غواية الجلاد والضحية في قفص السرد

وحيد الطويلة التقطها بعين أخرى في «حذاء فلليني»

غواية الجلاد والضحية في قفص السرد
TT

غواية الجلاد والضحية في قفص السرد

غواية الجلاد والضحية في قفص السرد

يوفر وحيد الطويلة لبطله «مطاع» المعالج النفسي الشاب، في روايته «حذاء فلليني» فرصة استثنائية للانتقام من جلاده، الذي يلجأ إليه بمحض الصدفة للعلاج، قابعا فوق كرسي متحرك، تجره زوجته، بعد أن أصيب بالعنّة، على إثر إحالته إلى التقاعد من وظيفته ضابطا كبيرا بأمن الدولة. لكن هذه الفرصة تظل معلقة بين وعي البطل الملتصق بمظاهر وأساليب التعذيب الوحشية التي تعرض لها على يديه، ومحاولة بناء وعي جديد، عبر دوائر مفتوحة بحرية على الذات والمستقبل، وكأنه يريد أن يتخلص من سجنه القابع تحت جلده. وفي الوقت نفسه يستعيد هويته التي تم اغتصابها وتفتيتها، وحولت اسمه من «مطاع» إلى «مطيع» ليتوافق مع فلسفة الذل التي يمارسها الجلادون مع ضحاياهم، حتى يستطيعوا العيش تحت مظلتهم «عملاء جيدين لهم، وعيونا طيبة على الآخرين».
هذه النقطة العائمة بين فواصل الوعي واللاوعي تشد الرواية من أولها إلى آخرها عبر 180 صفحة، تتنوع فيها مشاهد الوصل والقطع ما بين الداخل والخارج. وبمعادلات الحب الغامضة، بين البطل، وفلليني المخرج السينمائي الشهير، وكذلك علاقة البطل العاطفية الملتبسة بجارته الحسناء التي تقوم على رعايته هو والده، بعد وفاة أمه وشقيقته، يدير الطويلة مناورته السردية، في شكل خطوط متوازية، تبحث عن نقطة التقاء حميمة، عن لحظة كفؤة للوجود والحلم، فلا أحد يملك لعبته الخاصة، أو لديه القدرة على أن يسمي الأشياء بأسمائها الطبيعية وسط مناخ قمعي يسعى أن يكون البشر مجرد دمى في يد النظام.
يبني الكاتب السارد من ذاكرته، صورة متخيلة للواقع السوري، تشير ضمنيا إلى فترة حكم حافظ الأسد، ويقفز بها إلى مصاف تبدو واقعية، من خلال رائحة اللغة، وطبيعة الشخوص وأسماء الأمكنة، وتداعيات الوقائع والأحداث. في ظل هذه الصورة تتحرك الخطوط المتوازية في إشارات وعلامات متوترة دراميا أشبه بالكابوس، فالبشر المقهورون لا يملكون إرادة صنع الحياة، لقد سلبت منهم أسئلتها وأشكالها وأحلامها، ولم يعد أمامهم سوى أن يتقوقعوا داخل أنفسهم، أو يمتثلوا لوطأة الظروف، ليكونوا أوغادا طيبين ومستأنسين كلما لزم الأمر... إنه فيلم رعب، يصف أجواءه الكاتب السارد، في لطشات حوارية خاطفة بين فلليني، و«مطاع»، يحثه على عدم الانتقام من جلاده قائلا: «أنا لا أؤمن بأن هناك أوغادا، بل بشرا فقط، فالأخيار قد يتصرفون أحيانا كالأوغاد، والأوغاد قد يكونون ضحايا الظروف، وقد يكون أحدهم شيطانا أسود، ويمكن أن يؤثر فيه مواء قطة صغيرة»، بينما يرد الأخير مندهشا: «مواء قطة صغيرة، إنهم يصطادوننا حتى بالألعاب الطفولية التي تسكنها البراءة».
تتسم مناورة الطويلة بنوع من اللهاث السردي، يهيمن على أغلب فصول الرواية، وهو لهاث مشرّب أحيانا، بمسحة من الفانتازيا والتهكم والسخرية، وأحيانا أخرى، بمكر فني يصطاد الحكمة من أفواه العبث والجنون واللامعقول. ورغم تنوع خيوط الأحداث في الرواية، فإن «القبو» و«العيادة» يشكلان الرحم المكاني لدوائر الصراع بين أبطالها، عدا ذلك تمر الأمكنة بشكل عابر.
