فنزويلا... وتحدّيات الديمقراطية في أميركا اللاتينية

الأحداث في كاراكاس مرآة لتجارب ما بعد الديكتاتورية والانقلابات العسكرية في القارة

فنزويلا... وتحدّيات الديمقراطية في أميركا اللاتينية
TT

فنزويلا... وتحدّيات الديمقراطية في أميركا اللاتينية

فنزويلا... وتحدّيات الديمقراطية في أميركا اللاتينية

تعد أميركا اللاتينية قارة مفعمة بالتناقضات، فهي وإن كانت قد شهدت بعض الاستقرار خلال السنوات الأخيرة، فإن بعض دولها تعيش أياما صعبة، ومنها ما سقط في خضم من الاضطرابات. وها هي فنزويلا، على سبيل المثال، التي كانت تعتبر في يوم من الأيام واحدة من أغنى دول العالم بفضل مواردها النفطية الهائلة، تكابد الأزمات السياسية والاقتصادية الطاحنة منذ عدة سنوات وحتى الآن.
الحقيقة أن الكثير من الدول التي تكوّن نسيج هذه القارة، تبدو للغرباء عنها وكأنها تتشارك في قواسم مشتركة كثيرة مثل اللغة والثقافة والتاريخ. وهذا صحيح من دون شك. كذلك خلال العقود طوت دول أميركا اللاتينية صفحتي الديكتاتوريات والانقلابات العسكرية، وغدت الانتخابات من العناصر الشديدة الأهمية في أنظمتها السياسية ولكنها يمكن أن تُحل النعم أو تجلب النقم في آن واحد.

يمكن الوقوف على أسباب الحكومات الدائمة الاضطراب والتغير في دول أميركا اللاتينية بعد الاستحقاقات الانتخابية، إذ يمكن للحكومات تغيير مساراتها بوتيرة فائقة السرعة وبأكثر مما تشهده الحكومات الديمقراطية الأخرى. ويمكن إلغاء العمل بالعقود الحكومية، وإخضاع الصناعات للرقابة الصارمة، أو الاستحواذ على الأصول المملوكة للدولة. وعند تقييم الأداء الديمقراطي في دول أميركا اللاتينية، فإن التساؤل الأول ينبغي أن يكون: هل للديمقراطية هناك مفهوم مختلف عن المألوف؟
بابلو جينتيلي، السكرتير التنفيذي لمجلس العلوم الاجتماعية في أميركا اللاتينية، يرى أن هذه المنطقة من العالم تمر بحالة من التشنج، ويشرح قائلا: «هناك نزاع كبير قائم في أميركا اللاتينية حول كيفية عمل الديمقراطية، وهناك الكثير من الحقائق التي تؤكد انعدام التوافق إزاء نموذج الديمقراطية المطلوب اعتماده».
وتذهب مارثا لوشيا ماركيز، الخبيرة في دراسات أميركا اللاتينية في جامعة خافيريانا الكولومبية، أبعد فتوضح أنه في الوقت الحاضر «توجد صعوبات جمة تتعلق بترسيخ الديمقراطية. وهناك توجهات سلطوية في بعض دول القارة مثل فنزويلا وكوبا، ثم ثمة ميل عند دول لاتينية محددة لجعل السلطة التنفيذية أعلى من السلطة التشريعية... بل وإعطاء السلطة التنفيذية سلطات تشريعية. وبالإضافة إلى ذلك، تسمح الدساتير المختلفة هناك بإعادة الانتخاب الذي يمنح بدوره المزيد من السلطات لرؤساء الدول، وهذا الاختلال يعظّم من الأدوار التي يلعبونها في السياسات الداخلية».
وهنا لا بد من الإشارة، إلى أن الرؤساء السلطويين يمقتون أي شكل من أشكال المعارضة. ويمكن مشاهدة هذا بوضوح في الإكوادور، حيث أشرف الرئيس اليساري رافائيل كورييا، بعد ثلاث فترات رئاسية متوالية، على انتخاب خليفته على كرسي الرئاسة لينين مورينو. وفي بوليفيا حدث نفس الشيء تحت حكم الرئيس اليساري إيفو موراليس. ومن ناحية ثانية، فإن التعديلات الدستورية، هي في غالب الأمر، الأداة التي يستخدمها الرؤساء السلطويون للتشبث بالسلطة، وهي من أبرز الأمثلة على هشاشة الديمقراطية واضطرابها في القارة الأميركية.
