الفن وبهجة المأساة في قصيدة لييتس

حوّل الحروب ومشاهد العنف إلى قصائد من أهم ما كتب بالإنجليزية

ويليام بتلر ييتس
ويليام بتلر ييتس
TT

الفن وبهجة المأساة في قصيدة لييتس

ويليام بتلر ييتس
ويليام بتلر ييتس

منذ تعرفت على أعمال الشاعر الآيرلندي وليام ييتس أيام الدراسة الجامعية وأنا لا أتوقف عن العودة إليه بين الحين والآخر، حتى أصبحت المقالات والأوراق البحثية التي كتبت حوله تلفت النظر لكثرتها بالنسبة لما كتبته عن غيره. والحق أن الكتابة عن ذلك الشاعر الكبير لا تحتاج إلى تبرير؛ فأهميته الإبداعية ليست محل شك، لكن اهتمام ييتس، الذي عرفته في مرحلة لاحقة، بالثقافة العربية ثم ما تبين لي من مواقفه السياسية والثقافية في مواجهة الاحتلال الإنجليزي لآيرلندا، الذي ران على تلك البلاد طوال ما يقارب الـ120 عاماً تخللتها ثورات وأعمال مقاومة انعكست في الأدب والفن، وكان لييتس نصيب فيها. فعلى الرغم من نزوع ييتس للسلم ومناداته بالمقاومة السلمية عن طريق إحياء الثقافة الآيرلندية في اللغة والموروث الخاص وغيرهما، فقد كتب عدداً من النصوص التي تحمل معاناة الآيرلنديين وألم الشاعر لما كانت تعيشه بلاده من قمع تحت الحكم الإنجليزي.
تمثل جانب من القيمة الشعرية العالية لييتس في قدرته الخلاقة على تحويل الحروب ومشاهد العنف ونتائجه المأسوية إلى قصائد صارت من أهم ما في الشعر المكتوب باللغة الإنجليزية، ولا أقول الشعر الإنجليزي بحكم أن ييتس لم يكن إنجليزياً. «وقد التفت الشاعر والناقد الأميركي ت. س. إليوت إلى هذه الناحية فقال إن شعر ييتس ليس جزءاً من التراث الإنجليزي مع أنه، أي ييتس، أهم شعراء اللغة الإنجليزية المحدثين، حسب إليوت». والجانب الذي أشير إليه ليس بالسهل، فليس أيسر على ناظمي الكلام أن يحولوا الحروب والدمار إلى ميلودراما من البكاء أو الاستبسال البطولي، كالدعوة إلى إيقاف الحرب، أو إلى هزيمة الأعداء، أو غير ذلك من الكليشيهات المعروفة في تاريخ الأدب. الأصعب من ذلك هو النظرة التي تمتزج فيها الرؤية الفلسفية بالمخيلة القادرة على التقاط المشاهد ونقلها بلغة مثقلة بالصور والمجازات أو الرموز الموحية، بدلاً من الأنين أو الصراخ المباشر.
من أجمل الأمثلة التي يمكن أن تساق في هذا السياق قصيدة لييتس كتبها حول قطعة من الأحجار الكريمة المعروفة باللازورد أهديت إليه وهي تحمل رسومات حفرها فنان صيني، حسب ما ذكر ييتس نفسه، يتمثل فيها 4 أشخاص أعمل فيهم الشاعر خياله على ما يبدو فقال إنهم 3 تلاميذ ومتصوف. ومع أهمية أولئك والحجر الذي رُسموا عليه، فإن القصيدة تحمل رؤية عميقة للشاعر حول علاقة الفن بالدمار، قدرة الفن ليس على الخلود ومقاومة ما تسببه الحروب من خراب، كما اعتدنا أن نجد في كثير مما كتب حول هذا الموضوع، وإنما قدرته على تقبل الفناء برحابة وعدم تذمر. وهذه بالتأكيد ليست مما اعتدنا سماعه من أن الفن قادر على البقاء، ومع أنها ليست فصل المقال لأن شواهد البقاء موجودة، فإنها تنظر للأمر من زاوية مختلفة جديرة بالتأمل، وكذلك بالاستمتاع بما في الصور من العمق والجمال.
