«الشرق الأوسط» في مهرجان كان (9): {المخدوع} بنكهة أخرى في كان

صوفيا كوبولا تعيد صناعة فيلم لأول مرّة

النسخة الأولى من فيلم (The Beguiled) عام 1971 بطولة كلينت ايستوود وجيرالدين بيج بتوقيع دون سيغل
النسخة الأولى من فيلم (The Beguiled) عام 1971 بطولة كلينت ايستوود وجيرالدين بيج بتوقيع دون سيغل
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان كان (9): {المخدوع} بنكهة أخرى في كان

النسخة الأولى من فيلم (The Beguiled) عام 1971 بطولة كلينت ايستوود وجيرالدين بيج بتوقيع دون سيغل
النسخة الأولى من فيلم (The Beguiled) عام 1971 بطولة كلينت ايستوود وجيرالدين بيج بتوقيع دون سيغل

العمل السينمائي الوحيد الذي نُقل إلى الشاشة الكبيرة كان للمؤلف توماس كولينان (1919 - 1995)، هو The Beguiled من إخراج دون سيغل عام 1971. وتعمد إليه ثانية المخرجة صوفيا كوبولا في نسخة جديدة عرضها المهرجان الفرنسي في مسابقته قبل يومين.
ليس سهلا احتواء العنوان الإنجليزي بتفسير واحد: Beguiled ومعناه، المخدوع الواقع تحت فعل مراوغة أو خطّـة ناتجة عن إغواء. يمكن تسمية الفيلم بـ«المخدوع» (أو «المنخدع») وفي نسخة صوفيا كوبولاً تنطبق الكلمة على الإناث الست لدى تسلل الجندي الشمالي إلى مدرستهن الخاصة، فوقعن تحت تأثير جاذبيته كونهن يعشن في حرمان ما، وكونه الرجل الوحيد في ذلك المكان، بالتالي هن «منخدعات» أكثر من خادعات كما ورد في نسخة سيغل.
حاولت طوال مدة عرض الفيلم الجديد (94 دقيقة)، تجاهل الفيلم الأصلي، لكن ذلك لم يكن ممكناً. ينقل الفيلم الجديد الحكاية كلّها والتغييرات التي في عمل المخرجة ليست حاسمة أو جديدة بحيث تمكن المشاهد من إلغاء فيلم سيغل إذا ما كان شاهده.
* براءة ورجولة
في الأصل، وكما ورد على الغلاف الأخير من نسخة «بينغوين» البريطانية للنشر، عندما اشترت حقوق الرواية الأميركية الصادرة سنة 1966. تلعب القصّـة على نسيج من العوامل النفسية والعاطفية والمرح الداكن. هذا المزيج ما بين العمق والترفيه الذي تقترحه الرواية والذي عمد إليه المخرج دونالد سيغل جيداً، هو ذاته المفقود في فيلم صوفيا كوبولا في أول فيلم لها تعيد تصويره (أو كما يسمى بـRemake).
الحكاية الواردة هي بالخطوط العريضة والمتوسطة ذاتها: جندي جريح (كولن فارل في الفيلم الجديد وكلينت إيستوود في النسخة الأولى) من الجيش الشمالي، خلال الحرب الأهلية الأميركية في مطلع ستينات القرن التاسع عشر، يسقط جريحاً بالقرب من مدرسة فتيات في الجنوب الأميركي وبمعزل عن باقي رفاقه. تكتشفه فتاة صغيرة فيُنقل إلى داخل المدرسة التي لم تعتد على أن يدخلها رجل.
يُداوى الجندي من جراحه، لكن خلال الفترة التي يستغرقها العلاج، يغوي الرجل فتاتين راشدتين، واهماً كلا منهما بإخلاصه لها، فيقع الخلاف بينهما وبين الإناث الأخريات. في النهاية يكون ضحية فعلته فيُقتل مسمما (باقتراح من فتاة صغيرة) للتخلص منه.
تختلف نسختا الفيلم في التفاصيل. في فيلم ابنة فرنسيس فورد كوبولا، هناك مدرّسة واحدة (نيكول كيدمان) مسؤولة عن حفنة من الفتيات (ست). في نسخة سيغل هناك مدرّستان وعدد أكبر من الطالبات. أيضاً، يخلو فيلم كوبولا من امرأة سوداء تخدم في المدرسة وتقوم بمهام التنظيف والعناية بالمكان وهو الأمر الطبيعي (الوارد في الحكاية أصلاً)، لكنّ هذا لم يغب عن نسخة سيغل. وفي فيلم كوبولا تُقطع ساق الرجل، بينما البطل في نسخة 1971، يحتفظ بساقه.
ثم هناك ما هو أهم من الفروقات بين العملين.
دون سيغل، وقد عمل مع كلينت إيستوود خمس مرات، كان «المخدوع» ثالثها، جعل من الرجل المحور الظاهر في الفيلم وليس البعد العاطفي المستتر. إنه من يسقط فريسة الإناث اللواتي أدخلنه جريحاً وعملن على العناية به. صحيح أنّه جلب على نفسه النهاية الوخيمة، بعد أن غرر بالفتيات وألب بعضهن على بعض، لكنّه خُـدع بدوره مصدقاً ما تبدّى من براءتهن وقبولهن به، بينما كنّ قد خططن لقتله بشوربة فطر مسموم.