في الباراغواي، الدولة الصغيرة في أميركا الجنوبية الواقعة بين جارتين كبيرتين هما الأرجنتين والبرازيل، أقدم متظاهرون – أخيراً – على إضرام النيران في مبنى البرلمان أثناء الاحتجاجات الجارية ضد التعديلات الدستورية التي تسمح للرئيس بالترشح لفترة ولاية ثانية على التوالي. وللعلم، أجري التصويت على تلك التعديلات في سرية تامة داخل مجلس الشيوخ، لتأمين إعادة انتخاب الرئيس هوراشيو كارتيز، الأمر الذي يحظره دستور البلاد المعمول به منذ عام 1992.
* تعديل الدستور
لقد مرت التعديلات الدستورية، التي تسمح للرؤساء بتولي المنصب لفترات رئاسية إضافية في كل من الإكوادور وبوليفيا. كما جرت الموافقة على إعادة انتخاب الرئيس في فنزويلا، بيد أن نظام الحكم الاشتراكي هناك شهد بعض الانتكاسات في السنوات الماضية. ففي عام 2007. تعرض الاستفتاء الشعبي على التعديل الدستوري للهزيمة بفارق ضئيل، وكانت تلك الانتكاسة التي واجهها الرئيس السابق الراحل هوغو شافيز في مسعاه للحصول على المزيد من الصلاحيات الرئاسية والقضاء على فترات الولاية الرئاسية غير المحدودة. غير أن هذه الضربة التي تلقاها شافيز وأنصار حركة شافيزمو الاشتراكية المؤيدة له كانت ذات أثر محدود.
وبعدما شهد خليفته الرئيس نيكولاس مادورو، سيطرة المعارضة اليمينية على الجمعية الوطنية (البرلمان)، قضت على فاعلية المعارضة أحكام المحكمة العليا في فنزويلا. إذ حكم القضاة الموالون لشافيز بأن الجمعية الوطنية «متهمة بازدراء المحكمة العليا». وبالتالي، من خلال الاستيلاء على سلطات البرلمان، تمكنت المحكمة العليا من القضاء على آخر أشكال المعارضة المؤسساتية المنظمة المناهضة لحكم مادورو.
وعلى الرغم من أن وضع النظام الحالي في فنزويلا متراجع الآن، فإن هذه الحلقة من التاريخ المعاصر تسلّط الضوء على أوضاع الديمقراطية الهشّة للغاية في البلاد. بالإضافة إلى ذلك، منع زعيم المعارضة الأبرز والمرشح الرئاسي الأسبق، هنريكي كابريليس، من الترشح في الانتخابات الرئاسية لمدة 15 سنة. ونتيجة لذلك، اندلعت الاحتجاجات الحالية العارمة في شوارع العاصمة كاراكاس والمدن الأخرى ضد نظام مادورو بصورة تكاد تكون شبه يومية. وبينما يطالب السواد الأعظم في معسكر المعارضة برحيل مادورو عن السلطة، تقترب فنزويلا من التحول إلى واحدة من أكثر المناطق عنفا في القارة.
الخبيرة ماركيز، فإن الرئيس مادورو دأب على القضاء على كل المنافسين السياسيين الذين قد يعملون على مناهضة حركة شافيزمو الاشتراكية في الانتخابات الرئاسية لعام 2018. وفي حالة فنزويلا، الدولة الأكثر تطرفا من الناحية السياسية في المنطقة، ينصح جينتيلي قائلا: «إذا كان لديك حريق مشتعل فأسوأ ما يمكنك فعله هو وضع الوقود بجانبه. وليس في مصلحة فنزويلا على الإطلاق أن تكون المناصب في البلاد مقتصرة على مصالح مجموعة واحدة دون أخرى. ولن يجني أي قطاع فيها خيراً إذا ما استمر في إبادة القطاع الآخر».
