«الطبقة» مدينة سكانها خمسة آلاف... والضحايا ستة آلاف

معركتها حسمت اتجاه السياسة الأميركية الجديدة في التعامل مع الإرهاب

صبيان سوريان يلهوان تحت يافطة السوق المركزي في الطبقة (رويترز)
صبيان سوريان يلهوان تحت يافطة السوق المركزي في الطبقة (رويترز)
TT

«الطبقة» مدينة سكانها خمسة آلاف... والضحايا ستة آلاف

صبيان سوريان يلهوان تحت يافطة السوق المركزي في الطبقة (رويترز)
صبيان سوريان يلهوان تحت يافطة السوق المركزي في الطبقة (رويترز)

تستعيد مدينة الطبقة الواقعة في الشمال السوري بصعوبة أنفاسها بعد أيام على إعلان ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) المدعومة أميركيا السيطرة عليها وطرد ما تبقى من عناصر تنظيم داعش منها. وفيما كشف مصدر قيادي كردي أن «قسد» التي تشكل ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية عمودها الفقري، لا تزال تلاحق عناصر التنظيم الأجانب المتخفين في عدد من الحارات، تحدث ناشطون في الشمال السوري عن أوضاع إنسانية صعبة ترزح تحتها المدينة مع استمرار وجود جثث تحت الأنقاض ونقص في المواد الغذائية والطبية.
حملة «الرقة تذبح بصمت» التي ترصد أحوال المناطق الخاضعة لسيطرة «داعش» في الشمال، تحدثت عن «فرض (قسد) حظرا للتجوال في المدينة خصوصا في الأحياء التي سيطرت عليها موخراً»، لافتة إلى أنها تقوم بـ«نقل كثير من الجثث من المنازل ومن تحت الأنقاض نظرا لكون المعارك في الأسبوعين الماضيين تسببت بدمار قسم كبير من المدينة، خصوصا منطقة الأحياء، آخر نقاط الاشتباك بين الطرفين. وفيها استخدم التحالف الدولي قاذفات (بي52) الأميركية الاستراتيجية وكذلك الطيران الحربي والمروحي، الأمر الذي تسبب بدمار قرابة 50 في المائة من الحي الأول، وما يقارب 40 في المائة في الحيين الثاني والثالث».
من جهة أخرى، قال مهاب ناصر، الناشط المعارض، وابن مدينة الطبقة لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه: «هناك جثث في منطقة الحي الثالث والحي الثاني ما زالت تحت أنقاض المباني»، لافتا إلى أن «الوضع الحالي ما زال سيئا في المدينة الخارجة من حصار محكم، خصوصا أنه حتى الساعة لم يدخل إليها أي مواد غذائية أو طبية. كذلك لا يوجد أي نقطة طبية جاهزة داخل المدينة حتى الآن».
وأشار ناصر إلى أن «الكهرباء ما زالت مقطوعة، وكذلك الاتصالات العادية، أما الاتصالات الفضائية أو عبر الإنترنت، فممنوع استخدامها في المدينة بقرار من (قسد)». وتابع أن الميليشيا المذكورة قامت خلال الأيام القليلة الماضية بإدخال «معلبات إلى المدينة وقامت بتشغيل المياه أيضا و5 أفران... أما العدد الإجمالي للمدنيين الموجودين حاليا بكامل المدينة فهو نحو 5 آلاف. كما يمكن رصد وجود مجموعة على شكل كتيبة كلها من المقاتلين الأجانب معظمهم من الأوروبيين يقاتلون مع وحدات حماية الشعب في سد الفرات، وقسم منهم موجود في مطار الطبقة».
في المقابل، أوضح مصدر قيادي كردي أن «عمليات تمشيط عدد من الحارات في الطبقة مستمرة بحثا عن عناصر (داعش) الأجانب، وهذا شيء طبيعي في المعارك بعد التحرير، كما أن هناك عمليات ناشطة لتفكيك الألغام التي زرعها (داعش)». وأردف المصدر لـ«الشرق الأوسط» قائلا: «قواتنا أعادت عمل أفران المدينة كذلك تقدم المساعدات للمدنيين عبر توزيع المياه والطعام وفتح الطرقات... الوضع الإنساني بشكل عام جيد، لكننا لا شك بحاجة لبعض الوقت لإعادة تفعيل البلدية والدوائر المدنية».
