بين «التغيير الديموغرافي وغنائم الحرب»... مصير البلدات السورية الأربع إلى الغموض

مضايا تصالحت والزبداني شبه فارغة... وتعليق «الفوعة وكفريا» بعد التفجير

حافلات ورجال شرطة وعسكر من النظام تنتظر عند الراموسة في حلب يوم 15 أبريل... ووصول أهالي بلدتي كفريا والفوعة بحسب اتفاق إجلاء البلدات السورية الأربع (إ.ب.أ)
حافلات ورجال شرطة وعسكر من النظام تنتظر عند الراموسة في حلب يوم 15 أبريل... ووصول أهالي بلدتي كفريا والفوعة بحسب اتفاق إجلاء البلدات السورية الأربع (إ.ب.أ)
TT

بين «التغيير الديموغرافي وغنائم الحرب»... مصير البلدات السورية الأربع إلى الغموض

حافلات ورجال شرطة وعسكر من النظام تنتظر عند الراموسة في حلب يوم 15 أبريل... ووصول أهالي بلدتي كفريا والفوعة بحسب اتفاق إجلاء البلدات السورية الأربع (إ.ب.أ)
حافلات ورجال شرطة وعسكر من النظام تنتظر عند الراموسة في حلب يوم 15 أبريل... ووصول أهالي بلدتي كفريا والفوعة بحسب اتفاق إجلاء البلدات السورية الأربع (إ.ب.أ)

