حظوظ قوية لكاتبة أرجنتينية مبتدئة تنافس روائيين مخضرمين

ست روايات في القائمة القصيرة لجائزة «مان بوكر» العالمية 2017

ماثياس إينارد - سامانثا تشوويبلين
ماثياس إينارد - سامانثا تشوويبلين
TT

حظوظ قوية لكاتبة أرجنتينية مبتدئة تنافس روائيين مخضرمين

ماثياس إينارد - سامانثا تشوويبلين
ماثياس إينارد - سامانثا تشوويبلين

شهدت العاصمة البريطانيّة لندن ليلة الخميس الماضي حفل الإعلان عن القائمة القصيرة لجائزة «مان بوكر» الدولية لعام 2017 لتشمل ستة أعمال رفيعة المستوى في أجواء معاصرة، لروائيين من الأرجنتين وفرنسا والدنمارك والنرويج، بالإضافة إلى روايتين لكاتبين من (إسرائيل). وتمنح هذه الجائزة سنوياً لأفضل كتاب (مطبوع) ترجم إلى الإنجليزية ونشر في المملكة المتحدة حديثاً من أعمال الروائيين وكتاب القصص القصيرة الأجانب (الأحياء). وتبلغ قيمة الجائزة للرواية الفائزة خمسون ألف جنيه إسترليني تمنح مناصفة للروائي ولمترجمه، بينما تحصل الروايات التي ضمتها القائمة القصيرة على ألفي جنيه لكل منها، تمنح كذلك مناصفة بين الروائي والمترجم. لكن القيمة المعنوية للجائزة أهم بكثير من قيمتها الماديّة، وهي تستجلب بالضرورة شهرة عالميّة وترويجاً للكاتب والكتاب.
شملت الروايات التي ضمتها القائمة القصيرة هذا العام أعمالاً لروائيين مخضرمين - بل وكانت إحداها فازت بجائزة غونكور الفرنسيّة المرموقة -، لكن رواية أولى - وأقصر الروايات المرشحة - لكاتبة أرجنتينيّة شابة تدعى سامانثا تشوويبلين نجحت بدورها في الوصول إلى القائمة القصيرة مُقصية في طريقها عدة أسماء معروفة مثل إسماعيل قادري (ألبانيا)، وآلان مابانكو (فرنسا) ويان ليانكي (الصين) وآخرين كانوا قد اختيروا ضمن القائمة الطويلة التي أعلنت في منتصف مارس (آذار) الماضي وضمت حينها 13 عملا من أصل 126.
«حلم الحُمّى» رواية الأرجنتينيّة تشوويبلين تتحدث بلسان امرأة أرجنتينيّة على فراش موتها وتروى قصّة حياتها لولد صغير يجلس إلى جوار سريرها في المستشفى، وقد وصفها النقّاد بأنها «مرعبة ورائعة في آن» وبكونها «استثنائيّة تحلّق في أجواء سورياليّة من الهلوسة والحمّى».
تتنافس «حلم الحُمى» مع رواية الكاتب (الإسرائيلي) المخضرم عاموس عوز «جوداس» أو بحسب اللفظ العربي للاسم: «يهوذا» التي احتفلت بها الأوساط الأدبيّة بوصفها عودة ميمونة بعد غياب عقد كامل عن عالم الرواية للروائي الأهم في (إسرائيل) الذي كان نشر 16 رواية قبل «جوداس» أغلبها أثار اهتمام قطاعات واسعة من القرّاء في المجتمع (الإسرائيلي) وعبر العالم. وقد وصف «جوداس» رئيس لجنة تحكيم الجائزة بأنها «بالتأكيد الرواية التي انتظر عوز عمراً بأكمله ليكتبها. إنها إنجاز استثنائي». وتحكي الرواية قصة شاب ورجل كبير بالسن يحاولان فهم العالم المعقد حولهما من منزلهما في القدس الغربيّة (المحتلة) عام 1959.
ديفيد غروسمان روائي إسرائيلي آخر أُختيرت روايته (حصان يدلف إلى المشرب (البار)) لتكون ضمن القائمة القصيرة أيضاً، وتحكي قصة ممثل كوميدي يهودي يصاب بأزمة شخصيّة على المسرح أمام المشاهدين وصفها النقاد بأنها «عمل شديد الأصالة ولا ينسى».
بقية الأعمال أتت من أوروبا. رواية «ما لا تمكن رؤيته» للنرويجي روي جاكوبسن تحكي قصة أشبه بأسطورة عن أجيال متعاقبة عاشت على جزيرة نرويجيّة صغيرة وبدت رغم صغر عمر كاتبها وكأنها أقرب الأعمال المرشحة للروايات الكلاسيكيّة التقليديّة. أيضاً من الدنمارك رواية (مرآة وكتف ورمز) لدورثي نورز وهي رواية مرحة غريبة - عن درس سواقة في كوبنهاجن ينقلب مواجهة حادة - أثارت نقاشات حادة بين المحكمين، لكنهم «جميعهم أحبوها»، على حد تعبير رئيس اللجنة.
