلى دمشق التي كانت تعاني من انقسامات حادة في النظام السياسي وجهود الناس لتلمس معنى سقوط السلطة في حضن «البعث».
«النكسة» أضافت عوامل إضافية للشرخ في النظام السياسي بتبادل الاتهامات. بعضهم رأى أن خسارة الأرض لم تكن مهمة ما دام أن النظام أو «الثورة» لم يهزما. بعضهم الآخر، كان أقرب إلى الواقعية. هنا «يسار طفولي» وهناك «واقعي». كان هناك تياران: الأول بقيادة صلاح جديد. الثاني بقيادة حافظ الأسد. ولا شك أن «النكسة» أعطت الغطاء المنتظر لتيار الأسد كي يقوم بانقلاب نوفمبر (تشرين الثاني) 1970 تحت عنوان «الحركة التصحيحية» بهدف «تصحيح الكارثة» التي حصلت قبل 3 سنوات ومحو آثارها.
إسرائيل، أناطت قبل أيام اللثام عن كثير من «وثائق النكسة» لمناسبة مرور 5 عقود. تقليد الكشف عن الوثائق إن وجدت، غير موجود في سوريا وغيرها من الدول العربية. لكن الانتفاضة السورية، وفرت مناسبة كي يقدم سياسيون وعسكريون سوريون سابقون عايشوا حرب 1967 شهاداتهم عن الأيام الستة في تلك الحرب والروابط بين خسارة القنيطرة وتغييرات في دمشق. ولا تزال هذه الشهادات تتطلب كثيراً من المراجعات التاريخية والتقاطع مع شهادات أخرى للقبض على ما حصل قدر الإمكان.
الخلاف حول «النكسة» واضح. لكنه أقل بكثير لدى وضع «حرب التحرير» في أكتوبر (تشرين الأول) على طاولة البحث. هذه الحرب التي قادها الأسد و(الرئيس أنور السادات على الجبهة المصرية) بدعم عربي كبير، استدعت قدوم وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر للقيام بدبلوماسية مكوكية بين دمشق وتل أبيب. النتيجة كانت «اتفاق فك الاشتباك» في الجولان ونشر قوات دولية للمراقبة باسم «أندوف» لضبط وجود القوات السورية وتحديدها في المناطق العازلة والآمنة ومحدودة الانتشار.
وإذا كانت «النكسة» شكلت غطاء للانقلاب بهدف «التصحيح» ونسج تحالفات مع الطبقة الاقتصادية الدمشقية، شجعت صلاح جديد على الطلب من الاتحاد السوفياتي لإرسال 800 خبير عسكري لإصلاح ما دمرته إسرائيل. هؤلاء شكلوا أساس علاقة «السوفيات» ثم الروس مع الجيش السوري التي برزت في السنوات الأخيرة.
لكن «حرب تشرين»، شكلت مناسبة للأسد كي يفتح على واشنطن من دون أن يغلق على موسكو. وزار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون دمشق نهاية أكتوبر 1974 كي يبارك «اتفاق فك الاشتباك». وكانت معادلة التحالف مع موسكو والتعاون مع واشنطن، ميزة أساسية لحكم الأسد - الأب. ظهر هذا لدى دخول القوات السورية إلى لبنان ثم لدى مشاركة الجيش السوري في «عاصفة الصحراء» بداية 1991 ومشاركة سوريا في مؤتمر مدريد للسلام الذي أطلق المفاوضات العربية - الإسرائيلية.
خلال عقد التسعينات وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية، مالت دمشق أكثر إلى واشنطن. 10 سنوات من المفاوضات قادها حافظ الأسد لعقد اتفاق سلام سوري - إسرائيلي خلال تعاقب الحكومات الإسرائيلية منذ اليميني إسحاق شامير إلى «الجنرال» إسحاق رابين وصولاً إلى المتشدد ببنيامين نتنياهو بعد إقامة قصيرة لـ«رجل التطبيع» شيمعون بيريز وانتهاء بـ«جنرال السلام» إيهود باراك. وجرت المفاوضات أيضاً خلال تعاقب جورج بوش وبيل كلينتون على البيت الأبيض.
وقتذاك، كانت سوريا تفاوض لاستعادة الجولان مقابل ترتيبات أمنية و«علاقات سلم طبيعية» بيد وتدعم «حماس» و«الجهاد الإسلامي» و«حزب الله» بيد أخرى. تحالف استراتيجي مع إيران من جهة و«مثلث عربي» ضم السعودية ومصر وسوريا من جهة ثانية. تتعامل مع واشنطن خلال حقبة «النظام العالمي الجديد». وتراهن على استعادة موسكو - الروسية دور موسكو - «السوفياتية».