بانتظار الانتهاء من تنفيذ اتفاق «المدن الأربع» في شهر يونيو (حزيران) المقبل بعد بدء تنفيذ مراحله الأولى التي أدّت إلى إخراج آلاف العائلات من منازلها، يبقى السؤال المطروح والذي لا يزال غامضا في غياب التفاصيل الواضحة حول العملية التي وصفت بأنها أكبر خطة تغيير ديموغرافي في سوريا، هو ما هي الجهة التي ستسيطر أو ستتولى إدارة هذه البلدات. وإن كان مصير الزبداني ومضايا شبه واضح بعد دخول النظام إليها؟ وفي حين ترتكز بعض المعلومات المتداولة بأن البنود تقضي بـ«مبادلة» أهالي بلدتي كفريا والفوعا الشيعيتين بعائلات من مدن مضايا والزبداني (ذات الغالبية السنية)، تؤكد مصادر مطّلعة أن هذا الأمر غير وارد واتفق على منع تنفيذه بين الجهات التي وقعت الاتفاق، أبرزها، هي «هيئة تحرير الشام» من جهة وإيران من جهة أخرى.
وتحاصر فصائل المعارضة الفوعة وكفريا منذ عام 2015، فيما تحاصر قوات النظام مضايا والزبداني منذ ثلاث سنوات.
ومن المقرر بموجب اتفاق البلدات الأربع أن يتم على مرحلتين إجلاء جميع سكان الفوعة وكفريا الذين يقدر عددهم بـ16 ألف شخص، مقابل خروج من يرغب من سكان مضايا والزبداني. وفي اليوم الأول لبدء إخراج العائلات، دخلت قوات النظام التي تسيطر أساسا على نحو نصف منطقة الزبداني إلى مضايا بحسب ما أكّد المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وكان قد خرج الأسبوع الماضي من الفوعة وكفريا دفعتان من المقاتلين والعائلات، الأولى شملت نحو 5 آلاف شخص والثانية نحو 3 آلاف وهي التي تعرضت للتفجير يوم السبت في حي الراشدين قرب حلب، وذهب ضحيته مئات القتلى والجرحى. ومنذ ذلك الحين تم تعليق الاتفاق، لأسباب متعلقة بإجراء التحقيقات بحسب ما أشارت إليه بعض المعلومات وأخرى مرتبطة برفض بقية العائلات الخروج من منازلها خوفا على سلامتها. مع العلم أن مصادر عدّة كانت قد أشارت إلى أن أهالي كفريا والفوعة كما الزبداني ومضايا رفضوا الاتفاق والخروج من بيوتهم، وإنما تعرضوا لضغوط من قبل رعاتهم أجبرتهم على التنفيذ. وهنا، يقول مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «الاتفاق يمنع إدخال عائلات مكان أخرى»، مرجّحا دخول «هيئة تحرير الشام» إلى كفريا والفوعة، وناقلا عن العائلات التي لا تزال تنتظر تخوفها من إحراق منازلها. وفي الزبداني، يلفت إلى أن المنطقة هي أساسا شبه فارغة من سكانها ولا صحة لكل المعلومات التي كانت تشير إلى أنه سيغادرها آلاف الأشخاص، مؤكدا أن عدد الذين سيخرجون هم كل من تبقى فيها من مقاتلين وعددهم 138 وعدد قليل من المدنيين إضافة إلى طبيب واحد.
من جهته، يقول الخبير في المجموعات المتطرفة عبد الرحمن الحاج، إنه «لغاية الآن ليس مطروحا إسكان عائلات مكان المهجّرين من كفريا والفوعة»، لافتا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» «إلى أن الاتفاق ينص على إجلاء من يريد من السكان من دون أن يشير إلى استبدال مجموعة سكانية مكان أخرى في ريف دمشق أو إدلب، لكن هذا الواقع لا يلغي طمع إيران و(حزب الله) ووجود نيات بإحداث تغيير في التركيبة السكانية لهذه البلدات الاستراتيجية بالنسبة إليهم».
ويسيطر «حزب الله» على 90 في المائة من منطقة الزبداني وبلداتها في القلمون الغربي بريف دمشق، بعدما كان قد أجبر أهلها على مغادرة منازلهم التي بات معظمها مهدماً، ويحاصر المعارضة في ما تبقى من المساحة التي تسيطر عليها منذ أكثر من ثلاث سنوات، ومن المتوقع نتيجة الاتفاق الأخير، أن تدخل قوات النظام إلى المدينة المحاصرة، بحسب ما يقول عبد الرحمن.
في المقابل، يقول مصدر في «الجيش الحر» في إدلب لـ«الشرق الأوسط»: «المعلومات التي لدينا تفيد بأن (هيئة تحرير الشام)، التي وقعت الاتفاق ستدخل المنطقتين باعتبارهما (غنائم حرب) وكانوا قد قالوا إنهم سيقدمون المنازل إلى المهجّرين من مضايا والزبداني، وهو ما يعني تكريسا للتغيير الديموغرافي الذي لطالما رفضته المعارضة كما الأهالي»، مشيرا في الوقت عينه إلى «أن بعض المنظمات الدولية قامت بتجهيز مخيمات لاستقبال أهالي الزبداني ومضايا».
ويضيف «عائلات البلدتين الشيعيتين كانت قد أعلنت رفضها، بعد التفجير، الخروج من بيوتها، ودعت الشباب في المساجد إلى حمل السلاح، مجددة رفضها تسليم أرضها». ويوضح: «بعد خروج الدفعتين من البلدتين، لا يزال هناك تقريبا 10 آلاف نسمة، في وقت لن يخرج من الزبداني ومضايا أكثر من 3 آلاف شخص، وبالتالي إذا تقرّر إسكانهم في الفوعة وكفريا، فهم لن يشكلوا أكثر من نحو 10 في المائة من عدد سكان البلدتين الشيعيتين الذين كانوا يقدروا قبل الحصار بـ42 ألف نسمة، علما بأن معظم أهالي الزبداني كما كفريا والفوعة كانوا قد غادروا منطقتهم قبل الحصار ولم يتبق في الزبداني إلا نحو 800 شخص، في حين قرّر معظم أهالي مضايا تسوية أوضاعهم مع النظام والبقاء في منازلهم على غرار اتفاقيات المصالحات في ريف دمشق».
وأشارت «شبكة شام المعارضة» إلى أن «فعاليات مدنية في إدلب تتخوف من أن تغدو الفوعة وكفريا موضع صراع بين الفصائل الكبرى خصوصا الفصيلين القائمين على تنفيذ الاتفاق وأن يتعاملا مع البلدتين كغنائم حرب، بحيث تغدو منازلها وأراضيها الزراعية الشاسعة ملكاً للفصيل وأتباعه، باسم الغنائم، على اعتبار أنهما من حاصر البلدتين طوال أكثر من عامين، وخسرا كثيرا في الرباط والمعارك التي خاضاها حولها، وأنها باتت اليوم من حقهم».
وكان قد تم التداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لأحد القادة من الفصائل القائمة على تنفيذ الاتفاق، يتحدث لبعض الخارجين من أهالي كفريا والفوعة داخل الحافلة التي تقلهم في منطقة الراشدين، يطمئنهم فيها أن أملاكهم ومنازلهم ستعود إليهم بعد إسقاط النظام على اعتبار أن مشكلتهم مع بشار الأسد ونظامه وليست مع أهالي البلدتين أو أي من السوريين.
وإذا كانت مدينتا الزبداني ومضايا وغيرهما من البلدات بريف دمشق تعرف بأنها مناطق اصطياف وبأن معظم عائلاتها من الأغنياء الذين يمتلكون المنازل الفخمة والقصور، فإن بلدتي الفوعا وكفريا الشيعيتين بريف إدلب، لم تكن أفضل حالا من إدلب بشكل عام وريف إدلب بشكل خاص لناحية تهميشها من قبل النظام، بحسب المصدر في «الحر»، موضحا «معظم أبنائها كانوا يعملون في الجيش السوري وهم من طبقات اجتماعية فقيرة يعتمدون أيضا على الزراعة في أعمالهم لامتلاكهم مساحات أراض شاسعة».
وكانت الهيئة السياسية في محافظة إدلب، قد أصدرت بياناً تعتبر فيه اتفاق الفوعة وكفريا، الذي أبرم بين جيش الفتح و«إيران» بوساطة قطرية، ظالماً للشعب السوري وقيمه ومبادئه. ونص البيان أن الاتفاق: «يزيد من الانقسام الطائفي بين مكونات الشعب السوري، ويعزز عملية التغيير الديموغرافي المُخالفة للقانون الدولي لحقوق الإنسان، ومبادئ الأمم المتحدة، والتي يفرضها النظام وميليشياته الطائفية مدعوماً بقوة حلفائه»، وهو ما يشير إليه المصدر في «الجيش الحر»، مؤكدا «الحرب فرضت الحصار على الفوعة وكفريا نتيجة موقع هاتين البلدتين كما هو الواقع بالنسبة إلى الزبداني ومضايا، لكن التغيير الديموغرافي هذا إذا تحقق، فهو من شأنه أن يحوّل الثورة السورية إلى ثورة طائفية».



اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».