أولويات ترمب في الشرق الأوسط... كبح إيران ومكافحة «داعش»

تضارب تصريحات إدارته يربك سياسة واشنطن لوقف الحرب في سوريا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وفريقه بعد توقيعه أمراً تنفيذياً بوزارة الداخلية أمس (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب وفريقه بعد توقيعه أمراً تنفيذياً بوزارة الداخلية أمس (أ.ب)
TT

أولويات ترمب في الشرق الأوسط... كبح إيران ومكافحة «داعش»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وفريقه بعد توقيعه أمراً تنفيذياً بوزارة الداخلية أمس (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب وفريقه بعد توقيعه أمراً تنفيذياً بوزارة الداخلية أمس (أ.ب)

تغيّرت شعارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب كثيرا بين فترتي الحملة الانتخابية ودخوله المكتب البيضاوي، كما تغيرت مواقفه من زعماء دول كالرئيس الصيني شي جينبينغ ومنظمات دولية كالحلف الأطلسي، إلا أن موقفه من قضيتين اثنتين ظل ثابتا رغم المتغيرات؛ هما كبح طموحات إيران في منطقة الشرق الأوسط ومكافحة تنظيم داعش الإرهابي.
* كبح إيران وتعزيز التعاون الأميركي - الخليجي
نقلت شبكة «بلومبرغ» أمس، أن ترمب تدخل مباشرة لدى وزير خارجيته ريكس تيلرسون لتشديد لهجة رسالة وجهت، الأسبوع الماضي، للكونغرس تقيّم التزام إيران بالاتفاق النووي. وقالت الشبكة، نقلا عن مصدر مطلع لم تعرّفه، إن ترمب شدد على ضرورة تذكير أعضاء الكونغرس بدور إيران في دعم الإرهاب رغم التزامها ببنود الاتفاق. ويقدّم تقييم لمدى التزام طهران بالاتفاق الذي وقعته مع دول (5+1) للمشرعين الأميركيين كل 90 يوما.
وشملت الرسالة كذلك أن الإدارة تدرس إمكانية إعادة فرض عقوبات مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.
وبعد يوم من تقديم الرسالة للكونغرس، ظهر تيلرسون في وزارة الخارجية لانتقاد الاتفاق النووي الذي أبرمه الرئيس باراك أوباما، واصفا إياه «مثالا جديدا لشراء (صمت) قوة ذات طموحات نووية. نسكتهم لفترة قصيرة، ثم يضطر شخص آخر للتعامل معها في وقت لاحق».
ويعتبر الملف النووي من القضايا الخارجية القليلة التي يتفق فيها كل من البيت الأبيض، ووزارتي الدفاع والخارجية، وسفيرة واشنطن لدى الأمم المتحدة على الخطاب نفسه. ذلك أنه في أحيان كثيرة، تصدر من وزارة تيلرسون والسفيرة نيكي هايلي والمتحدث باسم البيت الأبيض شون سبايسر تعليقات متضاربة حول بقاء الأسد في سوريا أو اقتراب حاملة الطائرات الأميركية «كارل فينسون» من شبه الجزيرة الكورية، أو غيرها من القضايا.
واتهم الرئيس الأميركي، الأسبوع الماضي خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء الإيطالي باولو جينتليوني، إيران بأنها «لا تلتزم بروح الاتفاق النووي»، محذراً طهران من أن إدارته تدرس الانسحاب من «الاتفاق السيئ».
من جهتها، لمّحت مندوبة واشنطن الدائمة لدى الأمم المتحدة، نيكي هايلي إلى أن إيران هي الدولة الوحيدة المستفيدة من استمرار الصراعات في منطقة الشرق الأوسط، متهمة إياها، دون ذكرها بالاسم، برعاية إرهاب الدولة.
