غارات مصرية تطال منطقتي الجفرة وهون في وسط ليبيا

«داعش» استغل دروب مهربي المخدرات... وأوامر بتدمير أي سيارات دفع رباعي تجتاز الحدود

آثار الخراب والدمار في حي أبو سليم بفعل اشتباكات الميليشيات المتناحرة في طرابلس أول من أمس (رويترز)
آثار الخراب والدمار في حي أبو سليم بفعل اشتباكات الميليشيات المتناحرة في طرابلس أول من أمس (رويترز)
TT

غارات مصرية تطال منطقتي الجفرة وهون في وسط ليبيا

آثار الخراب والدمار في حي أبو سليم بفعل اشتباكات الميليشيات المتناحرة في طرابلس أول من أمس (رويترز)
آثار الخراب والدمار في حي أبو سليم بفعل اشتباكات الميليشيات المتناحرة في طرابلس أول من أمس (رويترز)

وصل القصف المصري لمعسكرات المتطرفين إلى منطقتي «الجفرة» و«هون» في وسط ليبيا، أمس، بعد 4 أيام من بدء العمليات الحربية في كل من درنة والجبل الأخضر، وذلك في محاولة مصرية لمساعدة الليبيين على استعادة الأمن وفرض السيطرة على بلادهم التي أصبحت تهدد جيرانها وغيرها من بلدان العالم، لكن الخطر من تسلل متطرفين لتنفيذ عمليات داخل مصر، ما زال قائما، وفقا لمصادر استخباراتية على الحدود بين البلدين.
وتمرق طائرة حربية مصرية تحت السماء الصافية، في صوت أصم وقوي، انطلاقا من قواعد عسكرية في الصحراء على الجانب المصري من الحدود... تتبعها أخرى، وأخرى. وعلى طول الشارع المرصوف تنطلق شاحنات ضخمة محملة بالرخام والسيراميك والسلع الغذائية في الطريق نفسه؛ إلى داخل ليبيا. ويطلق سائق الشاحنة الليبية البوق، ويقول في استراحة بمدينة السلوم: «نريد أن نرتاح... تعبنا من الحروب».
وتعاني ليبيا من الفوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي. وانتشرت الجماعات المتطرفة المدججة بالأسلحة في عدة مواقع في عموم البلاد، لكن أخطرها، بالنسبة للمصريين، كان في درنة، لأسباب تتعلق بقرب المدينة من الحدود مع مصر. وتحاول دول صديقة لليبيا، التوفيق بين أكبر شخصيتين حاليا في البلاد، وهما المشير خليفة حفتر، قائد الجيش، وفايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي، المدعوم من الأمم المتحدة.
وأثارت الغارات المصرية على درنة مخاوف من أن تؤدي إلى استثارة غضب الليبيين تجاه المصريين، بخاصة بعد أن استنكرها مجلس السراج. لكن محمود بوعيسى، وهو قيادي شعبي من قبيلة «القناشات»، على الحدود الليبية - المصرية، قال إن ردود الفعل على الضربة المصرية في ليبيا، على المستوى الشعبي... «تحظى بتأييد في المنطقة الشرقية من ليبيا بما في ذلك درنة، ونحن تواصلنا مع أناس في درنة. والناس ينظرون إلى هذه الخطوة على أنها ستساعد في تقصير عمر التنظيمات الإرهابية على الأرض، وبالتالي يسيطر الجيش الليبي على كامل الأراضي الليبية».
وكان بوعيسى يتحرك ضمن لقاءات بين اقتصاديين من ليبيا ومصر، على جانبي الحدود، حيث بدا أن هناك أسبابا كثيرة رفعت المعنويات في مستقبل أفضل.
ويقول أيمن غازي، الباحث الاقتصادي المقيم في مدينة مرسى مطروح: «توجد أسباب كثيرة لتفاؤل السوق الليبية، منها بطبيعة الحال الضربات المصرية على مواقع المتطرفين في ليبيا، لكن سبقت هذه الخطوة أجواء كانت تؤشر إلى أن المنطقة، ومنها ليبيا، مقبلة على تغيير كبير، وذلك بزيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للرياض، واللقاء بين حفتر والسراج في الإمارات».
ويضيف موضحا أن عدم وجود أي اعتراض من القوى الدولية الكبرى على العمليات العسكرية المصرية في ليبيا، حتى الآن، عزز من ثقة رجال الأعمال في الغد... وعن الاعتقاد بأن ضربات الجيش المصري في الداخل الليبي بدأت تسهم في انتعاش قيمة العملة الليبية أمام الدولار، في السوق الموازية، يقول غازي: «كلما كانت الأمور تدفع في اتجاه الاستقرار الأمني، فهذا يعني بالطبع الاتجاه ناحية الاستقرار المالي»، مشيرا إلى أن معظم مجالس الشورى في درنة وسرت وغيرها، مرتبطة بـ«القاعدة»، و«داعش»، و«ثبت أن وجود مثل هؤلاء يتنافى مع أي فرص للاستقرار، وهو شرط أساسي لدوران العجلة الاقتصادية».
وعقب بدء الغارات المصرية في ليبيا انخفض الدولار أمام الدينار الليبي في السوق الموازية إلى أقل من 8 دينارات. ويقول عمرو فركاش، وهو مدير إقليمي في البنك الأوروبي، وخبير اقتصادي ليبي: «هذا يدل على أنه بعد ما حدث في الفترة الماضية، وانتقاد السعودية والإمارات لقطر، وتقلص نفوذ المتشددين إلى حد ما، أصبح الناس، عامة، لديهم تفاؤل بأنه يمكن السيطرة من خلال الجيش وحفتر تحديدا على ليبيا». وأضاف أن دخول مصر على خط المساعدة، يمثل نوعا من أنواع الانفراجة.