في هذين المكانين يلجأ الطويلة إلى فكرة عزل الشخصية في المكان، على غرار ما شاهدناه كثيرا في أفلام سينمائية أجنبية وعربية لهتشكوك وفلليني نفسه، وصلاح أبو سيف، وبخاصة في فيلميه «بين السما والأرض» و«البداية»، حيث يتم عزل الشخصية في مكان ما، لتصبح بمنأى عن العالم الخارجي، بين جدران صماء مقبضة، وتصبح حركة الزمن مكثفة وضاغطة نفسيا على الشخصية من الداخل، فتنفض ما بداخلها محاولةً للخلاص من متاهة الوعي بوجود، أصبح هو والعدم سواء.
في القبو، وهو مكان لجهاز أمن الدولة أسفل الأرض، يُزج بـ«مطاع»، المعالج النفسي الشاب للتحقيق معه بعد تقرير غريب قدم عنه، ويظل قرابة الشهر تحت وطأة صنوف بشعة من التعذيب، تمتهن كرامته، ويجبر على تغيير اسمه، ويكتب سيرة حياته أكثر من مرة، ويجيب عن أسئلة عبثية، من قبيل: كم مرة تستمع إلى خطاب السيد الرئيس في الإعادة، هل تربي الحمام، ولماذا يحط فوق سطح البيت، وإلى أي مدى تصدق النشرات الجوية، وعلاقته المجنونة بفلليني، ومعرفته بـ«مأمون»، وهو لقب للمخبرين الذين يعملون لصالح الأمن ويدبجون لهم التقارير، وحين يشير إلى أن فلليني «شاعر وليس مخرجا فقط يا سيدي»، يتهم بالكذب، ويوجه إليه السباب والركلات، ويصرخ في وجهه الضابط الكبير الذي يتولى تعذيبه: «مخرج فقط يا حيوان، مقيد في دفاترنا مخرج فقط».
تتسع الهوة في القبو، حيث الأشياء تمتد إلى الأسفل، ولا تستطيع أن ترفع رأسك بعقلانية للسقف، لا أحلام ولا ذاكرة تتشكل في مستوى اليقظة، أو تنبهك إلى فوارق الحضور والغياب، الهوية المظلمة للقبو، بل علة وجوده منزوعة الروح، كل ما هنالك أن تراقب حطامك، وهو ينزلق في هوة إثر أخرى إلى عالم سفلي، لا تعرف متى ينتهي.
يخرج البطل من القبو بعد أن يتم التأكد من براءته، وأنه اعتقل بطريق الخطأ، مكتسبا اسما وهوية مغايرين لوجوده، وإصابات لحقت بجسده وأنفه، لكن في أذنيه لا تزال ترن مشاهد التعذيب أجراسا ثقيلة... يصفها على هذا النحو «لم أكمل جملتي، لا أعرف من أين تأتيني الركلات، ولا كيف دخلت الكهرباء في جسمي، ولا كيف خرجت، ولا كيف أفاقوني، ومتى وإلى أين نحن الآن».
في العيادة، يتسع المشهد قليلا، تنفرط زواياه وتتنوع ببطء، بينما تتكثف حركة اللهاث في الداخل ما بين الرغبة في الانتقام من الجلاد، والواجب القابع في ضمير الطبيب، الذي يقضي بمسؤوليته عن معالجة مرضاه بأمانة وشرف. لكن يعزز من فرصة الانتقام زوجة الجلاد نفسه، التي تريد هي الأخرى أن تثأر لعشرين عاما قضتها في كنف زوج متسلط، يعاشرها بشكل غير إنساني، يصل إلى حد الاغتصاب، كأنها مرآة مهشمة تنعكس في شقوقها صور ضحاياه، من النساء والرجال الذين يعاملهم ويتلذذ بتعذيبهم وكأنهم فئران ضالة، من حقل تجارب السلطة. يلحق بالمشهد نفسه «مأمون»، المخبر الذي وشى على البطل بتقريره الغريب.