وقالت هايلي إن الصراعات المتعددة في الشرق الأوسط خلفت مئات الآلاف من القتلى والملايين من النازحين. وقد أضاف تدفق المقاتلين الإرهابيين الأجانب عبر الحدود تعقيدا إلى شبكة مبهمة من الجماعات الإرهابية، مع تحالفات متلاحقة تهدد السلم والأمن الدوليين في المنطقة والعالم.
وفي إشارة مبطنة إلى دور إيران في المنطقة، أشارت السفيرة هايلي إلى أن «مجلس الأمن يتناول عدداً من الصراعات على أساس منتظم، ولكنه كثيراً ما يغفل عن التفاعل بين الصراعات، ودور بعض الأطراف الفاعلة في إثارة الصراع، والاستفادة منه في جميع أنحاء المنطقة».
وفي هذا الإطار، كان عنوان زيارة وزير الدفاع الأميركي الجنرال جيمس ماتيس إلى السعودية تعزيز التعاون بين واشنطن وحلفائها التقليديين في المنطقة، الذي خفت نجمه خلال السنوات الماضية، وتأكيد توجه واشنطن الجديد الرامي إلى التضييق على تدخل إيران في الدول العربية.
وبهذا الصدد، يرى حسين إبيش، الباحث في معهد دول الخليج العربية بواشنطن، أن زيارة وزير الدفاع الأميركي الأخيرة إلى منطقة الشرق الأوسط «كانت مكللة بنجاح كبير من وجهة نظر العلاقات الأميركية - الخليجية، ومطمئنة إلى حد كبير لقيادات دول الخليج العربي». وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» «أنها عززت كذلك، وإلى حد كبير، من بعض الأهداف الرئيسية لإدارة الرئيس دونالد ترمب، بما في ذلك تطوير علاقات مالية قوية، وتقاسم الأعباء الكبيرة مع الحلفاء، والتركيز الشديد على مواجهة إيران، وجهود مكافحة الإرهاب».
وتابع إبيش أن هناك تحوّلا واضحا وكبيرا في السياسة نحو اعتماد سياسات أكثر صراحة حيال طهران على كافة الجبهات تقريبا، والاستمرار في تنفيذ بنود الاتفاق النووي بدلا من إلغائه بالكلية. «ولكن في نفس الوقت، تحديد وضعية إيران باعتبارها المصدر الرئيسي لزعزعة الاستقرار الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط. وهذا من الأمور التي تبعث على الارتياح الكبير بالنسبة للكثير من حلفاء واشنطن في الخليج العربي».
وأضاف إبيش: «بدأنا بالفعل في الانتقال من الطموح إلى العمل الحقيقي، من حيث زيادة مستويات التعاون بين الولايات المتحدة والدول العربية، وهي من العمليات المعقدة بدرجة كبيرة. وبالنسبة إلى العلاقات الأميركية - السعودية، ستستند هذه العملية على أسس استراتيجية عامة، من حيث الجمع بين المبادرات الاقتصادية وإعادة التوجيه العام للسياسات الأميركية في المنطقة لصالح الجانب العربي».
* سياسة مرتبكة في سوريا
صدم الرئيس الأميركي العالم بقراراته المتعلقة بالملف السوري، إذ غيّر معظم مواقفه التي أدلى بها سابقا خاصة منها تلك المتعلقة برفضه رد عسكري على انتهاك نظام الأسد للقوانين الدولية باستخدام السلاح الكيماوي ضد مواطنيه.
وفي عام 2013 عندما رسم أوباما «خطه الأحمر» وهدد بالرد على استخدام الأسد للكيماوي ضد مدنيين، كان ترمب من أشد المعارضين لرد عسكري على الأسد، ونصح أوباما بضرورة الحصول على موافقة الكونغرس.
ومساء الخميس 6 أبريل، أمر الرئيس الأميركي من منتجعه بكاليفورنيا باستهداف قاعدة الشعيرات التابعة للنظام السوري بـ59 صاروخ توماهوك. وسارع حلفاء واشنطن في أوروبا بدعم الهجوم، مشددين على أنها كانت عملية محدودة، لا بداية تدخل عسكري ضد نظام الأسد. ولم تكف هذه التأكيدات لتطمين موسكو، التي نددت بـ«تجاوز السيادة السورية».
