فتوى قانونية ضد تكليف معيتيق تضع ليبيا أمام مأزق دستوري

اغتيال مسؤول الاستخبارات بالمنطقة الشرقية في بنغازي

رئيس لجنة صياغة دستور جديد لليبيا علي الترهوني يتحدث خلال مؤتمر صحافي في طرابلس أمس (إ.ب.أ)
رئيس لجنة صياغة دستور جديد لليبيا علي الترهوني يتحدث خلال مؤتمر صحافي في طرابلس أمس (إ.ب.أ)
TT

فتوى قانونية ضد تكليف معيتيق تضع ليبيا أمام مأزق دستوري

رئيس لجنة صياغة دستور جديد لليبيا علي الترهوني يتحدث خلال مؤتمر صحافي في طرابلس أمس (إ.ب.أ)
رئيس لجنة صياغة دستور جديد لليبيا علي الترهوني يتحدث خلال مؤتمر صحافي في طرابلس أمس (إ.ب.أ)

دخل أمس المشهد السياسي في ليبيا مرحلة أزمة جديدة وغير مسبوقة على الإطلاق، بعدما أفتت إدارة القانون والفتاوى بوزارة العدل الليبية بغياب الشرعية والقانونية عن قرار نوري أبو سهمين، رئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان)، الخاص بتعيين عمر معيتيق رئيسا للحكومة الجديدة، وتكليفه تشكيلها خلال 15 يوما.
وقالت الإدارة، التي لجأت إليها حكومة عبد الله الثني المؤقتة للحصول على رأيها فيما يتعلق بالجدل الذي صاحب عملية انتخاب معيتيق، وتضارب المواقف بين أبو سهمين ونائبه الأول عز الدين العوامي، إن «حكومة معيتيق غير شرعية، وإن حكومة الثني هي صاحبة الشرعية الوحيدة في الدولة».
ولم يصدر على الفور أي تعليق رسمي من رئيس البرلمان أبو سهمين، فيما قال أحمد الأمين، الناطق باسم الحكومة الليبية، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحكومة لم تتسلم بعد نص الفتوى القانونية بشأن أن انتخاب معيتيق غير شرعي. وقال الأمين عبر الهاتف من طرابلس: «في كل الأحوال، سنلتزم بالقانون. الكرة الآن في ملعب (المؤتمر الوطني)، المسألة لم تنته بتعيين معيتيق.. يتعين أن ننتظر لنرى ما إذا كان (المؤتمر الوطني) سيمنح حكومته الجديدة الثقة، أم لا».
وتتبع إدارة القانون وزارة العدل الليبية، وسبق لها إصدار قرارات في كثير من القضايا المهمة مثل العزل السياسي وتجميد عضوية أعضاء «المؤتمر»، وسبق لـ«المؤتمر الوطني»، الذي يعد أعلى سلطة دستورية وتشريعية في البلاد، أن استعان بأحكامها. وكانت «الشرق الأوسط» انفردت قبل يومين بنشر طلب الحكومة الانتقالية في ليبيا رسميا رأي الإدارة لحسم الجدل حول ملابسات انتخاب معيتيق.
من جهته، أعلن العوامي، في مؤتمر صحافي عقده عصر أمس بالعاصمة الليبية طرابلس، أن عملية انتخاب معيتيق شابتها مشاكل قانونية وجرت في غيابه بعدما قام برفع جلسة التصويت، موضحا أنه «خلال تلك الجلسة، جرت المناداة على الأعضاء وصوتوا لصالح معيتيق، الذي حصل على 113 صوتا فقط»، أي أقل من النصاب القانوني المطلوب وهو 120 صوتا من أصل 200 هم إجمالي عدد أعضاء «المؤتمر»، وفقا للتعديل الذي أجراه المؤتمر في 11 مارس (آذار) الماضي.
وأضاف العوامي: «أعلنت ذلك لكل الأعضاء، وبدأ بعضهم مغادرة مقاعدهم. وهددت برفع الجلسة، ووجه أحدهم لي عبارة نابية، ولم يستجب لطلبي بالحصول على ناقل الصوت لإعلان رفع الجلسة. وبعد مغادرة القاعة، وجدت النائب الثاني (صالح المخزوم) يترأس الجلسة، وقلت للأعضاء إنني رفعت الجلسة ثم خرجت من القاعة وذهبت إلى مكتبي». وتساءل العوامي: «بالله عليكم، هل ما شهدتموه من تجمع الأعضاء وحالة الهرج والمرج لا يستوجب رفع الجلسة؟». وأوضح أنه حرصا على تفادي وقوع أزمة أو فراغ في الحكم، فقد وجه رسالة للثني بالاستمرار في رئاسة الحكومة، قبل أن يفاجأ في اليوم التالي برسالة تحمل توقيع أبو سهمين بتعيين معيتيق رئيسا للحكومة، وطلب تشكيلها خلال 15 يوما.