يدخل الشيطان على خط اللعبة، ليس طرف نقيض وضد فحسب، بل حيز فارغ، قرينا لزمن مفتت وهارب، من الجلاد والضحية معا، لم تستطع أن تسد فجوته عدسة فلليني، صاحب المقولة الأثيرة «الأحلام آخر ما يموت» التي يعلقها الضحية في عنقه تعويذة ضد الموت والخوف.
وبوازع من الشيطان الذي يتحول فجأة إلى مبعوث للخير، وبرجاءات من فلليني تتراجع فكرة الانتقام لصالح فكرة التسامح لدى كل من الضحية والزوجة، فها هو البطل بعد أن أفاق من لوثة ازدواجية اسمه المصطنعة، يقول فيما يشبه المناجاة الداخلية: «أود لو أرى ما تحت قشرة رأسه، أتحسسها، فحصوا مخ أينشتاين، ولم يفحصوا مخ جلاد. الأفكار الوسخة تنام تحت قشرة الدماغ مباشرة، كما يقول البعض أو يتخيل. لكنني عندما أفقت من صدمة وقوعه في يدي، وبعد أن قررت ألا أقتله أو أعذبه، أصبحت متفائلا بعض الشيء، بدل أن أنتصر عليه انتصرت على نفسي وعلى قهري، وأكاد الآن أصدق ما قاله فلليني، وأمشي معه يدا بيد، خطوة بخطوة».
سوى اسمي البطل وفلليني المخرج الإيطالي الأشهر لا تفصح الرواية عن غالبية أسماء شخوصها، يبدو أنها تتستر عليهم، بصفتها نوعا من الحماية الداخلية من بطش السلطة الغاشمة، التي لا تنسى ثأرها حتى وهي على سرير المرض؛ فالجلاد لا يتخلى عن سطوته وغطرسته، فيقول وهو على كرسيه المتحرك متحديا طبيبه الضحية: «تظن أنك تستطيع الانتقام مني وقتلي أو تعذيبي، أظن أن هذا يرضيك أو يهدهد روحك المتعبة، ويرخي على قلبك السكينة. سكينتي سقطت من يدي، لكن لا تنس شيئا، أنني لست وحدي، خلف ألف سكين ترسانة عمياء لها أنياب وأظافر طويلة، سكاكيننا في كل مكان».
يصعِّد الطويلة من توتر حركة السرد دراميا، متخففا من ثقل ضمائر الحكي، ونبرتها التقليدية المعتادة، وبخاصة ما بين المخاطب والغائب، فيترك الأفق مفتوحا أمام خدعة المونتاج لتتنوع بصريا بنعومة وتلقائية في شريط الزمن الروائي، حتى تبدو الأشياء معقولة في لا معقوليتها، ويعزز ذلك باللجوء إلى لعبة التقمص، حيث يراقب السارد الكاتب بعين متخفية حركة الشخوص، يستبطن شواغلها داخليا وخارجيا، ليتحول النص إلى خشبة مسرح، عليها تتعرى أقنعة الشخوص نفسها، وينكشف صراعها على من يضع اللطشة الأخيرة، من ينهي الفيلم.
في غبار خدعة المونتاج، وبإيقاع مباغت يمزج الفانتازيا بغرائبية ممتعة، ينهي فلليني شوط الرواية الأخير، حيث الجلاد داخل القفص، وجهه يضمر وينكمش في لقطات متتالية، بينما تنهال زوجته عليه بطعنات نافذة، وفلليني يأمرها بأن تعود إلى القفص، وتلقي السكين بلا اكتراث على الأرض.
في تلك اللحظة ينعدل حذاء فلليني المقلوب على صفحة غلاف الرواية، ويتحول القفص إلى معادل رمزي للقبو، لكنه قبو متخيل، في مشهد سينمائي مرسوم بعناية، يمكن الدخول إليه والخروج منه حسبما تقتضي اللعبة.
هكذا، أدار وحيد الطويلة لعبته الروائية بمكر فني رائق، كاسرا إيقاع السرد التقليدي لثنائية الجلاد والضحية، معريا شيطانية القسوة وإغواءاتها الرخوة والوحشية، التي تمارسها الأنظمة المستبدة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.