تقدمت مفاوضات السلام في آخر أيام كلينتون. وفي نهاية مارس (آذار) 2000، لم يبقَ سوى الخلاف على شاطئ بحيرة طبريا، ذلك أنه جرى الاتفاق على باقي بنود اتفاق السلام: الانسحاب من كل الجولان، وترتيبات الأمن، وعلاقات السلام، والبرنامج الزمني والعلاقة مع ملف المفاوضات اللبنانية. لكن القمة الأميركية - السورية في جنيف، انهارت. (سبق وزار كلينتون دمشق في 1994 بعد سنة من اتفاق أوسلو). وفي 25 مايو (أيار) انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان. وبعد 5 أيام من ذكرى «النكسة» وخسارة الجولان التي شارك الأسد فيها وزيراً للدفاع، توفي من دون أن يستعيد الجولان بالمفاوضات. مع وصول بشار الأسد إلى الحكم، استمرت محاولات عقد اتفاق سلام. لكن تركيا دخلت على الخط هذه المرة. رعت محاولات لعقد الاتفاق ودعم محاولات أميركا تحقيق ذلك. وبقيت المحاولات لعقد آخر عبر مفاوضات سرية وعلنية، عسكرية وأمنية ودبلوماسية، وصلت إلى أن المبعوث الأميركي جورج ميتشال ثم مساعده فريد هوف صاغا مسودة كاملة للاتفاق.
وإذا كان اغتيال رابين في نوفمبر 1995 أطاح بمحاولة جديدة لتحقيق اتفاق على الجولان ووفاة الأسد في يونيو 2000 دفنت جهوداً أخرى، فإن «الربيع العربي» خلط الأوراق إلى حد كبير. لم يعد الصراع العربي - الإسرائيلي الهم الوحيد الذي يشغل الناس. ولم تعد الجولان ما يؤرق السوريين. ولم تعد الدبابات والطائرات السورية في الجولان مكاناً في الطموح السوري. والمطارات والمدن والقرى مدمرة. وهناك قضية لجوء أخرى غير الفلسطينية. نصف السوريين (من أصل 23 مليوناً) هجروا من منازلهم. و2.5 مليون قتيل وجريح. أيضاً، باتت الطائرات الإسرائيلية مع طائرات عشرات الدول تتزاحم في الأجواء السورية. و«حزب الله» الذي كان في جنوب لبنان، بات في سوريا ويسعى إلى إيجاد موطئ في الجولان.
أيضاً، كان السوريون مرة أخرى على موعد مع «الخامس من حزيران». في 5 يونيو 2013، دخلت قوات النظام و«حزب الله» إلى مدينة القصير في ريف حمص. أما، أهلها فهم في الطرف الآخر من حدود لبنان، ضمن 5 ملايين لاجئ سوري في دول الجوار.
ترددت أنباء عن أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق مكاسب استراتيجية من الفوضى السورية. تنازل سوري عن السيادة على الجولان والتخلي عن المطالبة بها. في حال تحقق هذا، سيضاف إلى «مكاسب» أخرى. ذلك أن إسرائيل باتت طرفاً خلفياً في المفاوضات الأميركية - الروسية الحالية في عمان لإقامة منطقة آمنة تشمل القنيطرة في الجولان ودرعا والسويداء. إنها، لو تحققت، «شريط أمن» يعزل إسرائيل عن سوريا. القلق السوري من تحول مناطق النفوذ التي انطلقت في مفاوضات آستانة إلى تقسيم الأمر الواقع. القلق من نزع الجولان من سوريا.
وإذا كانت «النكسة» أدخلت السوفيات إلى سوريا، فإن «الربيع السوري»، أعاد روسيا إلى الشرق الأوسط. قاعدتان عسكريتان في طرطوس واللاذقية ووجود عسكري. هذا «الربيع» أدخل الجيش الأميركي إلى شرق سوريا بدعم الأكراد ضد «داعش». هناك 5 قواعد عسكرية ومطارات. تماماً مثلما أدخلت «حرب تشرين» واشنطن إلى قصر المهاجرين.
من أراد الحديث عن سوريا، عليه أن يطرق أبواب الكرملين والبيت الأبيض. نتنياهو فعل ذلك عندما أسس «خطاً ساخناً» بين تل أبيب وقاعدة حميميم في اللاذقية لمنع التصادم بين طائرتي الطرفين. ومن أراد بحث مصير الجولان بعد 50 سنة من خسارتها، عليه التحدث إلى القيصر فلاديمير بوتين للابتعاد عن مرشد «الثورة الإسلامية» علي خامنئي الذي يستميت كي يقيم في الجولان وحجز مقعداً على طاولة التفاوض على مصير السوريين وسوريا في الإقليم. لكن، لا استقرار في الحل السوري من دون اللاعب الأميركي. عليه، مصير الجولان وسوريا في انتظار الصفقة الأميركية - الروسية... و«حفلة سمر من أجل حزيران» لا تزال تعرض في دمشق.



العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».


هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
TT

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)

بالتزامن مع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المحتملة على إيران، تواصل الجماعة الحوثية في اليمن استعداداتها العسكرية وحشد المقاتلين واستحداث مواقع جديدة لأسلحتها، في وقت يُنظر لها فيه بأنها إحدى أهم الأذرع الإقليمية للرد الإيراني.

وعلى الرغم أن الجماعة المدعومة من إيران لم تصدر أي بيان رسمي يعلن موقفها من تعرض إيران لهجوم أميركي، فإن قادة فيها حذَّروا الولايات المتحدة من أي عمل عسكري، وتحمُّل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته، ولمحوا إلى أن تعاطيهم معه سيتم وفق ما تراه القيادة العليا بعد تقييم الموقف وتداعياته المحتملة.

وبقدر ما توحي هذه التلميحات، إلا أن ثمة تفسيرات لها بعدم الرغبة في لفت انتباه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب إلى ضرورة التعامل مسبقاً مع الرد المقبل من قِبل الجماعة، خصوصاً وأن هذه الإدارة قد شنت حملة عسكرية سابقة ربيع العام الماضي على الجماعة وتسببت لها بالكثير من الخسائر.

ويرى إسلام المنسي، الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد لا تذهب إلى إحراق أوراقها كافة في حال لم يكن هناك داعٍ لذلك، خصوصاً مع التهديدات الأميركية بارتفاع سقف التصعيد في حال إقدام أي أذرع عسكرية إيرانية على التدخل والمشاركة في المواجهة.

مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ضمن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة (رويترز)

ولم تلجأ إيران لاستخدام أذرعها العسكرية خلال مواجهتها مع إسرائيل والضربة الأميركية المحدودة لها صيف العام الماضي؛ لكونها لم تشعر بخطر وجودي، وهو ما قد يتغير في المواجهة المرتقبة، ويمكن أن يدفع إلى تدخل الجماعة الحوثية، بما يشمل استهداف حلفاء ومصالح الولايات المتحدة وقواتها العسكرية، وفقاً لحديث المنسي لـ«الشرق الأوسط».

وإذا كانت إيران قد سبق لها وعرضت، في إطار تفاوضي، التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الحوثي، فإن ذلك يجعل من المؤكد أنها ستستخدمها في الرد، خصوصاً وأنها أنشأتها للدفاع عن أراضيها في جغرافيا بعيدة عنها، حسب المنسي.

وترجح الكثير من التقارير الاستخباراتية أن يكون «الحرس الثوري» الإيراني قد بحث مع الحوثيين تفعيل ساحات دعم بديلة خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المنتظرة، واستخدام خلايا وأسلحة لم يجرِ استخدامها من قبل.

تأهب مكشوف

ومنذ أيام نقلت وسائل إعلام صينية عن قيادي عسكري حوثي، لم تسمّه، أن الجماعة رفعت فعلاً حالة التأهب، ونفذت عمليات تفتيش لمنصات إطلاق الصواريخ في مناطق عدة داخل اليمن، من بينها منطقة البحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية.

صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

في هذا السياق، يؤكد صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن الجماعة الحوثية ستشارك في الدفاع عن إيران ضد أي هجمات أميركية، مستنداً إلى خطابها الإعلامي المرافق لحشود أنصارها في الساحات والميادين، والذي يؤيد بشكل واضح حق إيران في الدفاع عن نفسها.