في نسخة صوفيا كوبولا تركيز على أنّ الفتيات هن المنخدعات اللواتي صدّقن الرجل وألفن إليه وترددن في تسليمه إلى الجيش الجنوبي، فبادرهن بعد ذلك بمحاولة فرض سيطرته عليهن.
* بين ممثلين
مع وجود العدد الكبير من الشخصيات النسائية في نسخة دون سيغل، هناك قدر أوسع من تباين الشخصيات النسائية. مثلاً يجد الرجل نفسه، في كلا الفيلمين، في جنة مليئة بالنساء وعليه أن يقتنص الفرصة. كذلك فإن إحدى أهم الشخصيات الثانوية هي الخادمة الأفرو - أميركية، لكونها تعكس وضعاً واقعياً. غيابها في نسخة كوبولا يخلق تساؤلات، فالحرب الأهلية نشبت على مبدأ تحرير «العبيد»، ووجودها يجسد هذه الحقيقة كما أنّها، في الفيلم السابق، واحدة من الإناث الجميلات التي سوف تخلق لإيستوود بديلاً عاطفياً محتملاً.
في أسلوب كوبولا المتمحور حول أنثوية الوضع أكثر من ذكوريته، فقدت المخرجة كوبولا وجهة النظر المتوسطة الذي وفرها الروائي معايناً الموضوع والتاريخ والمكان والإشكالات المترتبة جميعاً. في الوقت ذاته، يفشل الممثل البريطاني كولين فارل (المحتفظ بلكنته الآيرلندية المخففة)، في تقديم تشخيص ثري وقوي وليس مجرد أداء تنفيذي. هو ربما جيد فيما أتيح له: تقديم دور الجندي الذي يحاول السيطرة على نساء المكان بالخديعة. لكن إيستوود نفّـذ مشروعاً أكثر أهمية كدراما: هو الرجل الذي يحاول السيطرة على نساء المكان بالخديعة، لكنه الأقدر على تجسيد الشخصية الرجولية (الماتشو)، وهو ما كان مقصوداً في الأساس لشحذ الدراما بالتناقضات الحادة وخدمة لإيستوود كنجم واثب.
فارل، حجماً، لا يقنع في هذا المجال، والأهم أنّ المخرجة خلعت أنيابه، فإذا به أضعف جسدا وشخصاً، من أن يجسد تلك الذكورية.
«المنخدعات»، حسب كوبولا، عليه أن يكون فيلماً نسائياً لأنّها امرأة. وهذا أضعف مبرر يمكن اعتماده في هذه الحالة. لقطاتها بعيدة ومتوسطة وكذلك التمثيل من الجميع: بعيد عن إثارة الاهتمام أو متوسط. لا ألفة يمكن أن يشعر بها المرء حيال أي من الأوضاع أو الشخصيات، ولا يستطيع الفيلم تجسيد أبعد مما يعرضه. وإذا كانت مشكلة فيلم سيغل أن الجمهور لم يُعجب بدور إيستوود - الأيقونة، لكونه أكثر دكانة من المتوقع له، فإن الجمهور هنا لن يكترث لأن تكون العصمة بيد النساء، لأن الشخصيات الواردة منها ضعيفة حتى وإن بدت، في نموذجين هما دور نيكول كيدمان ودور كيرستين دانست، غير ذلك.
فيلم كوبولا يفتقد عمق الدلالات. في جل أفلامها تعتبر كوبولا أنّ حكايتها تستطيع أن تسرد نفسها بنفسها. لا تحتاج لأن تكترث للتفاصيل التي تؤلف - بصرياً - الكيان التفاعلي بين المشاهد وبين الفيلم.
يتضح ذلك منذ مشهد البداية: الفتاة الصغيرة في المدرسة كانت تجوب الغابة بحثاً عن الفطر، فتجد الجندي جريحاً على الأرض. هذه البداية تحمل تمهيداً مقبولاً، لكنه غير مركّـز. فيما يبدأ فيلم سيغل بالجندي الجريح وهو يسقط أرضاً ثم يتدحرج من مرتفع إلى آخر قبل أن يستقر شبه غائب عن الوعي. هذه البداية تحمل الخلفية والتشويق والتركيز على الرجل في محنته أمام الحرب، ولاحقاً أمام عواطفه والمرأة عموماً.
بالمقارنة بين تمثيل جيرالدين بايج وإليزابيث هارتمان وجون آن هاريس بذلك المتوفر في فيلم كوبولا، تتبدّى أسباب لتفضيل التمثيل في الفيلم الأول عنه في الفيلم الجديد. إنّه اختيار المخرجة، غير الصائب، في إبقاء الحدة الناتجة عن هذا الوضع في أدنى قدرة لها على التجسيد.



تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً


بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز