الملفات الخارجية تنتظر توجهات حكومة العهد الجديد في فرنسا

الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والساحل والإرهاب تتصدر الاهتمامات

الرئيس ماكرون (وسط) مع رئيس الوزراء إدوار فيليب و11 وزيرة (إ.ب.أ)
الرئيس ماكرون (وسط) مع رئيس الوزراء إدوار فيليب و11 وزيرة (إ.ب.أ)
TT

الملفات الخارجية تنتظر توجهات حكومة العهد الجديد في فرنسا

الرئيس ماكرون (وسط) مع رئيس الوزراء إدوار فيليب و11 وزيرة (إ.ب.أ)
الرئيس ماكرون (وسط) مع رئيس الوزراء إدوار فيليب و11 وزيرة (إ.ب.أ)

اكتمل الطاقم الحكومي الفرنسي الذي ستوكل إليه مهمة إدارة السياسة الخارجية للعهد الفرنسي الجديد مع تعيين جان إيف لو دريان، وزير الدفاع السابق الذي شغل هذا المنصب طيلة خمس سنوات وزيرا للخارجية، وتعيين النائبة في البرلمان الأوروبي سيلفي غولارد، وزيرة للدفاع. وسبق للرئيس إيمانويل ماكرون أن عين السفير فيليب أتيان، مستشارا دبلوماسيا له يساعده الدبلوماسي أورليان لوشوفاليه. ومن جانبه، عمد لو دريان إلى تعيين سفير فرنسا لدى لبنان إيمانويل بون الذي يجيد العربية وله خبرة واسعة في شؤون الشرق الأوسط والعالم العربي بفضل منصبه السابق في رئاسة الجمهورية في عهد الرئيس هولاند، مديرا لمكتبه.
ثمة إجماع على أن تعيين لو دريان في وزارة الخارجية بعد أن تم تداول اسمه رئيسا للحكومة، يمثل مكسبا أساسيا للرئيس الجديد. فلو دريان الذي سيبلغ السبعين من عمره نهاية الشهر المقبل، نجح بصفته وزيرا للدفاع في تنفيذ كل المهمات التي أوكلت إليه في الداخل «ملف الإرهاب» وفي العمليات العسكرية الخارجية «مالي، وأفريقيا الوسطى، والعراق، وسوريا، ومحاربة الإرهاب».
وحظي لو دريان في مهامه السابقة بإطراء اليمين واليسار، لأنه نجح من جهة في «إمساك» القوات المسلحة، ومن جهة ثانية في الحصول على التمويل اللازم في زمن التقشف، وأخيرا لأنه كان «تاجر سلاح» من الطراز الأول، إذ نجح في بيع طائرة «الرافال» الفرنسية المقاتلة، حيث فشل جميع من سبقه، كما أنه «اخترق» أسواقا «مثلا أستراليا التي وقع معها (صفقة القرن) لبيعها 12 غواصة» كانت مقفلة بوجه الشركات الدفاعية الفرنسية.
بيد أن الأهم من ذلك كله أن لو دريان، بفضل تكتمه ومهنيته، أفلح في بناء شبكة واسعة من العلاقات الشخصية مع كثير من قادة العالم، خصوصا في منطقة الخليج والشرق الأوسط وأفريقيا. وكان وزير الخارجية الجديد دائم السفر والترحال وزار 66 بلدا وقام بـ233 رحلة وقطع مئات الآلاف من الكيلومترات.
ولعب لو دريان دور «المرشد» للمرشح ماكرون في الشؤون الدفاعية والاستراتيجية والسياسية خلال حملته الانتخابية. ويقول دبلوماسي كبير مقرب منه إن الخطاب الذي ألقاه ماكرون في 18 مارس (آذار) الماضي وخصصه للمسائل الدفاعية والشؤون الخارجية «من صناعة لو دريان»، الأمر الذي يدفعه للقول إن وجوده في وزارة الخارجية «يشكل ضمانة لاستمرارية الدبلوماسية الفرنسية».
من بين جميع الرؤساء الفرنسيين، كان هولاند الأكثر نزوعا للجوء إلى القوة العسكرية. وفي أكثر من مناسبة، سرد الرئيس السابق كيف أن طائرات «الرافال» الفرنسية كانت «جاهزة» للانطلاق لمعاقبة النظام السوري وضرب مطارات ومواقع عسكرية له أواخر سبتمبر (أيلول)، ردا على استخدام السلاح الكيماوي في الغوطتين الشرقية والغربية صيف عام 2013. ولم يتردد هولاند في إرسال القوات الفرنسية إلى مالي بداية العام المذكور وإلى أفريقيا الوسطى في العام الذي تلاه وأن ينضم إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية لمواجهة «داعش» في العراق وسوريا فضلا عن العمليات الخاصة التي قامت «أو تقوم» بها قوات الكوماندوز