ورغم المواربة التي يتخذها هذا الخطاب بشأن إيران؛ فإنه يعيد التذكير بحرب غزة، ويجدد التعهدات الحوثية بالعودة إلى التصعيد العسكرية للدفاع عن سكان القطاع المحاصر، كما يوضح صلاح لـ«الشرق الأوسط»، منوهاً إلى أن إيران لم تشارك الحوثيين كل تلك التقنيات العسكرية المتطورة والنوعية، إلا بسبب ثقتها العالية بهم وقدرتهم على استخدامها لصالحها.

وخلال الفترة الماضية، وبعد استهداف إسرائيل حكومة الجماعة غير المعترف بها وعدداً من قياداتها، برز عدد من القادة الحوثيين المتشددين في ولائهم لإيران، بينما يجري على الأرض استحداث مواقع عسكرية ونقل معدات وأسلحة إلى مناطق جديدة في المناطق الساحلية والقريبة منها، إضافة إلى إمكانية استخدام خلايا أمنية في خارج حدود اليمن.

ويرجح صلاح أنه، ومع تهديدات الضربة العسكرية على إيران كبيرة، فإن الرد الإيراني سيأخذ منحى متقدماً قد يصل إلى السعي لإغلاق المضائق؛ وهو ما يجعل مضيق باب المندب في دائرة الاستهداف الحوثي.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

ويبدي الكثير من المراقبين قلقاً من أن تكون الجماعة الحوثية نقلت خلال السنوات الماضية عدداً من مقاتليها وخلاياها الاستخباراتية إلى خارج اليمن لاستهداف مصالح أميركية وغربية في المنطقة.

خيارات مفتوحة

وفقدت الجماعة الحوثية عند إعلان وقف إطلاق النار في غزة أحد أهم مبررات حشد المقاتلين وجمع الأموال، وبدأت بمواجهة تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارساتها والحالة الإنسانية المتدهورة بخطاب إعلامي يحاول إقناع المتلقين بأن المعركة لم تنتهِ، وأن هناك جولات قادمة منها.

وفي موازاة استمرار الجماعة بحشد أنصارها أسبوعياً في مظاهرات تشمل مختلف مناطق سيطرتها تحت شعارات مناصرة قطاع غزة، لجأت إلى تنفيذ هجمات في جبهات المواجهة مع الحكومة الشرعية في اليمن، خصوصاً في محافظة تعز، في حوادث يصفها بعض الخبراء العسكريين بمحاولات جس النبض، بينما يرى آخرون أنها تهدف لصرف الانتباه عن ممارسات أخرى.

في هذا السياق، يذكّر وليد الأبارة، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات، بأن الجماعة واجهت مرحلة حرجة بعد وقف الحرب في غزة، بعد أن فقدت أحد أبرز مبررات هجماتها على الملاحة في البحر الأحمر، وإزاء ذلك فقد تلجأ إلى استحداث مبررات جديدة، بمزاعم العقوبات المفروضة عليها للحفاظ على زخمها الإعلامي ودورها الإقليمي.

أنصار الحوثيين في وقفة لهم بمدينة حجة تحت شعار الاستعداد للمواجهة المقبلة (إعلام حوثي)

إلى جانب ذلك، فهناك خياران آخران، حسب توضيحات الأبارة لـ«الشرق الأوسط»، يتمثل الأول بإعادة توجيه نشاطها نحو الداخل؛ بهدف تعزيز ميزان القوى العسكري والاقتصادي لمصلحتها، أو لفرض شروطها في أي تسوية مقبلة، بينما يتمثل الآخر بالرضوخ للضغوط الدولية والإقليمية والانخراط في مسار تفاوضي، خصوصاً في حال تصاعد العقوبات أو تراجع قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

وحسب تقدير موقف لمركز اليمن والخليج الذي يديره الأبارة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تضغط على قدرة النظام على إدارة نفوذه الإقليمي بالوتيرة السابقة، دون أن تصل إلى تفكيك شبكة وكلائه.

وهذا الواقع يدفع طهران إلى مقاربة أكثر حذراً، تحكمها أولويات الداخل وحسابات التكلفة والعائد، مع الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ الخارجي دون تصعيد واسع.

ويُرجَّح الأبارة في هذا الإطار استمرار العلاقة مع الحوثيين ضمن استمرارية منضبطة، بدعم انتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلة، إلا أن اتساع الاحتجاجات أو تعرض إيران لضربة عسكرية مباشرة قد يفتح سيناريو إعادة تموضع حوثية أعمق، تشمل تنازلات سياسية وأمنية أوسع مقابل ضمانات إقليمية.