* البرازيل والأرجنتين
من جهة ثانية، صار المواطنون في الآونة الأخيرة أكثر اهتماماً بشؤون بلادهم، وما عادوا يطيقون الصمت على الممارسات الخاطئة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الوضع الحالي في البرازيل، التي تجد نفسها في مستنقع أزمة سياسية خلّفت آثاراً اقتصادية مدمرة. ففي العام الماضي دفعت الرئيسة السابقة ديلما روسيف ثمن فضائح فساد اتهم بها حزب العمال الحاكم. وعلى الرغم من أن روسيف لا تتحمل مسؤولية تلك الاتهامات بصورة مباشرة، فإن فضيحة الفساد التي تتعلق بشركة النفط الكبرى «بتروبراس» المملوكة للحكومة قضت على شعبية حكومتها، وعلى شعبية الرئيس الحالي ميشال تامر أيضاً. ووفق جينتيلي «ثمة حيرة عظيمة وسخط كبير فيما يتعلق بالطبقة السياسية الحاكمة في تلك البلاد».
وعلى حدود البرازيل، اتخذت الأرجنتين القرار بتعديل الدستور للسماح للرئيسة السابقة كريستينا فيرنانديز كيرشنر بالترشح لولاية رئاسية ثالثة في انتخابات عام 2015 الرئاسية، غير أن الأداء السيئ وتهم الفساد وانقسام معسكر اليسار والوسط الذي كانت تمثله فيرنانديز كيرشنر – التي لم تترشح في ذلك العام – أدى إلى خسارة مرشحها الانتخابات الرئاسية الأخيرة أمام مرشح اليمين موريسيو ماكري في أواخر 2015.
الحقيقة، أن هناك عدداً من دول أميركا اللاتينية التي، مع عودة الديمقراطية بعد عقود، حظرت التجديد للرؤساء، في محاولة لمنع نشوء أنظمة حكم سلطوية. من هذه الدول تشيلي والبيرو، على سبيل المثال، فهذان البلدان «الجاران» لا تسمح للرئيس بتولي المنصب بعد فترتين رئاسيتين متتاليتين، ولقد قاومتا بشدة إغراءات التعديلات الدستورية. ولكن على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الأحداث في فنزويلا تذكّر القارة بأسرها أن الديمقراطية هناك فعلاً ضعيفة. وحيث إن المنظمات الإقليمية التي تمثل هذه الدول، مثل الكتلة التجارية لبلدان القطاع الجنوبي «ميركوسور» أو منظمة الدول الأميركية «أواس»، لم تقدم سوى ردود فعل ضعيفة ومحدودة على تصرفات نظام حكم نيكولاس مادورو، وفي ظل الأفعال الأخيرة من جانب المحكمة العليا الفنزويلية، لا بد من وجود ردود فعل أكثر قوة وصرامة. ووفقا للخبراء في شؤون أميركا اللاتينية، فإن نموذج الديمقراطية الجديد قد يأخذ طريقه نحو التشكل في المستقبل، ولكن ليس بالضرورة في وقت قريب، وبالتالي، علينا الانتظار لنرى كيف ستتجه الأحداث.
في بوليفيا، يقول مراقبون إن الرئيس أيفو موراليس، في السنة الـ 11 من مدته الرئاسية، بات مهتماً بالحملة الانتخابية أكثر من اهتمامه بتحسين ظروف المواطنين وأوضاعهم. مع ذلك، يشير هؤلاء إلى أن هدفه الأساسي هو الحصول على دعم البلاد في عام 2019 لتعديل القانون بحيث يتاح له الترشح لفترة رئاسية رابعة. وفي وقت سابق من هذا الشهر، بعد تحرك شعبي، وافقت الحكومة على رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 11 في المائة لتصل إلى نحو 287 دولارا أميركيا.
* مسار فنزويلا
رونالد رودريغيز، الخبير في شؤون فنزويلا في جامعة ديل روزاريو في جمهورية كولومبيا المجاورة، يقول: إن فنزويلا معتادة على الأنظمة القاسية «فخلال القرن التاسع عشر، اعتاد القادة النافذون المحليون على تعديل الدستور. كذلك يمكن للمرء الحديث عن حكام أشداء خلال النصف الأول من القرن العشرين ومنهم خوان فيشنتي غوميز، الذي عدّل الدستور ثماني مرات، وهو ما يشير إلى أن تعديل الدستور من الممارسات المعتادة، في حين أنه خلال الحقبة الديمقراطية لم يتم تعديل الدستور إلا مرة واحدة».
