وثائق رسمية تكشف أن والد المتهم بالهجوم كان مطلوباً لنظام القذافي

سلطات طرابلس تعتقل شقيق انتحاري مانشستر

وثائق رسمية ليبية تكشف أن والد انتحاري طرابلس كان مطلوباً لنظام القذافي («الشرق الأوسط»)
وثائق رسمية ليبية تكشف أن والد انتحاري طرابلس كان مطلوباً لنظام القذافي («الشرق الأوسط»)
TT

وثائق رسمية تكشف أن والد المتهم بالهجوم كان مطلوباً لنظام القذافي

وثائق رسمية ليبية تكشف أن والد انتحاري طرابلس كان مطلوباً لنظام القذافي («الشرق الأوسط»)
وثائق رسمية ليبية تكشف أن والد انتحاري طرابلس كان مطلوباً لنظام القذافي («الشرق الأوسط»)

في هجوم مانشستر الدامي الذي وقع يوم الاثنين الماضي «ثمة ليبي متهم بالأمر»، هذا ما حذر منه الرجل الذي حكم ليبيا لأكثر من أربعة عقود قبل مقتله، لكن أحدا لم يستمع إليه. بالأمس، اعتقلت قوة أمنية تابعة لفائز السراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني، هاشم رمضان بلقاسم العبيدي، شقيق الانتحاري سليمان العبيدي المتهم بتفجير مانشستر.
وقالت مصادر بقوة الردع الخاصة في طرابلس، إنها اعتقلت شقيق الانتحاري، الذي اكتفت بتعريفه على أنه من مواليد شهر أبريل (نيسان) عام 1997. ولم يتضح بعد إذا ما كانت حكومة السراج ستقوم بتسليم المعتقل إلى السلطات البريطانية، أم ستوفد الأخيرة وفدا أمنيا إلى طرابلس للتحقيق مع شقيق الانتحاري.
وقبل الإعلان عن اعتقال شقيق العبيدي، كان السفير البريطاني ليبيا بيتر ميليت، يلتقي أحمد معيتيق، نائب السراج، الذي أدان «العملية الإرهابية، محملا تعازي الشعب الليبي وحكومة الوفاق للمملكة المتحدة حكومة وشعبا، جراء هذه الحادثة الأليمة»، مؤكدا أن هذه الجريمة والجرائم المماثلة تدعونا إلى تكاتف الجهود في مكافحة الإرهاب»، بحسب بيان رسمي.
من جهته، أكد السفير البريطاني، وفقا للبيان، دعم بلاده لحكومة السراج وتقديم المشورة لإنعاش الاقتصاد المحلي.
وكان ميليت قد وجه عبر حسابه الرسمي على موقع «تويتر»، الشكر المجلس الرئاسي لحكومة السراج وباقي المسؤولين في ليبيا على ما وصفه بـ«تضامنهم الكبير مع بريطانيا بعد هجوم مانشستر الإرهابي»، مضيفا: «معاً ضد الإرهاب».
وأضاف السراج أن «هذا العمل الإجرامي يؤكد ضرورة توحيد الجهود لمحاربة الإرهاب بأشكاله ومسمياته كافة، والعمل على هزيمته واقتلاعه من جذوره».
ولسنوات طويلة قبل سقوط نظام حكمه عام 2011، اعتاد العقيد الليبي الراحل معمر القذافي توجيه الاتهامات إلى السلطات البريطانية بإيواء إرهابيين على أراضيها، لكن أحدا لم يكن ليستمع للرجل الذي لطالما شكا رسميا وإعلاميا من التعنت الغربي تجاهه.
واستعادة كلمات القذافي الآن بعد نحو ست سنوات على رحيله في انتفاضة شعبية دعمها حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، يؤكدها إعلان الشرطة البريطانية أن الانتحاري الذي نفذ الهجوم على قاعة للحفلات الموسيقية في مانشستر، هو ابن لمواطن ليبي الجنسية منتمٍ إلى جماعة ليبية متطرفة.
ففي الثاني من شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 2004، اعتبر القذافي في مقال له نشره عبر موقعه الرسمي الإلكتروني آنذاك المعروف باسم «القذافي يتحدث»، أن حملة مكافحة الإرهاب تبدأ بضرب بريطانيا، التي رأى أن لها «نصيب الأسد» في إيواء الإرهابيين.
