الفرنسيون إلى صناديق الاقتراع ولوبان أكثر المستفيدين من عملية الشانزليزيه

55 ألف رجل أمن يحرسون مراكز التصويت ... وشبح الإرهاب يخيم على مسار الانتخابات الرئاسية

متظاهرة في باريس ترفع يافطة كتب عليها «لا تؤذ شرطتي» (إ.ب.أ) - انتشار كثيف لرجال الأمن  في منطقة الشانزليزيه في باريس عشية الانتخابات (أ.ب)
متظاهرة في باريس ترفع يافطة كتب عليها «لا تؤذ شرطتي» (إ.ب.أ) - انتشار كثيف لرجال الأمن في منطقة الشانزليزيه في باريس عشية الانتخابات (أ.ب)
TT

الفرنسيون إلى صناديق الاقتراع ولوبان أكثر المستفيدين من عملية الشانزليزيه

متظاهرة في باريس ترفع يافطة كتب عليها «لا تؤذ شرطتي» (إ.ب.أ) - انتشار كثيف لرجال الأمن  في منطقة الشانزليزيه في باريس عشية الانتخابات (أ.ب)
متظاهرة في باريس ترفع يافطة كتب عليها «لا تؤذ شرطتي» (إ.ب.أ) - انتشار كثيف لرجال الأمن في منطقة الشانزليزيه في باريس عشية الانتخابات (أ.ب)