وبالتركيز على الوضع في فنزويلا، فإنه يزداد سوءاً كل يوم عن اليوم الذي يسبقه، حسبما تشير الإحصاءات الأخيرة حيث بلغ عدد القتلى في الاحتجاجات الحاشدة تجاوز 30 قتيلا حتى الآن، في حين ازداد عدد الجرحى على 500. وتزداد الأرقام مع مرور الأيام. كذلك تكشف المعطيات الجديدة عن نية مادورو واعتزامه التمسك بالسلطة بأي ثمن. وكان قد صدم العالم أخيراً بإعلانه غير المتوقع عن تشكيل مجلس تأسيسي وطني لصياغة دستور جديد. والجدير بالذكر، أن سلفه هوغو شافيز، مؤسس التيار الشافيزي اليساري، هو الذي صاغ الدستور الحالي عام 1999.
من المفترض الآن إجراء الانتخابات الرئاسية، التي ينبغي اختيار خليفة لمادورو، عام 2018. إلا أنه ما زال طي المجهول ما إذا كانت تلك الانتخابات ستجرى أم لا، خاصة أنه يمكن أن يسفر التعديل الجديد للدستور من جانب مادورو عن بقائه في السلطة لأجل غير مسمى.
بطبيعة الحال تعهدت قوى المعارضة اليمينية بمقاومة أفعال الرئيس اليساري، مناشدة الشعب مواصلة الخروج في مسيرات في الشوارع والساحات. وتقول ليليان تنتوري، زوجة ليوبولدو لوبيز، أحد قادة المعارضة والمعتقل السياسي الذي أمضى ثلاث سنوات في السجن: «كيف يعقل أن يرغب ابن شافيز في القضاء على الشيء الوحيد الذي تركه شافيز في البلاد وهو دستور يزخر بحقوق الإنسان؟ ما يحدث هو أن النظام الحاكم، مع الأسف، لا يلتزم لا بالقانون ولا الدستور، ونحن نواجه مشكلة حيث لا توجد ديمقراطية في فنزويلا»، على حد زعمها.
في سياق متصل، كان مستشار الأمن القومي الأميركي الجنرال هاري مكماستر ورئيس البرلمان الفنزويلي (معارض) خوليو بورخيس قد اتفقا أخيراً في العاصمة الأميركية واشنطن على الحاجة إلى إنهاء الأزمة السياسية والاقتصادية التي تشهدها فنزويلا بشكل سريع وسلمي، بحسب إعلان صادر عن البيت الأبيض. وفي هذه الأثناء، تواجه فنزويلا أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها وسط معاناة السكان من نقص حاد في الغذاء والدواء أمام خلفية سب تضخم مرتفعة للغاية، وتطالب المعارضة اليمينية الرئيس مادورو، بالتخلي عن السلطة وإجراء انتخابات رئاسية جديدة. كذلك تتهم المعارضة مادورو أنه من خلال فرض دستور جديد على البلاد إنما يسعى إلى الاستيلاء على السلطة الوحيدة الباقية للبرلمان، حيث الغالبية للمعارضة، من أجل حكم البلاد دون رقابة أو توازن. ومن ثم، من المتوقع أن يتفادى الدستور الجديد الذي يريده مادورو إجراء انتخابات جديدة، وهي من المطالب الأساسية لقوى المعارضة.
هذا الحال دفع البابا فرنسيس للإعراب عن قلقه إزاء الوضع في رسالة وجهها إلى كبير الأساقفة الكاثوليك في فنزويلا قائلاً إن بالإمكان حل المشاكل إذا كانت هناك «رغبة في بناء الجسور» و«إقامة حوار والالتزام بالاتفاقات». أما زعيم المعارضة هنريكي كابريليس فقال إنه تم اعتقال 85 عنصرا من الجيش بسبب انتقادهم لحكومة الرئيس. وجاءت عمليات الاعتقال تلك مع تصاعد القلق من إمكانية قيام الجيش بانقلاب ضد الحكومة الحالية، وفق مصادر صحافية.
