شخصيات جاكومَتي الخيطية ترحل من الوجود إلى العدم

غاليري «تيت مودن» ينظم له معرضاً استعادياًَ يغطي خمسة عقود

«الرجل الموميء بسبابته» 1947
«الرجل الموميء بسبابته» 1947
TT

شخصيات جاكومَتي الخيطية ترحل من الوجود إلى العدم

«الرجل الموميء بسبابته» 1947
«الرجل الموميء بسبابته» 1947

يحتضن غاليري «تيت مودن» بلندن معرضا استعاديا كبيرا للفنان السويسري ألبرتو جاكومَتي. وقد ضمّ المعرض أكثر من 250 عملا فنيا يجمع بين الرسم الزيتي والأعمال النحتية المصنوعة من الطين والجص والمرمر والخشب والبرونز. يكمن التحدي الأكبر في هذا المعرض أنه يغطي الجزء الأعظم من تجربة الفنان، كيف بدأ؟ وبمن تأثر؟ وما المدارس والتيارات الفنية التي انضوى تحتها؟ وكيف صنع بصمته الخاصة التي تحيل إليه في خاتمة المطاف؟ وبما أنّ هذا المعرض يغطي مدة خمسة عقود، فلا غرابة أن نصادف أعماله الأولى مثل منحوتة الصبي سيمون بيرار التي أنجزها عام 1917 - 1918 حتى أعماله الأخيرة مثل «التماثيل الأربعة» الصغيرة التي أنجزها قبل وفاته بقليل.
ينحدر جاكومَتي من أسرة فنية، فوالده جيوفاني جاكومَتي هو رسّام ما بعد انطباعي، وشقيقه دييغو نحّات معروف، أما الأخ الثالث برونو فقد أصبح مهندسا معماريا. لا شك في أن لوحات الوالد وكتبه ومجلاته الفنية هي التي حفّزت ألبرتو على حُب الفن، والانقطاع إليه، فبدأ الرسم والنحت منذ وقت مبكر جدا خصوصا أنه تتلمذ في مدرسة الفنون الجميلة بجنيف قبل أن ينتقل إلى باريس عام 1922، ليتعرّف هناك على حركتين فنيتين مهمتين، وهما التكعيبية والسريالية، ليستوحي منهما كثيرا من موضوعات أعماله المبكرة.
ليس مصادفة أن يضع القائمون على المعرض 28 منحوتة في الصالة الأولى، فغالبية هذه التماثيل الرأسية والنصفية تعود لأمه وأبيه وأشقائه وأصدقائه المقرّبين، لكن لو تأملنا بعضها جيدا لوجدنا فيها شيئا مختلفا لا ينتمي للنحت السائد آنذاك، فعلى الرغم من وجود بعض المنحوتات الطبيعية التي تلبّي اشتراطات الفن الكلاسيكي فإن هناك منحوتات أخرى تخالف ما هو سائد ومألوف كما هي الحال في منحوتة صديقته الفنانة الأميركية فلورا مايو التي نفّذها بالجص وقطع وجهها بشكلٍ مسطّح ثم حفر عليه المعالم بآلة حادة ولم يجد حرجا في تزيينه ببعض الألوان الجذابة. في الصالتين الثانية والثالثة ثمة أعمال نحتية تكعيبية مثل «الثنائي»، و«الرأس المُحدّق» و«المرأة المستلقية التي تحلم» وغيرها من الأعمال التي لفتت انتباه السرياليين ووجدوا ضالتهم فيها، الأمر الذي جعلهم يستقدمونه إلى حركتهم الفنية التي تفتقر إلى المنطق، وتعبِّر عن العقل الباطن.
تضمّ الصالة الرابعة خمس منحوتات مهمة جدا لعدة أسباب، فهي تكعيبية وسريالية من جهة، كما أنها تكشف عن تأثره بالفن المصري القديم والفن الأفريقي من جهة أخرى. فمنحوتة «المكعّب» المتعددة السطوح توحي بالأوجه الإبداعية المتعددة للفنان نفسه، لكنها لا تخلو من القسوة، والصمت الثقيل، والموت الذي يتحدانا جميعاً، وهو من الأفكار الجوهرية التي اشتغل عليها جاكومَتي كثيراً. أما منحوتة «المرأة الملعقة» فهي مستوحاة مباشرة من تراث شعب الـDan الليبيري الذي يعتقد بأن تجويف الملعقة مساوٍ لتجويف رحم المرأة. ويعتقد كثير من النقاد الفنيين بأن جاكومتي قد كثّف هذه الفكرة ومنحها بُعدا عالميا من خلال تعميم أشكال المنحوتات الأفريقية التي أضاف إليها بعضا من لمساته الخاصة.
على الرغم من أن تماثيل المرأة في أعمال جاكومتي واقفة دائما، بينما يتحرك الرجال في اتجاهات متعددة، فإن تمثال «المرأة السائرة» 1932 يخالف النسق الذي اعتاد عليه الفنان، كما يحمل هذا العمل أصداء الفن اليوناني والفن المصري القديم. يميل هذا العمل إلى البساطة أو السهل الممتنع المقرون بالعمق، لأنه موقن تماما بأن هناك قوة كامنة في الأشياء البسيطة.
كثرت التأويلات بشأن المنحوتة المعنونة بـ«امرأة محزوزة الحنجرة» 1932 فهناك من اعتبرها حشرة أو عقربا، وهناك من صوّرها سُرعوفا يلتهم أنثاه بعد الجماع، ولكن المنحوتة المعدنية في مجمل الأحوال تمثل العنف، والقسوة، والترويع، والاغتصاب، والقتل، ولعل هذه الفكرة مستوحاة من قصة قصيرة للقاتل المتسلسل جاك السفّاح الذي كان يبثّ الرعب في قلوب النساء اللواتي يعملن في الأحياء الفقيرة بلندن.
تتضمن الصالة الخامسة سبع عشرة منحوتة صغيرة جدا، حتى إن الناظر لا يستطيع أن يتعرّف جيدا على ملامح بعض هذه المنحوتات الصغيرة التي تبدو وكأنّ الفنان جاكومتي رآها من مسافة بعيدة. لم تنبع هذه الفكرة من فراغ، فذات مرة شاهد صديقته الفنانة البريطانية إيزابيل نيكولاس، وهي تمشي من بعيد على رصيف شارع سان ميشال، فعلقت الصورة بذهنه وراح ينفذّها في كثير من أعماله الفنية.
تركت الحرب العالمية الثانية آثارها على كل الفنانين الأوروبيين، ووضعتهم جميعا في مواجهة الخوف والقتل والإبادة الجماعية التي لم تتورع النازية والفاشية عن القيام بها في أي لحظة حاسمة. هنا تضاءلت فيكَرات جاكومتي وهزلت حتى أصبحت خيطية، وهي في أفضل الأحوال كانت تشبّه بسيقان الأشجار الجرداء في موسم الشتاء تارة، وبالهياكل العظمية التي لا يكسوها سوى الجلد. كان جاكومتي صديقا لعدد غير قليل من الأدباء والفنانين والفلاسفة أمثال صموئيل بيكيت، وجان جينيه، وأندريه بروتون، وسارتر، وسيمون دي بوفوار، وغيرهم السرياليون والوجوديون والعبثيون الذين أوحوا إليه بثيمات العبث، واللاجدوى، وثنائية «الوجود والعدم»، وما إلى ذلك من أفكار سوداوية انعكست لا شعوريا في منجزه الفني، حيث حقق لنا أعمالا نحتية تنطوي على استطالات في معظم معالم الجسد البشري خصوصا الأطراف والعنق والوجه الذي بَراهُ حتى صار أشبه بحافة السكين! تبدو السطوح الخارجية لتماثيله وكأنها عُجُر أو كرات طينية مدوّرة من سمت الرأس إلى أخمص القدمين، نساء ورجالاً، صغارا وكبارا، وكأنّ الفنان لا يحبّذ السطوح الملساء أبدا.
ما يميز هذا المعرض الاستعادي هو حضور «نساء فينيسيا» التي رُمم بعض فيكَراتها الثمانية وعرضن جميعا في مكان واحد. وبما أن المعرض يضم لوحات زيتية منفّذة بأسلوب مرهف وتقنية عالية، فلا بد من الإشارة إلى لوحات زوجته أنيت آرم وشقيقه دييغو، وعشيقته كارولين وبعض أصدقائه من الأدباء والفنانين والمفكرين والمصورين الذين أحبّ منجزاتهم الإبداعية فخّلدهم في لوحاته الزيتية على وجه التحديد.
يتفرد هذا المعرض الاستعادي بوجود الأعمال النحتية التي بيعت بأسعار فلكية مثل تمثال «الرجل المومئ بسبابته»، الذي بلغ ثمنه 141.3 مليون دولار أميركي. وقد وصف النقاد هذا التمثال غير الواقعي بأنه «مزيج من الهشاشة والتصميم القوي». التمثال يومئ بيده اليسرى، ويؤشر بسبابة يده اليمنى إلى شيء معين لم نتعرف عليه كمشاهدين، وهو سائر من مكان ما مجهول بالنسبة إلينا، وذاهب إلى مكان لا نعرفه أيضاً. إنها، على أي حال، رحلتنا في الزمان والمكان، وأقدامنا التي تبدو مغروسة في الأرض ما هي إلا وهم آخر من أوهام الوجود.
أشرنا سلفا إلى أنّ جاكومَتي تبنى السريالية والتكعيبية بعد بدايته الكلاسيكية، لكنه سرعان ما تبنى ثلاثة تيارات فنية في آنٍ معا، وهي التعبيرية التي تتمثل في مجمل أعماله النحتية ولوحاته الزيتية التي تمحورت على فن البورتريه، والشكلية، إضافة إلى التشخيصية التي تُعد الركيزة الأساسية في منجزه الإبداعي الذي يمثل فيه الإنسان رمزا شعبيا لصدمة ما بعد الحرب.
حاز الفنان ألبرتو جاكومَتي كثيرا من الجوائز المحلية والعامة، نذكر منها الجائزة الكبرى للنحت في بينالي البندقية عام 1962، والجائزة الوطنية الفرنسية الكبرى للفنون عام 1965.



3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».