وبعدما لفت إلى أن أبو سهمين كان في إجازة مرضية خارج الدولة حتى يوم الجلسة، قال العوامي: «كان من الأولى به الاجتماع بالنائبين وإعلامهما أولا بعودته إلى العمل، ومن ثم يكون علينا إطلاعه على ما حصل أو جرى في غيابه». وشدد على أن الإجراء الذي اتخذه أبو سهمين وضع الحكومة في حالة حرج، حيث تسلمت طلبين من رئاسة «المؤتمر الوطني» في يوم واحد، مما دفع حكومة الثني إلى طلب رأي إدارة القانون والفتاوى بوزارة العدل. وأضاف: «لقد قمت بما أملاه علي ضميري واحترامي لقسمي باحترام الدستور وسلامة البلاد. موقفي لا علاقة له بشخص معيتيق، وسبق لي أن انسحبت اعتراضا على انتخاب عبد الله الثني». وتابع: «أنا أحترم معيتيق، ولكن الموضوع متعلق بـ(المؤتمر) وإجراءاته التنظيمية، وما يجري من صراعات داخله بين مختلف الكتل والأحزاب السياسية».
من جهته، قال صلاح الميرغني، وزير العدل، إن «مجلس الوزراء أرسل بالفعل رسالة رسمية إلى إدارة القانون، ولكن ليس لدي علم بوصول رد». وأضاف في مؤتمر صحافي عقده مساء: «هناك جدل في (المؤتمر)، لا تعد الحكومة نفسها جزءا من هذا الجدل. الحكومة ستنفذ قرارات (المؤتمر الوطني) مهما كانت، ولكن بسبب الخلاف رأت إحالة الجدل إلى إدارة القانون، وهو ملزم لكل الجهات في ليبيا». وتابع: «نأمل أن يكون هناك رد قريبا، ونأمل أن يكون الحل سياسيا وقريبا.. ولكن الحكومة ستسلم وفقا للإجراءات الدستورية، وليس لدى الحكومة أي رغبة في وقوع أزمة سياسية، وعلى المسؤولين السياسيين التوصل إلى حل سياسي. ونحن كحكومة سنحترم القانون، ونثق بقدرة رئاسة وأعضاء (المؤتمر) على التوصل إلى الحل الصحيح، وأن يبقى في الإطار السياسي ولا يتحول إلى صدام».
وفيما يتعلق بإعلان مسلحين ليبيين يسيطرون على مرافئ نفطية في شرق ليبيا أنهم يرفضون التعامل مع معيتيق، أضاف الميرغني: «هذه مماحكات سياسية لا تشكل لنا أي عائق، هناك اتفاق جرى التوصل إليه والحكومة تقوم بتنفيذه، وهناك أطر مالية وإدارية للتنفيذ. والإجراء يسير سيرا معقولا». وتابع أن «الأطراف المعنية تحترم القانون، ربما البعض يحاول أن يستغل الوضع سياسيا، لكن الأمور تسير بشكل طيب، والحكومة ستنفذ ما جرى التوصل إليه. جرى بالفعل فتح ميناءين، وقريبا سيجرى فتح مينائي السدرة وراس لانوف».
في غضون ذلك، كشف مسؤول بوزارة الداخلية الليبية النقاب أمس عن وضع خطة جديدة لتأمين كل السفارات والقنصليات والبعثات الدبلوماسية في ليبيا بطريقة حديثة من قبل عناصر الأمن. وقال عبد الحكيم البلعزي، مدير مكتب العلاقات بالإدارة العامة لحماية البعثات الدبلوماسية بالوزارة، إن خطة التأمين تشمل أيضا توفير الحماية للسفراء والقناصل بالبعثات الدبلوماسية أثناء تنقلهم داخل المدن والمناطق الليبية، وذلك بناء على طلب من البعثات.
وتزايدت عمليات خطف الدبلوماسيين، والعرب تحديدا، في العاصمة الليبية، حيث ما زال مسلحون مجهولون يحتجزون السفير الأردني لدى ليبيا فواز العيطان واثنين من أعضاء البعثة الدبلوماسية التونسية لمقايضتهم بمتطرفين ليبيين يقضون أحكاما بالسجن في المعتقلات التونسية والأردنية. وعجزت السلطات الأمنية عن معرفة مكان احتجاز الدبلوماسيين الثلاثة، كما لم تعلن حتى الآن أي تطور في شأن اختطافهم منذ بضعة أسابيع.
لكن مجلس الوزراء الليبي أعلن أمس أنه وافق على اعتماد مذكرة تفاهم للتعاون بين وزارة العدل الليبية ونظيرتها الأردنية في مجال نقل المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية، في إجراء قالت مصادر ليبية لـ«الشرق الأوسط» إنه قد يمهد لعودة متطرف ليبي يدعى محمد الدرسي (النص) إلى ليبيا مقابل إطلاق سراح السفير العيطان.
وعلى صعيد ذي صلة، قال متحدث أمني أمس إن مسلحين قتلا مدير جهاز المخابرات العامة للمنطقة الشرقية في ليبيا العقيد إبراهيم السنوسي رميا بالرصاص في مدينة بنغازي. وأضاف المتحدث باسم غرفة العمليات الأمنية المشتركة في بنغازي، إبراهيم الشرع، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن مسلحين ملثمين أطلقا الرصاص على سيارة السنوسي أثناء سيرها في أحد شوارع المدينة الساحلية. ونقل السنوسي إلى المستشفى، لكنه توفي متأثرا بجروحه.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.