الفرنسية في ليبيا وسوريا والعراق ومالي وبلدان الساحل.. وبمواجهة هذه «السهولة» في اللجوء إلى القوات المسلحة، فإن للرئيس الجديد «فلسفة» مختلفة عنوانها ما يلي: «إن أي عمل عسكري لن يكون له معنى ما لم يندرج في إطار دبلوماسية أو (خطة) سياسية». أما المبدأ الثاني الذي ركز عليه ماكرون في مناسبات سابقة فيقوم على ضرورة وجود «إطار جماعي» يحظى بغطاء شرعي من أجل التدخل العسكري. وعندما اندلعت أزمة استخدام السلاح الكيماوي في خان شيخون والضربة الأميركية التي تلتها، أعرب ماكرون عن استعداده للمشاركة في «عملية عسكرية»، ولكنه اشترط أن تكون «جماعية» ولها «سند قانوني». وفي حديث مطول لصحيفة «ميديا بارت» الإلكترونية، انتقد ماكرون اللجوء المتكرر للقوة العسكرية الفرنسية، بل إنه ذهب إلى وصفها بـ«ترجمة لنظريات المحافظين الجدد»، ذاكرا منها التدخل الفرنسي في ليبيا «في عهد ساركوزي وتدخلات أخرى لم يفصلها، لكن يفهم منه أنها حصلت إبان عهد هولاند». ويؤكد ماكرون أن فلسفته تستوحي خط الجنرال ديغول والرئيس ميتران. وبحسب ما قاله للصحيفة المذكورة، فإن «عدو باريس بعد (الجهاديين) والإرهابيين الإسلاميين هو الدول الفاشلة». ويضيف في جملة غامضة: «سأقوم بكل ما أستطيعه من أجل ضمان استقرار الدول وأفكر خصوصا بسوريا».
يقوم تشخيص الرئيس ماكرون للوضع القائم في سوريا على ملاحظة أن فرنسا «لا يمكن أن تبقى خارج اللعبة» التي تقودها حاليا روسيا وقوى إقليمية مثل تركيا وإيران، وهي أطراف آستانة التي رعت الاتفاق الأخير حول إيجاد مناطق تخفيف النزاع وقبلها اتفاق وقف النار. وتقول أوساط قريبة من ماكرون إن التغير «المحتمل» في المواقف الفرنسية في عهد ماكرون ستكون بدايته التخلي عن المطالبة بتنحي الرئيس السوري منذ انطلاقة المرحلة الانتقالية، وهو ما كانت تطالب به باريس التي كانت الأكثر التصاقا بمواقف المعارضة السورية. ويندرج هذا التوجه، كما تقول هذه المصادر، في إطار «قراءة براغماتية» لحقيقة الوضع السوري وللتحولات الميدانية التي حصلت منذ بداية التدخل الروسي المكثف صيف عام 2015.
لا تزال محاربة «داعش» أولوية فرنسية. لكن أولويتها الثانية اليوم تقوم على المحافظة على بناء الدولة السورية «حتى لا نقع على عراق آخر أو ليبيا أخرى». وما يشغل فرنسا وسيشكل لها بمثابة تحد يتناول مستقبل العراق بعد هزيمة «داعش» في الموصل. وفي حديث لصحيفة «لوفيغارو» الشهر الماضي، طالب مسعود بارازاني الرئيس الرئيس الفرنسي بالاعتراف بالدولة الكردية عندما ستعلن أو على الأقل بعدم ممانعتها. وتبدي باريس مخاوف إضافية بالنسبة لمعركة الرقة التي دعت منذ البداية بإطلاقها بموازاة معركة الموصل. وتتساءل باريس التي لها قوة كوماندوز ومستشارون في شمال سوريا عن الجهة التي ستفرض سيطرتها على المدينة بعد تحريرها وعن «التسويات» التي يتم التحضير لها حول تقاسم النفوذ في شمال وشمال شرقي سوريا بعد دحر «داعش».
لا تتوقف تحديات السياسة الخارجية للعهد الجديد عند سوريا والعراق. ذلك أن باريس مدعوة لصياغة سياسة جديدة إزاء ليبيا، فيما سياستها الحالية تتأرجح بين دعم حكومة الوفاق ومساندة الجنرال خلفية حفتر. كذلك سيتعين على الدبلوماسية الفرنسية أن تعبر عن موقف واضح من الملف الفلسطيني وموضوع الاعتراف بالدولة الفلسطينية مثلما كانت قد تعهدت حكومات هولاند المتعاقبة. وبالطبع، سيكون على ماكرون أن يتبنى مقاربة مختلفة للتعامل مع روسيا تتيح للطرفين التعاون في ملفات أساسية مثل ملف الإرهاب من غير أن يعني ذلك غض النظر عن سياسات موسكو في مناطق أخرى مثل أوكرانيا.



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