يكتمل عقد القائمة القصيرة برواية الفرنسي ماثياس إنارد (البوصلة)، وهو باحث في الثقافة العربيّة والفارسيّة كانت روايته فازت بجائزة «غونكور الفرانكوفونيّة» وتحكي تهيؤات خبير موسيقى يتلاعب به الأرق عبر ليلة طويلة في فيينا يتردد السرد فيها بين الأحلام والذكريات. وقد تحدث عنها رئيس لجنة التحكيم بقوله: «على يد كاتب أقل من إنارد فإن وصف ليلة مؤرقة كان سينتهي حتماً بمأساة، لكن ليس على يد إنارد. إنها رواية استثنائية بحق». وقد مدح استكشاف الرواية لموضوعة الاستشراق، معتبراً أنها تأتي في وقتها حيث تتصاعد مشاعر الإسلاموفوبيا البغيضة، وتبدو القارة العجوز وكأنها تعيش أوقات شديدة الاضطراب.
رأس لجنة تحكيم الجائزة هذا العام مدير مهرجان أدنبرة الدولي للكتاب نك بارلي، إضافة إلى أربعة كتاب وروائيين معروفين هم دانييل هان (محرّر ومترجم معروف) وإيلاف شافاك (روائيّة) وتشيكا يونجوي (روائيّة) وهيلين مورت (شاعرة).
وقد أشاد السيد بارلي بالأعمال التي نجحت في الوصول إلى القائمة القصيرة بوصفها استكشافاً شديد الألمعيّة لأوجه قصور التجربة الإنسانيّة من أركان مختلفة وفي عالم شديد التعقيد، لكنه اعتبرها جميعاً أعمالاً جديرة فعلا بالفوز بالجائزة، وأنها «أدب مرموق يفتح للقارئ بالإنجليزيّة آفاقاً أرحب في وقت ارتفاع الجدران، والسياسات المعادية للآخر، فيمكنُّه من التعاطف وفهم الآخرين. وقد أثار ضحك الحاضرين في الحفل عندما قال إنه يعتزم إرسال نسخ من روايات القائمة القصيرة هذه إلى الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب كهديّة في عيد ميلاده المقبل.
بدت القائمة وكأنها انتصار لحرفة الترجمة ومكافأة لجهود قلّما تحظى بالتقدير وأيضاً للناشرين الصغار المستقلين - في مواجهة الشركات الكبرى المتعددة الجنسيّة - فقد اختيرت ثلاثة من أعمالهم المطبوعة ضمن القائمة القصيرة للجائزة وبالذات دار عالم واحد (وان وورلد) التي كانت نشرت الرواية الفائزة بجائزة «بوكر» للرواية لآخر دورتين، وهي نشرت هذه الدورة رواية الكاتبة الأرجنتينيّة تشوويبلين التي تبدو حظوظها قويّة بالفوز أيضاً بالشق العالمي من الجائزة.
كانت جائزة عام 2016 منحت لرواية «ذي فيجيتيريان» أي (النّباتي) للكاتب الكوري الجنوبي هان كانغ ومترجمته إلى الإنجليزيّة دوبرا روجرز، وهي بحسب موقع الجائزة الرّسمي تمنح تشجيعاً لترجمة الآداب العالميّة إلى الإنجليزية منذ عام 2005 وكانت حينها تمنح كل عامين لروائي على مجمل أعماله، قبل أن تتحول إلى جائزة لرواية محددة، وصارت تمنح سنوياً بدءاً من العام الماضي.
وتقول مصادر صناعة الكتاب البريطاني إن الأعمال الروائية المترجمة تمثل ما لا يقل عن 7 في المائة من مجمل المبيعات السنويّة للأعمال الأدبيّة التي تباع بالإنجليزيّة في المملكة المتحدة. ويعتقد على نطاق واسع بأن جائزة مان بوكر العالميّة هذه لها دور كبير في تعريف القارئ البريطاني بالأعمال الأجنبيّة، فمثلاً باعت رواية الأديب الكوري الجنوبي كانغ بعد فوزها بالجائزة العام الماضي 160 ألف نسخة في طبعتها البريطانيّة فقط ناهيك بمبيعات أخرى في كل الأسواق الأنجلوفونيّة في العالم.
لعلّه مما يجدر ذكره إن الرواية الفائزة بهذه الجائزة المرموقة في الغرب والتي ترعاها - وهي وشقيقتها الكبرى جائزة مان بوكر للرواية - مجموعة مان الماليّة المعروفة سيعلن عنها في حفل عشاء خاص سيقام ليلة الرابع عشر من يونيو (حزيران) المقبل في متحف فيكتوريا وألبرت بلندن، وستحضره نخبة صناعة الثقافة والمال في المدينة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.