وفيما أفادت تسريبات نقلتها صحيفة «واشنطن بوست» أن البنتاغون قدم خطة من ثلاثة محاور للبيت الأبيض هي هزيمة «داعش» وتحقيق الاستقرار وتنظيم المرحلة الانتقالية، لا تزال خطة إدارة ترمب لحل الأزمة السورية يسودها الكثير من الغموض.
وما يزيد من ارتباك الوضع، هو تضارب مواقف نيكي هايلي من جهة، ووزير الخارجية ريكس تيلرسون من جهة أخرى.
وفي مقابلة مع قناة «سي إن إن»، مطلع الشهر الحالي، قالت هيلي إنها ترى أن تغيير النظام في سوريا هو إحدى أولويات إدارة الرئيس دونالد ترمب. وتابعت أن أولويات واشنطن هي هزيمة تنظيم «داعش»، والتخلص من النفوذ الإيراني في سوريا وإزاحة الرئيس بشار الأسد.
وأضافت هيلي «لا نرى سوريا سلمية مع وجود الأسد».
في المقابل، اتخذ تيلرسون موقفا أكثر حذرا في تصريحاته لقناة «فوكس نيوز» في اليوم نفسه، مؤكدا أن هزيمة «داعش» «ستمكننا من توجيه اهتمامنا مباشرة إلى تحقيق استقرار الوضع في سوريا». ثم عاد تيلرسون لتأكيد تصريحات هيلي السابقة خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الروسي، سيرغي لافروف، حيث قال إن «حكم عائلة الأسد قد وصل نهايته».
من جهته، نقل سفير روسيا لدى الأمم المتحدة في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية أمس عن ترمب قوله إن مصير الأسد لا يشكل «عقبة» أمام إنهاء النزاع. وقال بيتر أيليتشيف، عقب اجتماع لترمب مع سفراء مجلس الأمن الدولي، إنه بالنسبة لترمب «بقاء (الأسد) أو رحيله ليس مهما. المهم هو العملية السياسية ووقف إراقة الدماء والأعمال القتالية (....) وعندئذ الشعب سيقرر». ولم يعلق البيت الأبيض على هذه التصريحات حتى وقت كتابة هذه السطور.
وفي إطار الخيارات المطروحة أمام إدارة ترمب، ترى دراسة أصدرها المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتهام هاوس»، أن الخيار العسكري في سوريا لن يأتي وحده بنتيجة. وأن الخلافات بين البيت الأبيض ووكالة الاستخبارات المركزية والبنتاغون تسببت في السابق في فشل السياسات الأميركية؛ في الوقت الذي اقتصر الدور الأوروبي على المجال الإنساني والمساعدات التي لم تأت بثمار في ظل تفاقم العنف.
واعتبرت الدراسة أن واشنطن تستطيع الضغط على النظام السوري باستخدام ورقة العقوبات الاقتصادية ووعود إعادة الإعمار، خاصة في فترة ما بعد انتهاء النزاع، لضمان التزامه أمنيا وسياسيا وعلى مستوى حقوق الإنسان.
* نقل السفارة الأميركية إلى القدس
أثارت تصريحات الرئيس الأميركي حول نقل السفارة الأميركية للقدس وتشجيعه دولا أخرى على نقل سفاراتها، حفيظة الفلسطينيين ومخاوف من اندلاع أعمال عنف بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي في حال نقلها.
وبينما رجح مايك بنس، نائب الرئيس الأميركي، أخيرا أمام لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) نقل السفارة الأميركية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس وقال إن الرئيس دونالد ترمب يدرس الأمر «بجدية»، يبدو أن بحث المسألة تأجل منذ أن تولى ترمب السلطة.