وتساءل: «هل حقا ستهاجم أميركا قواعد الإرهاب والدول التي تؤوي الإرهابيين، وبخاصة أن بريطانيا لها في ذلك نصيب الأسد؟» وتابع: «لا نعتقد ذلك إلا إذا كنا سنفعل هكذا ضد كل دولة تؤوي الإرهابيين باستثناء بريطانيا». بالأمس، خرج رمضان أبو القاسم محمد علي العبيدي، ليقول: إن ابنه سلمان العبيدي والمولود في مانشستر عام 1994 بريء، وأن الشرطة البريطانية اعتقلت نجله الثاني. ونقل عنه موقع «بلومبيرغ» الأميركي، أنه تناقش مع ابنه الذي قال: إنه نشأ في أسرة متدينة، حول بعض الهجمات الإرهابية التي وقعت مؤخرا، حيث زعم أن ابنه كان رافضا لها. وقال: إنه يشعر بالاستغراب لتورط ابنه في هجوم مانشستر، لافتا إلى أنه تعرض للصدمة لدى متابعة الأخبار، وما زال يرفض تصديقها، وبخاصة مع حلول شهر رمضان.
لكن وثائق نظام القذافي تشير إلى العبيدي الأب على أنه ضمن عناصر تنظيم «القاعدة»، وتصنفه أحد أعضاء الجماعة الليبية المقاتلة، التي يترأسها عبد الحكيم بلحاج، الرئيس الحالي لحزب سياسي وأحد أمراء الحرب في العاصمة الليبية.
بلحاج نفسه أقام دعوى قانونية ضد بريطانيا بسبب ادعائه بقيام قوات الأمن البريطانية بتسليمه بشكل غير قانوني ليواجه التعذيب في ليبيا أثناء حكم القذافي، علما بأن بلحاج الذي قاد الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا التي شنت تمردا ضد القذافي في التسعينات، قد أمضى وقتا مع المتشددين في أفغانستان، لكنه يدعي في المقابل أنه لم يكن متحالفا مع أسامة بن لادن زعيم القاعدة.
العبيدي، والد المتهم بهجوم مانشستر، هو أيضا أحد أعضاء «حزب الأمة» الذي يترأسه سامي الساعدي، المكنى «أبو المنذر»، وهو أحد مساعدي بلحاج، وصديق شخصي لسهيل نجل الصادق الغرياني، مفتي ليبيا المقال من منصبه والمتهم بتحريض الشباب على القتال ضد قوات للجيش الوطني الليبي.
وكشفت وثيقة تم تداولها أمس على شبكة الإنترنيت، ويفترض أنها من سجلات جهاز الأمن الداخلي في عهد القذافي، عن أن اسم العبيدي كان مدرجا على قائمة طويلة تضم المئات من المطلوبين للعدالة. كان الرجل من سكان منطقة قصر بن غشير في طرابلس قبل أن يحصل على حق اللجوء السياسي إلى بريطانيا برفقة زوجته الليبية أيضا «سمية الطبال» البالغة من العمر خمسين عاما. الصحف البريطانية أكدت صحة هذه المعلومات، مشيرة إلى أن عائلة الإرهابي استقرت في مانشستر قبل نحو عشر سنوات».
وعبرت وزيرة الداخلية البريطانية أمبر راد عن اعتقادها بأن العبيدي الابن منفذ هجوم مانشستر عاد مؤخرا من ليبيا. وردا على سؤال خلال مقابلة مع تلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عما إذا كان سلمان عبيدي عاد مؤخرا من ليبيا قالت أمبر «نعم، أعتقد أن ذلك تأكد. عندما تنتهي هذه العملية نريد أن نبحث خلفيته، وكيف أصبح متطرفا وما هو الدعم الذي ربما حصل عليه».
لكن إعلان وزير الداخلية الفرنسي جيرار كولومب أن منفذ الاعتداء، سافر «على الأرجح» إلى سوريا، يعيد إلى الأذهان العلاقة التي لطالما تفاخر بها ثوار ليبيا مع الجماعات المسلحة في سوريا.



اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.


العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.