ردود فعل متباينة إزاء اتفاق السراج وحفتر

انقسام بين العسكريين وترقب من قادة القبائل في ليبيا

ردود فعل متباينة إزاء اتفاق السراج وحفتر
TT

ردود فعل متباينة إزاء اتفاق السراج وحفتر

ردود فعل متباينة إزاء اتفاق السراج وحفتر

اتفق اثنان من الأطراف الرئيسية في النزاع الليبي، هما المجلس الرئاسي برئاسة فائز السراج، والجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، أمس، على تهدئة التوترات ومكافحة الإرهاب. لكن طريق إنهاء الصراع يبدو أنه ما زال طويلا، حيث لم يطرح السراج وحفتر طريقا مشتركا واضح المعالم، يمكن أن يؤدي إلى اتفاق سياسي لتوحيد البلاد.
وقال الطرفان، بعد يوم من لقاء جمعهما في أبوظبي، إنهما اتفقا على العمل من أجل حل الأزمة. إلا أن ردود قادة عسكريين وسياسيين وقبليين في ليبيا، بشأن احتمال تقاسم السلطة بين السراج وحفتر، بدت متباينة.
وقال أحد ألد خصوم حفتر العسكريين لـ«الشرق الأوسط»، هو العميد مصطفى الشركسي، آمر سرايا الدفاع عن بنغازي: «أستمد شرعيتي من المجلس الرئاسي. لسنا ضد الاتفاق، لكن التقاليد العسكرية تمنع تقبُّل حفتر في مؤسسة الجيش». إلا أن تسريبات عن احتمال اختيار العقيد سالم جحا، لشغل موقع رئيس الأركان الشاغر منذ أكثر من عامين، ربما تؤدي إلى استرضاء بعض خصوم حفتر. وسيكون على العقيد جحا بذل جهود صعبة لجمع شمل العسكريين الأقوياء في بلدته، مصراتة، ذات التسليح القوي. وهي مدينة ظلت تنظر بتشكك إلى طموحات حفتر في حكم ليبيا، منذ ظهوره على رأس جانب من الجيش في شرق البلاد.
يأتي هذا، في وقت دعت فيه الإمارات إلى سرعة تعيين مبعوث دولي جديد إلى ليبيا، بدلا من رئيس البعثة الحالي، مارتن كوبلر «في أسرع وقت» لضمان «مواصلة الأمم المتحدة في كونها داعما قويا للجهود الرامية إلى معالجة الأزمة».
وفي خطوة قد تسهم في سرعة التقريب بين الليبيين على الأرض، بحث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أثناء زيارته لـ«أبوظبي» أمس، المشكلة الليبية ضمن أزمات المنطقة. وقال مصدر مصري مسؤول لـ«الشرق الأوسط» إن «اللقاء مع الإخوة الإماراتيين سيتطرق بطبيعة الحال إلى التطورات على الساحة الليبية، واللقاء الأخير بين السراج وحفتر».
من جانبه، أكد السراج في بيانه أنه جرى الاتفاق على «وضع استراتيجية متكاملة لتطوير وبناء الجيش الليبي الموحد وفق أحدث المعايير والمواصفات، والتأكيد على انضواء المؤسسة العسكرية تحت السلطة المدنية».
بدوره، أفاد بيان للمشير حفتر بأنهما اتفقا على «عدم التفريط في تضحيات الجيش الليبي والليبيين الشرفاء في كامل أنحاء البلاد؛ شرقها وغربها وجنوبها، وحفظ السيادة الوطنية، وتمكين المؤسسة العسكرية من أداء مهامها كاملة في محاربة الإرهاب». وأضاف أن الحوار تطرق «إلى ضرورة العمل على رفع الحظر عن تسليح الجيش الليبي».
وناقش الطرفان في أبوظبي، المعوقات التي حالت دون تنفيذ الاتفاق السياسي الذي جرى توقيعه في الصخيرات المغربية في أواخر عام 2015. ووجه السراج وحفتر التحية للشعب الليبي على تضحياته من أجل الحرية والعيش الكريم، ومن أجل الدفاع عن الوطن ومقدراته. كما تقدما بالشكر لدولة الإمارات ودول الجوار الليبي؛ ومنها مصر وتونس والجزائر، إلى جانب الأمم المتحدة، لمساعيهم في إيجاد حل للأزمة الليبية.