يتوجه الناخبون الفرنسيون صباح اليوم إلى صناديق الاقتراع الموزعة على 67 ألف مكتب منتشر على كافة الأراضي الفرنسية وسط هيمنة أجواء العملية الإرهابية التي ضربت باريس ليل الخميس-الجمعة. وبالنظر للتهديدات الجدية، فقد حرص رئيسا الجمهورية والحكومة على طمأنة الناخبين الـ47 مليونا لجهة أمن العملية الانتخابية حيث عبأت وزارة الداخلية ما لا يقل عن خمسين ألف رجل للمحافظة على الأمن فيما وفرت وزارة الدفاع 7 آلاف رجل. وبموازاة ذلك، وبنتيجة اجتماع مجلس الدفاع، فقد تقرر تجهيز وحدات تدخل سريع لمواجهة أي طارئ إرهابي.
بعد ساعات قليلة من المأساة التي ضربت باريس، ظهر الرئيس الفرنسي على شاشات التلفزة ليؤكد على «حرص الدولة المطلق» على توفير أمن وسلامة العملية الانتخابية. أما رئيس وزرائه برنار كازنوف فقد أعلن أمس، عقب اجتماع مجلس الدفاع في قصر الإليزيه صباح الجمعة أنه «لا شيء يجب أن يحول دون إتمام العملية الديمقراطية» التي تمثل الانتخابات الرئاسية واسطة عقدها. وقال كازنوف إنه «يعود لنا (أي الفرنسيين) ألا ننساق للخوف أو الترهيب أو الاستغلال لأن ذلك يعني أننا نسقط في لعبة أعداء الجمهورية». وذهب مرشح الحزب الاشتراكي بونوا هامون في الاتجاه نفسه إذ أعلن أنه «سنرتكب خطأ كبيرا إذا أذعنا للخوف ووضعنا حدا للنقاش الديمقراطي» مضيفا أنه يتعين على الفرنسيين «خصوصا» عدم تقديم «هدية» للإرهابيين بالتخلي عن حقهم في الممارسة الديمقراطية محذرا من الاستغلال السياسي لما حصل. بيد أن هذا الموقف الذي عبر عنه أيضا مرشح الوسط إيمانويل ماكرون لم يحظ بإجماع المرشحين الآخرين خصوصا مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان ومرشح حزب «الجمهوريون» فرنسوا فيون اللذين لم يترددا في انتقاد الحكومة الحالية بسبب «عجزها» عن وضع حد للإرهاب وحماية الفرنسيين. وكانت مارين لوبان الأعنف في انتقاداتها لأداء الحكومات اليمينية واليسارية «منذ عشر سنوات وحتى اليوم» ما سمح لها بأن تعلن نفسها «الضامن» الوحيد و«القلعة» الحصينة بوجه الإرهاب بينما الآخرون من اليمين واليسار بانوا عن فشل ذريع في وقف الإرهاب الذي أوقع في فرنسا 238 قتيلا منذ يناير (كانون الثاني) 2015 ناهيك عن ألف جريح.
حتى ظهر الخميس، كانت صورة ميزان القوى بين المرشحين الأربعة كالتالي: ماكرون: ما بين 23 و24 في المائة من الأصوات، لوبان: ما بين 22 و23 في المائة، فيون ومرشح اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون: ما بين 19 و19.5 في المائة من الأصوات بينما استمرت شعبية مرشح الحزب الاشتراكي بونوا هامون في التدهور «أقل من 8 في المائة». وإذا أخذنا بعين الاعتبار هامش الخطأ الإحصائي «2 إلى 2.5 في المائة»، فإن النتيجة تكون أن الأربعة قريبون إلى بعضهم البعض إلى حد يصعب التنبؤ بهوية المرشحين اللذين سيتأهلان للدورة الثانية المقررة في السابع من مايو القادم. وحتى ذلك التاريخ، كان من المتوافق عليه أن مشكلة ماكرون تكمن في تثبيت وصوله إلى الجولة الثانية وإذا تحقق له ذلك فإنه سيكون الرئيس الثامن للجمهورية الخامسة لأن كافة استطلاعات الرأي كانت تبين أنه سيفوز بالرئاسة بفارق كبير مهما تكن هوية منافسه. وبالمقابل، فإن مشكلة لوبان تكمن في مصير الجولة الثانية إذ أنها وبعكس ماكرون، ستخسر كل المنازلات بغض النظر عن هوية خصمها. وبرأي المراقبين، فإن هناك ما يمكن تسميته بـ«السقف الزجاجي» الذي يمنع لوبان والجبهة الوطنية معها من الوصول إلى قصر الإليزيه. وفي أي حال، فمن المرجح أنه إذا تأهلت لوبان للدورة الثانية، فإن غالبية اليمين واليسار ستقف ضدها في إطار «جبهة جمهورية» لقطع درب الرئاسة عليها.