على صعيد، في خطوة أخرى قد تفاقم الأمور أكثر بدأت سلطات فنزويلا عملية التخلي عن عضويتها في «منظمة الدول الأميركية»، التي هي تجمع كبير لدول أميركا الجنوبية والشمالية، وذلك رداً على ضغوط المنظمة باتجاه تغيير مسار البلاد، وإدانتها للانتهاك المنظم من جانب السلطات الحاكمة في فنزويلا لحقوق الإنسان. والواقع أنه في حال انسحاب فنزويلا، ستكون بذلك أول دولة تترك المنظمة في تاريخها. مع ذلك لن يكون الأمر بالبساطة وبالسرعة التي يأملها مادورو، إذ يمكن فرض غرامة مالية على فنزويلا لمغادرة الاتحاد. ولقد أعربت بعض دول أميركا اللاتينية مثل الأرجنتين والبرازيل والبيرو، إضافة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن القلق من تفاقم الأزمة التي تشهدها فنزويلا.
* «تجارب» لاتينية متعددة
على صعيد آخر، له صلة بهشاشة الديمقراطية الأميركية اللاتينية، نشير إلى أنه أثناء فترة حكم الزوجين نيستور وكريستينا كيرشنر في الأرجنتين، كان هناك الكثير من وقائع اضطهاد الصحافة الحرة التي كانت مقالاتها الافتتاحية تزعج الحكومة. وكانت أشهر قضية في هذا السياق قضية صحيفة «كلارين» التي حاولت الحكومة تفكيكها بالقوة. وجارٍ التحقيق مع الرئيسة السابقة كريستينا اليوم في اتهامات فساد، وإثراء غير مشروع، وكذلك يجري التحقيق مع أعضاء آخرين في إدارتها.
ولكن، على الجانب الآخر، تمثل كوستاريكا نموذجاً مغايراً تماماً في أميركا اللاتينية، حيث تُعرف بأن ليس لديها جيش نظامي، ولطالما كانت دولة ديمقراطية مسالمة طوال أكثر سنوات القرن العشرين. كذلك من الملاحظ أنها واحدة من أكثر الدول الصديقة للبيئة على مستوى العالم. وغير بعيد عن كوستاريكا، وبعد ماض مضطرب اتخذت السلفادور خطوة استثنائية تتمثل في حظر استخراج المعادن لتكون بذلك أول دولة في العالم تفعل ذلك. وجاء هذا القرار رغبة منها في الحفاظ على مواردها المائية النادرة، وحمايتها من الملوثات الناتجة عن هذه الصناعة. ولقد ضحى البرلمان باتخاذه هذا القرار بالأرباح من أجل الحفاظ على البيئة والسكان.
في إطار هذا النقاش حول ما إذا كان مفهوم الديمقراطية في أميركا اللاتينية يتغير أم لا، من المهم مراجعة الدور التاريخي الذي اضطلعت به الأحزاب السياسية التي كانت عنصراً أساسيا في الوصول إلى الديمقراطية الصحية.
للأسف فقدت الكثير من الأحزاب العريقة ذات التقاليد التاريخية، التي اعتادت تمثيل قطاع كبير من السكان في البلاد، رونقها وروحها وهويتها الآيديولوجية. وهو ما فتح الباب أمام الأحزاب التي تسعى إلى الفوز بالانتخابات من خلال قادة يعتمدون في الوصول إلى السلطة على قوة شخصيتهم وشعبيتهم فقط.
ويتضح كثيراً هذه الأيام أن هناك نوعين من أنظمة الحكم في أميركا اللاتينية: نوع ذو توجه اشتراكي يفقد قوته ونفوذه في المنطقة كحال فنزويلا والإكوادور وبوليفيا وكوبا ونيكاراغوا. ونوع آخر يميل إلى تيار اليمين في دول وسط أميركا اللاتينية مثل الأرجنتين والبرازيل والبيرو. والقادة اليمينيون لهذه الدول لا يترددون في وصف الوضع في فنزويلا بفقدان حالة الديمقراطية.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.