ولم يوضح ترمب موقفه من دعم حل الدولتين كأساس لاتفاق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وقال خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ردا على سؤال أحد الصحافيين: «أدرس كلا من حل الدولتين، والحل الذي ينص على وجود دولة واحدة، وسيعجبني الاتفاق الذي سيعجب كلا الطرفين» الفلسطيني والإسرائيلي. وأضاف ترمب: «أستطيع أن أعيش مع كل منهما، كنت أعتقد سابقا أن الحل يجب أن يقوم على مبدأ الدولتين، واعتبرت أنه الأسهل، لكنني سأكون سعيدا في حال سعادة إسرائيل والفلسطينيين، وأدعم الحل الذي سيعجبهم بشكل أكبر». وفي سياق متصل، أعلن الرئيس الأميركي أن الولايات المتحدة «ستشجع اتفاق سلام عظيما» بين الإسرائيليين والفلسطينيين، مضيفا: «سنعمل على ذلك بشكل دؤوب جدا». وشدد ترمب، في الوقت ذاته، على أنه «على أطراف النزاع التفاوض بشكل مباشر بشأن مثل هذا الاتفاق»، مؤكدا أن «كلا الجانبين سيكون عليهما تقديم تنازلات، كما هو حال كل مفاوضات ناجحة».
وفيما يعلق الإسرائيليون آمالهم على سياسات ترمب، إلا أنه انتقد، بشيء من الخجل، سياسة الاستيطان الإسرائيلية واقترح على نتنياهو «ضبط النفس قليلا» في مجال النشاط الاستيطاني.
من جهتها، اتهمت السلطة الفلسطينية إسرائيل بمحاولة عرقلة زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) إلى البيت الأبيض، في الثالث من الشهر المقبل، قائلة إن «رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يقود برنامجا إسرائيليا لتخريب فرص تحقيق السلام». وجاء ذلك في حين وصل وفد فلسطيني إلى واشنطن لترتيب الزيارة التي يفترض أن تضع اللبنة الأولى لإطلاق عملية سلام جديدة.
ويريد عباس من الرئيس الأميركي رعاية مفاوضات على أساس حل الدولتين. وكان عباس أبلغ ذلك لترمب عندما اتصل به ودعاه إلى واشنطن، وقال له إنه ملتزم بصنع السلام. ويسعى عباس لكسب ترمب وإقناعه بعدالة مطالبه، وهي إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 إلى جانب إسرائيل.
* إخفاقات «حظر السفر»
شكل تعليق القضاء الأميركي لمرسومي حظر السفر أول نكسة حقيقية لإدارة ترمب، إذ علق قاض فدرالي مرسوم حظر السفر الأول الذي أصدره في 27 يناير (كانون الثاني) لحظر دخول مواطني 7 دول ذات غالبية إسلامي، هي العراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان والصومال وإيران، وتعليق دخول اللاجئين لمدة 120 يوما واللاجئين السوريين إلى أجل غير مسمى. وتسبب القرار في غضب مواطنين أميركيين نظموا مظاهرات قرب برج ترمب بنيويورك وتوافدوا على المطارات للمطالبة بدخول مهاجرين حصلوا على تأشيرات دخول إلى الأراضي الأميركية. وسرعان ما علق القضاء مرسوم ترمب، معتبرا أنه لا يحترم بندا دستوريا يطالب بعدم التمييز على أساس الدين أو العرق.
وعمل ترمب وإدارته على تعديل المرسوم المثير للجدل، وأصدر نسخة منقحة منه استثنت العراق «لتشديدها معايير الفحص والتدقيق في المتوجهين من أراضيها إلى الولايات المتحدة»، بحسب مسؤولين في الإدارة.
إلا أن المرسوم المخفف اعتبر من طرف قضاة فيدراليين تلاعبا على الحكم الأول ومراوغة، وعلق تنفيذه. ووعد ترمب باستئناف الأحكام القضائية لدى المحكمة العليا.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.