وتناولت مباحثات السراج وحفتر وضع استراتيجية متكاملة لتطوير وبناء جيش موحد وفق أحدث المعايير والمواصفات. وأكد الطرفان أيضا على اتخاذ كل التدابير التي تضمن التداول السلمي للسلطة. لكن الدكتور محمد الزبيدي، الرئيس السابق للجنة القانونية لمؤتمر القبائل الليبية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الجيش ما زال يقاتل بعضه بعضا حتى هذه اللحظة، بخاصة في الجنوب، وإن إنجاز الدستور تمهيدا لإجراء انتخابات، ما زال أمرا بعيد المنال. وأضاف: «لا أعتقد أن ما ورد من نقاط للتوافق بين السراج وحفتر يمكن أن يثمر عن نتيجة على أرض الواقع، حيث يوجد ترقب للمستقبل من جانب قادة القبائل».
في المقابل، أعرب العميد نجمي الناكوع، آمر الحرس الرئاسي الليبي، عن تفاؤله بخصوص اتفاق أبوظبي. وقال لـ«الشرق الأوسط» من طرابلس: «نحن مع مصلحة ليبيا». وما زالت الحكومة المؤقتة في شرق البلاد، برئاسة عبد الله الثني، تعمل وتؤازر حفتر وتستمد شرعيتها من البرلمان الذي يعقد جلساته في طبرق، برئاسة المستشار عقيلة صالح. وهي توافق إجمالا على ما يتخذه حفتر وصالح.
وبالإضافة إلى حكومتي الثني والسراج، هناك حكومة ثالثة غير معترف بها دوليا في طرابلس برئاسة خليفة الغويل، الذي توجه أول من أمس في زيارة إلى إحدى الدول الأفريقية. ونقل مصدر مقرب منه لـ«الشرق الأوسط» قوله تعليقا على لقاء الإمارات، إنه غير معني به، وإن حكومته مستمرة في ممارسة مهامها في طرابلس، بينما قال العميد محمود زقل، آمر قوات الحرس الوطني التي يعتمد عليها الغويل في العاصمة، لـ«الشرق الأوسط» إنه لن يقبل بوجود حفتر في العاصمة.
وفي ما بدا أنه رد على التصريحات العدائية ضد لقاء السراج وحفتر، من بعض الأطراف، أصدر 28 نائبا في البرلمان من النواب المؤيدين للاتفاق السياسي الليبي دعمهم للقاء. ومن هؤلاء النواب، الدكتور إسماعيل الشريف الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «لقد اتصلنا بكثير من الأطراف المختلفة التي أبدت ارتياحها لاتفاق السراج وحفتر، وصدر قرار من النواب الداعمين للاتفاق السياسي بالتأييد». وأضاف: «نحن نمد أيدينا لكل الليبيين، بلا طمع ولا خوف. حتى من لديه مخاوف يجب أن يجلس ونتناقش سوياً، ولا يمكن أن نتخطى هذه الأزمة إلا بالتنازلات المُرَّة».
وكان البرلمان الذي يرأسه المستشار صالح هو من عين حفتر قائدا عاما للجيش. ورغم قول المصادر إنه جرى وضع شخصية صالح في الاعتبار، في أي ترتيبات مقبلة بشأن إدارة السلطة في ليبيا، فإن الرجل لم يظهر ولم يعلق على ما يجري، حيث أفاد مقربون منه بأنه «يجلس في بيته»، وأن العلاقة بينه وبين حفتر «متوترة» بسبب قيام صالح، قبل أسبوعين، بلقاء في روما مع الدكتور عبد الرحمن السويحلي، رئيس المجلس الأعلى للدولة. ويعد السويحلي من خصوم حفتر الرئيسيين.
وقال نواب البرلمان المؤيدون للاتفاق السياسي في بيان مشترك أصدروه من طرابلس أمس، إن من شأن لقاء أبوظبي تقريب وجهات النظر بين الفرقاء. وأعرب النواب عن أملهم في أن تسفر مثل هذه اللقاءات عن مخرجات واضحة وصريحة، مطالبين هيئة صياغة الدستور بالعمل على إنجاز مهمتها وإحالة مسودة الدستور إلى البرلمان، لكي يطرح للاستفتاء العام، أملاً في إنهاء المرحلة الانتقالية والتأسيس لمرحلة جديدة.
وقال النائب الشريف، وهو نائب مستقل عن محافظة الجفرة، إن اجتماع الإمارات «يعد خطوة مهمة جدا في الوقت الراهن لإذابة الجليد الذي كان جاثما على الاتفاق السياسي، وأدى إلى انسداد السبل أمام كل الليبيين. وهو رسالة مهمة وإيجابية، وسيسهم في توحيد المؤسسة العسكرية، ودعمها في مكافحة الإرهاب».