يبدأ ييتس قصيدته بالإشارة إلى خوف الناس الهستيري من الحروب، واحتقارهم للفنون التي تعد مضيعة للوقت: «سمعت أن النساء الهستيريات يقلن - إنهن قد مللن من لوح الألوان وقوس الكمان - من الشعراء المبتهجين باستمرار». البهجة هي ميسم الإبداع حسب قصيدة ييتس «التي تستعمل كلمة (gay) التي كانت تعني البهجة أو السرور، ثم تحول معناها في العقود الأخيرة لتشير إلى من يعرفون الآن بالمثليين». البهجة هي التي نجدها في مآسي شكسبير التي تنتهي بموت أبطال المسرحية. ذلك الموت المحتم لا يؤدي إلى فزع الشخصية كما صاغها الكاتب، بل إن المشاهد تسير بتلك الشخصية مطمئنة إلى حتفها بلا بكاء أو عويل (أي على نقيض النساء الهستيريات):
كلهم يقومون بدورهم المأسوي،
هناك يتبختر هاملت، وهنا لير،
وتلك أوفيليا، وتلك كورديليا؛
ومع ذلك، فحين يأتي المشهد الأخير،
وتكون الستارة على وشك النزول في المسرح الكبير،
إذا كانوا جديرين بأدوارهم البارزة في المسرحية،
فإنهم لا يقطعون نصوصهم ليبكوا.
يعرفون أن هاملت ولير مبتهجان؛
البهجة تغير كل ذلك الرعب.
كل الناس سعوا، كسبوا وخسروا...
البهجة هي بالطبع ما يوجه مخيلة الكاتب وهو يصوغ الشخصية، ما يجعله يرى أن النهاية المفجعة اكتمال للعمل الفني الذي يفترض به أن يبعث على البهجة لدى المتلقي، سواء في المسرح أو على صفحات الكتاب. بهجة الفن العظيم لا تؤدي إلى النهايات السعيدة، ولا إلى الفرح المفتعل لإرضاء الوهم بالخلود. وأظن ييتس لم يبتعد عما قصده المتنبي في قصيدته الشهيرة حين قال:
أين الذي الهرمان من بنيانه
ما قومه، ما يومه، ما المصرع؟
تتخلف الآثار عن أصحابها
حيناً ويدركها الفناء فتتبع
يقترب ييتس مما قصده المتنبي في المقطع التالي من قصيدته حيث يتأمل وضع الحضارات التي آلت إلى الفناء:
«جاءوا على أقدامهم، على السفن،
على ظهور الجمال، ظهور الخيل...
حضارات تحاربت
عندئذٍ اندثرت واندثرت حكمتها».
ثم يسوق أمثلة على ذلك:
«لم يبق عمل يدوي واحد من كاليماخوس
الذي عالج الرخام كما لو كان برونزاً
صنع ستائر بدت كما لو أنها ترتفع
حين تهب ريح البحر على الزاوية».
لكن سرعان ما يتبين الفرق بين الشاعر العربي بنظرته الساخرة إلى المأساة التي تلف الإنسان ومنتجاته، ودعوته الضمنية للاتعاظ بذلك، والشاعر الآيرلندي الذي يرى أن الابتهاج هو ما يجب أن تتسم به رؤيتنا لذلك الفناء المحتوم.
في المقطع الأخير من قصيدته يدخل الشاعر نفسه في المشهد حين يشير إلى حجر اللازورد بوصفه مثالاً على الفن البهيج. لكن القصيدة تنبهنا إلى أن الشاعر يمارس فعل التخيل بشكل مباشر:
كل خدش على الحجر،
كل حفر أو كدمة
تبدو مجرى لماء أو انهياراً لثلج،
أو منحدراً عالياً حيث الثلج ما زال يسقط
مع أن غصن كرز أو برقوق ما زال دون شك
يحلّي البيت الصغير عند منتصف المسافة
الذي يصعد الصينيون نحوه، ويبهجني
أن أتخيلهم جالسين هناك؛
هناك، على الجبل والسماء،
على كل المشهد المأساوي الذي يحدقون فيه.
يطلب المرء أغاني حزينة؛
تبدأ أصابع مرهفة بالعزف.
أعينهم بين التجاعيد الكثيرة، أعينهم،
أعينهم الشائخة، اللماعة، مبتهجة.
ننتبه إلى أن الشاعر دخل بشكل مباشر في لعبة الصياغة الفنية التي يتحول بها الحجر إلى منحوتة شعرية، فهو يتحدث عن ثلج «ما زال يسقط» و«غصن كرز أو برقوق ما زال دون شك / يحلي البيت» «وتكرار (ما زال) مقصود لتعميق الدلالة». إنه يخترع صوراً ودلالات ويخبرنا أنه يفعل ذلك. وإن مررنا بذلك دون أن ننتبه فإن قوله: «يبهجني أن أتخيلهم جالسين هنا» يحمل من الوضوح ما يكفي لجعل نصه جزءاً من الفن المبهج؛ الفن الذي يبعث على البهجة رغم المأساة التي يشاهدها، مثل أعمال شكسبير وكاليماخوس وغيرهما.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.