بيد أن هذا المعطى كان صالحا حتى أول من أمس. وثمة من يرى أن حظ لوبان في تحقيق «اختراق» يعتمد على ما سيقرره المترددون في الذهاب إلى صناديق الاقتراع أو الذين لم يتأكدوا بعد من خياراتهم. وبرأي هؤلاء، قد يكون بعضهم «مترددا» سابقا في إسقاط اسم لوبان في صندوق الاقتراع. لكن عودة التهديدات الإرهابية والحاجة إلى رئيس قوي وحازم وقادر على التعاطي معها قد تحفز البعض على الاقتراع لصالح مرشحة اليمين المتطرف. وأول من أمس، خرجت مارين لوبان بلائحة من الإجراءات «الجذرية» التي تريد تطبيقها فورا في حال وصولها إلى قصر الإليزيه وهي تستهدف محاربة الإرهاب والتطرف الإسلامي والهجرة غير الشرعية وحتى وضع حد للهجرة الشرعية ولم شمل عائلات المهاجرين. وعمليا تدعو لوبان إلى إسقاط الجنسية عن الذين يتمتعون بجنسيتين وطرد كل أجنبي له علاقة بالإرهاب من بعيد أو من قريب وعلى رأسهم الأشخاص الموجودة أسماؤهم على اللوائح الأمنية وإغلاق المساجد «المتطرفة» وطرد الأئمة الأجانب الذين يلجأون إلى خطابات متشددة... وتضاف كافة هذه التدابير إلى عزمها على إعادة فرض الرقابة على الحدود فضلا عن الخروج من معاهدة شينغن للتنقل الحر وإجراء استفتاء لترك الاتحاد الأوروبي «الفريكست قياسا على البريكست». وباختصار، فإن عملية ليل الخميس - الجمعة قد تكون «الهدية» التي جاءت لمارين لوبان قبل 72 ساعة من فتح أبواب مراكز الاقتراع. إنه رهان التشدد بوجه ما تعتبره ضعف الحكومات المتعاقبة يمينا ويسارا. لكن مرشح اليمين الكلاسيكي فرنسوا فيون اعتمد «المزايدة» وهو يعي أن جمهوره الانتخابي يطالب بدوره بتدابير حازمة، فضلا عن ذلك، فإن تركيزه على ملف الهوية والوطن والأمة والجذور المسيحية لفرنسا وأوروبا يندرج في السياق نفسه. ولا شك أن جانبا منه كان غرضه إغلاق ملف الفضائح التي ارتبطت باسمه والتي أطاحت عمليا بحظوظه بالوصول إلى الرئاسة. لكن الهدف الآخر كان حرصه على عدم ترك لوبان تصادر وحدها الإرهاب والملف الأمني وموضوع الإسلام... وبرأي المحللين، فإن الفرنسي العادي سيميل على الأرجح لـ«تفضيل الأصل على التقليد» أي لوبان على فيون.
ليست الأجواء الأمنية الملبدة هي الوحيدة التي تميز هذه الانتخابات. فسمتها الأولى تهميش المجموعتين السياسيتين الرئيسيتين اللتين تعاقبتا على حكم فرنسا منذ ستين عاما وهما اليمين الكلاسيكي واليسار الاشتراكي. والحال أن ممثل الاشتراكيين يلحق عن بعد بالمرشحين الأربعة الأوائل. أما مرشح اليمين الكلاسيكي (فيون) فإنه يحل في المرتبة الرابعة وليس من المضمون له أن ينجح في التأهل للجولة الثانية. وإذا حصل له ذلك، فإنها ستكون المرة الأولى منذ إطلاق الجمهورية الخامسة التي يغيب مرشح اليمين عن الجولة الثانية. أما السمة الثالثة فتتمثل في الاختراق الاستثنائي الذي حققه مرشح الوسط إيمانويل ماكرون مستفيدا من انقسامات الاشتراكيين الداخلية ومن صعوبات فيون وارتباط اسمه بمجموعة من الفضائح. كذلك فإن ارتقاء لوبان لتتربع لفترة طويلة على المرتبة الأولى في استطلاعات الرأي وتزايد شعبيتها في كافة الأوساط الاجتماعية يمثل علامة بارزة ودالة على استدارة جزء مهم من المجتمع الفرنسي نحو اليمين المتطرف. ويعزو المراقبون ارتفاع شعبيتها إلى لحاق الكثير من الطبقات الدنيا من العمال والموظفين والمزارعين الذين كانوا منسوبي الولاء لليسار وللحزب الشيوعي بها. أما الظاهرة الأخيرة فاسمها جان لوك ميلونشون، مرشح حركة «المتمردون» أي اليسار المتشدد وهي خليط من الشيوعيين والماركسيين والخائبين من حكم الرئيس هولاند ومن قوانينه وتدابيره الليبرالية. وميلونشون الذي استفاد من انضمام تيار اليسار في الحزب الاشتراكي إلى صفوفه فرض نفسه منافسا جديا بعد أن كانت حملته في البداية ضعيفة لا بل هامشية.
من هما الاسمان اللذان سيخرجان فائزين من الجولة الأولى؟ الرهان صعب وما يزيد من صعوبتها أن ترجيعات حادثة الشانزليزيه لم تعرف بدقة بغياب استطلاعات الرأي. ولذا، فإن المفاجآت تبقى غير مستبعدة. إنها ساعات قليلة تنتهي معها هذه الحلقة في مسلسل الرئاسيات الفرنسية.



موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.