وتعاني ليبيا من حالة انقسام سياسي وعسكري وفي المؤسسات الرئيسية الأخرى في الدولة منذ أكثر من عامين. وتلكأ كثير من موردي السلع الأساسية من الخارج، في توفير احتياجات الليبيين، بسبب تذبذب سعر الصرف. وأوضح الشريف أن «أخطر شيء أن يصل الانقسام إلى مؤسسات حساسة مثل المصرف المركزي وهيئة الاستثمار ومؤسسة النفط»، مشيرا إلى أن اجتماع أبوظبي أدى إلى تعافي قيمة العملة المحلية أمام الدولار في السوق الموازية خلال اليومين الماضيين، وقال: «اجتماع الرجلين سوف يعمل على القضاء على الاحتراب الداخلي، وسيعطي رسالة طمأنة للتجار والمستوردين، وأنه أصبح بإمكانهم أن ينطلقوا».
وفي ما يتعلق بالوضع العسكري على الأرض، يواجه الجيش الليبي خصومه في حروب مستمرة في الجنوب وفي بنغازي، لكن أهم منطقة للصراع، والتي تؤثر على قلب الاقتصاد الليبي، تعد منطقة الموانئ النفطية والهلال النفطي. وتتمركز في هذه المنطقة الممتدة من منطقة الزويتينة وإجدابيا، حتى الهرواة (الواقعة شرق سرت بنحو 60 كيلومترا)، قوات «عمليات سرت الكبرى» العسكرية. وقالت مسؤولة المكتب الإعلامي بغرفة العمليات، انتصار محمد، إنه «بالنسبة للعسكريين على الأرض هنا، توجد ثقة عميقة في المشير خليفة حفتر. العسكرية تتَّبع أوامر الضبط والربط، ولا علاقة لها بالسياسة. (العسكريون) موجودون في الميادين والمحاور لاستعادة الأرض من المجموعات الإرهابية».
وأضافت: «لا اعتراض لنا على أي إجراءات يتخذها السيد المشير لصالح ليبيا... أي شيء لصالح ليبيا نحن معه. نحن مع دولة القانون. ومن أجرم في حق الليبيين لا بد أن يحاسب»، مشيرة إلى أن الوضع في الهلال النفطي «تحت سيطرة القوات المسلحة، والأوضاع الأمنية مستقرة».
وغير بعيد عن هذه المنطقة، تتمركز قوات ما يعرف باسم «سرايا الدفاع عن بنغازي» التي شنت خلال الأشهر الأخيرة عمليات، في محاولة منها لاستعادة الموانئ النفطية من حفتر. وقال آمر السرايا، العميد الشركسي إنه يعمل بشكل شرعي وإن شرعيته مستمدة من المجلس الرئاسي برئاسة السراج. وأضاف بشأن تعاطيه مستقبلا مع وجود حفتر مع السراج، أن «حفتر، عسكريا، أسير حرب (في إشارة إلى أسره أثناء حملة عسكرية ليبية على تشاد في ثمانينات القرن الماضي)، ولا يمكن أن يشارك في أي عملية أخرى. وكيف يكون قائدي يحمل الجنسية الأميركية؟ نحن كعسكريين، من الصعب أن نتعامل مع مثل هذا الواقع».
لكن العقيد الشركسي، الذي يتولى أيضا موقع آمر منطقة بنغازي العسكرية التي تعمل مؤقتا من مقار في غرب البلاد (وهي غير موالية لحفتر)، أقر بصعوبة إيجاد إجابة واضحة عما سيحدث في المستقبل، بناء على الترتيبات التي ستبنى على اتفاق الإمارات. وقال: «الإجابة صعبة. إذا قلت الإجابة المنطقية، يتهمونك بأنك ضد أي توافق ليبي، وإذا باركت، تكون قد خنت دماء شهداء الثورة ومواضيع كثيرة». وفي مقابل القادة العسكريين الذين يمكن أن يكونوا حجر عثرة أمام الاتفاق، هناك زملاء لهم يسعون إلى التعجيل بتوحيد المؤسسة العسكرية المبعثرة منذ عام 2011. وقال العميد الناكوع: «ما نريده هو حماية ليبيا ومواطنيها ومؤسساتها، بعيدا عن التجاذب السياسي. نحن مع أي خطوة فيها تحقيق لمصلحة ليبيا».



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».