هذا، وتكمن أهمية مدينة الطبقة بكونها تحوي أكبر السدود في سوريا (سد الفرات) الواقع على نهر الفرات، كما فيها أحد أهم المطارات العسكرية وهو مطار الطبقة العسكري الذي سيطر عليه تنظيم داعش منتصف عام 2014. ويزيد عدد القتلى المدنيين الذين خلفتهم معارك الطبقة، وفق حملة «الرقة تذبح بصمت» عن 6 آلاف لقوا حتفهم نتيجة غارات الطيران الحربي التابع للتحالف الدولي، «حيث استخدم طيران التحالف الكثافة النارية بصورة مفرطة للغاية لتلافي الاشتباكات المباشرة ما بين الميليشيات المتقدمة على الأرض وعناصر التنظيم، الأمر الذي تسبب بمجازر وإصابات كثيرة يتحمل التحالف الدولي مسؤوليتها». ونقلت «الحملة» عن أحد الأشخاص الموجودين حاليا داخل الطبقة قوله «شاهدنا الكثير من الأبنية في الحيين الثاني والثالث مدمرة تماما، حتى إننا رأينا تحت بعضها عددا من الجثث، خصوصا في الحي الثالث حيث يقدر عدد الضحايا المدنيين بـ40، ناهيك بالدمار اللاحق بالبنية التحتية».
الجدير بالذكر أن التحالف الدولي، بقيادة واشنطن، في بيان أصدره يوم الخميس الماضي قال إن مسلحي تنظيم داعش سلموا مدينة الطبقة على نهر الفرات لميليشيا «قسد» قبل أن يفروا ويتعرضوا لقصف التحالف. وأعلن أن «نحو سبعين مقاتلا من التنظيم رضخوا لشروط (قسد)» التي تتألف في معظمها من فصائل كردية، و«سلموا» المواقع التي كانوا لا يزالون يسيطرون عليها في المدينة المحاصرة منذ أسابيع. ولفت إلى أن هذه الشروط تضمنت «تفكيك العبوات الناسفة المحلية الصنع» حول سد الطبقة و«تسليم كل أسلحتهم الثقيلة» و«انسحاب كل مقاتلي (داعش) من مدينة الطبقة». وأضاف التحالف أن قواته «رصدت» لاحقا هؤلاء المسلحين، الذين كانوا يغادرون المدينة وضربتهم «من دون إصابة مدنيين».
من جانب آخر، كشفت معركة الطبقة إلى حد بعيد «السياسة الأميركية الجديدة في التعامل مع الإرهاب»، وفق تقرير مفصل أعدته «الرقة تذبح بصمت». وفي التقرير أشارت إلى أنه خلال المعركة التي استمرّت قُرابة الخمسين يوماً «توقع عناصر (داعش) تكثيف الهجوم على الرقة من الجهة الشمالية، لكن (قسد) بمساندة كاملة من طائرات التحالف التي لم تفارق سماء الطبقة وريفها؛ استخدمت أساليب قضم الأرض التي يسيطر عليها التنظيم رويدا رويدا، ممعنة في حصار عناصره والتخفيف من كفاءاتهم في الالتحامات المباشرة، والحيلولة دون تنفيذهم عمليات انتحارية تؤّخر تقدّم القوات المهاجمة أو توقع إصابات وخسائر كبيرة في صفوفها».
وأوضح التقرير أن أبرز ملامح «التحوّل في السياسية الأميركية للتعامل مع (داعش)» كان الإنزال الجوي للقوات الأميركية في الثاني والعشرين من مارس (آذار) في أربعة مواقع في ريف الطبقة قامت به بشكل متزامن كل من مشاة البحرية الأميركية «المارينز» و«قسد» لتسيطر بموجبه على الطريق الواصل بين الرقة وحلب. كذلك رصد التقرير تحولا آخر لجهة «استراتيجية المفاوضات مع عناصر (داعش)»، إذ حصلت عدة مفاوضات مع عناصر التنظيم الذين حُوصروا في الأحياء الرئيسية الثلاث في المدينة (الأول والثاني والثالث) وتحصنوا فيها، وتمحورت هذه المفاوضات على خروج آمن لعوائلهم والجرحى منهم، مقابل تسليم المدينة.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.