وقال كذلك: «الناس متفائلة بأن الأوضاع يمكن أن تتحسن. وأي نسبة تفاؤل، ولو قليلة، تؤثر في تقدير العملة. لكن من الناحية الاقتصادية البحتة، ما زال الوضع في ليبيا وضعا صعبا».
وأدى تشديد الإجراءات المصرية على الحدود، إلى تكدس مئات الشاحنات التي تحمل شحنات من مواد البناء، في طريقها إلى ليبيا، إلا أن هذا لم يمنع السائقين وأصحاب الأعمال من الانتظار برحابة صدر. ويقول مصدر عسكري على الحدود إن تنظيم داعش حاول التسلل من دروب مهربي البضائع والمخدرات، وهي موجودة بين واحتي الجغبوب (الليبية) وسيوة (المصرية)، جنوبا، مشيرا إلى أن تلك المنطقة، ودروبا أخرى، هي التي تدخل منها سيارات الدفع الرباعي، وقال إن القوات المسلحة المصرية لديها أوامر باستهداف أي سيارات دفع رباعي تجتاز الحدود.
وتابع أن قصف الطائرات المصرية لمعسكرات المتطرفين أصبح يصل، منذ أمس، إلى منطقتي «الجفرة» و«هون» في وسط ليبيا، حيث جرى استهداف مناطق تدريب لمجاميع كانت تفتح باب التدريب لمتطرفين مصريين في صفوفها، ومنها مجاميع تابعة لبقايا «سرايا الدفاع عن بنغازي».
وأضاف: «تم التأكد أمس من إصابة مواقع التكفيريين وتدميرها بشكل مباشر، وذلك في كل من الجفرة وهون، ومناطق أخرى» لم يسمها. بينما أوضح بوعيسى قائلا إن «الغارات المصرية ما زالت مستمرة ومكثفة على درنة والجفرة وهون ومناطق في أقصى الجنوب والغرب الليبي من جانب الطيران المصري».
وتابع أن «كل هذا يجري بتنسيق من خلال غرفة عمليات مشتركة بين الجانبين المصري والليبي. وبشكل عام منذ أعطى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأمر بالتحرك وحتى الآن، والوجود العسكري والضربات مستمرة. وفي وسط ليبيا تم استهداف بقايا معسكرات (سرايا الدفاع عن بنغازي)، وبعض من بقايا (القاعدة) وميليشيات تابعة لإبراهيم الجضران (الآمر السابق لحرس المنشآت النفطية) وزياد بلعم (أحد قادة الميليشيات) في الجفرة وهون».
إلى ذلك، أعلن فائز السراج رئيس حكومة الوفاق أن الأمين العام لمنظمة حلف شمال الأطلنطي (الناتو) ينس ستلوتنبيرغ، أكد له في اتصال هاتفي بينهما أن الحلف يدعم بقوة حكومة السراج، مشيدا بجهوده لبناء مؤسسة عسكرية واحدة في البلاد.
وأعلن ستلوتنبرغ وفقا لبيان أصدره مكتب السراج، أن مجلس الحلف وافق على تقديم المشورة إلى ليبيا في مجال بناء مؤسسات الدفاع والأمن.
وكان السراج قد ناقش بالعاصمة البلجيكية بروكسل مع مسؤول الناتو حالات وبرامج الدعم، التي يمكن للحلف تقديمها في قطاعي الدفاع والأمن، وبما يساهم في الرفع من القدرات والتأهيل المؤسسي للقوات الليبية.
وكانت حكومة السراج قد حذرت أي مجموعات من محاولة دخول العاصمة طرابلس دون التنسيق الكامل مع أجهزتها الأمنية والعسكرية، وهددت بأنها ستضرب بيد من حديد كل من يهدد أمن المدينة ومواطنيها، وحذرت من أي تجاوزات مثل الخطف والاعتداء على البيوت، مشيدة بجهود الأجهزة الأمنية المنضوية تحتها، واعتبرت أن العاصمة مدينة لكل الليبيين وأن حمايتها هي مهمة الجميع تحت شرعية الحكومة، معلنة أنها بصدد اتخاذ الإجراءات الكفيلة بعودة المهجرين إلى بيوتهم قبل انقضاء شهر رمضان مع المؤسسات الأمنية من دون مساومات.
وأعربت الحكومة عن تعازيها إلى أسر وأهالي شهداء معركة طرابلس التي خاضتها القوات المنضوية تحت المؤسسات الأمنية التابعة لها قبل بضعة أيام، وحيت في المقابل جميع القوى الأمنية المنضوية تحت وزارة الداخلية والحرس الرئاسي، التي قالت إنها تقوم بتأمين العاصمة طرابلس بالكامل، كما دعت المواطنين للوقوف صفا واحدا للرد بحزم وحسم ضد من يحاول إثارة القلاقل والفتن، وحفاظا على أرواح المواطنين والممتلكات الخاصة والعامة، ومن أجل أن يستتب الأمن ويعم السلام، على حد تعبيرها.
وجاء بيان الحكومة بعدما قالت قوة العمليات الخاصة إنها تنوي حماية عودة مهجري العاصمة طرابلس إلى بيوتهم وتأمينهم والدفاع عنهم.
وقال قائد القوة الرائد عماد الطرابلسي إنه تم إخطار جميع الجهات بهذه الخطوة، بما في ذلك المجلس الرئاسي لحكومة السراح وبعثة الأمم المتحدة وبعض السفارات الغربية العاملة في طرابلس.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.