الإرهاب يضرب مصر في «أسبوع الآلام».. والسيسي يعلن الطوارئ ويستدعي الجيش

مقتل وإصابة 160 في تفجير كنيستين ونجاة البابا من محاولة اغتيال

أقارب الضحايا وأهالي المدينة يتجمعون خارج مقر كنيسة مار جرجس التي تعرضت للتفجير في طنطا أمس (أ.ب)
أقارب الضحايا وأهالي المدينة يتجمعون خارج مقر كنيسة مار جرجس التي تعرضت للتفجير في طنطا أمس (أ.ب)
TT

الإرهاب يضرب مصر في «أسبوع الآلام».. والسيسي يعلن الطوارئ ويستدعي الجيش

أقارب الضحايا وأهالي المدينة يتجمعون خارج مقر كنيسة مار جرجس التي تعرضت للتفجير في طنطا أمس (أ.ب)
أقارب الضحايا وأهالي المدينة يتجمعون خارج مقر كنيسة مار جرجس التي تعرضت للتفجير في طنطا أمس (أ.ب)

أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أمس فرض حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر ، وأستدعى قوات الجيش لتأمين البلاد، كما أعلن عن تأسيس مجلس أعلى لمكافحة التطرف وذلك بعد تفجيرين تبناهما تنظيم داعش واستهدفا كنيستين في طنطا والإسكندرية، مخلفين أكثر من 160 قتيلا وجريحا، خلال إحياء مسيحيي مصر ذكرى «أسبوع الآلام» الذي يسبق «عيد القيامة»، الأسبوع المقبل. وبدا أن تفجير الإسكندرية كان يهدف لاغتيال تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، حيث كان يترأس القداس بالمقر البابوي السكندري، لكنه لم يصب بأذى.
ودعا السيسي إلى تحلي الخطاب الديني والإعلامي بالمسؤولية والمصداقية. وطلب من البرلمان ومؤسسات الدولة التصدي بمسؤولية لمواجهة التطرف.
وقال إن ما حدث يعد محاولة لتمزيق وتحطيم النسيج المصري بعد فشل الدول التي ترعى الإرهاب في محاصرة الشعب اقتصادياً وسياسياً، وحذر من تحرك الإرهاب في أكثر من منطقة بعد سيناء. ودعا إلى محاسبة هذه الدول التي جاءت بالمقاتلين إلى المنطقة. وطالب السيسي المصريين بالثبات والصمود في مواجهة التطرف، مؤكداً: «نحن قادرون على هزيمة الإرهاب والقتلة والمخربين والمجرمين».
وشهدت البلاد أمس استنفارا أمنيا وانتشرت قوات الجيش على نحو لافت في المدن الرئيسية بعدد من المحافظات، خاصة حول الكنائس. فيما دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي، مجلس الدفاع الوطني للانعقاد بشكل طارئ، سبقته إقالة قيادات أمنية بمحافظة الغربية. وأعلنت الرئاسة حالة الحداد العام في البلاد لمدة ثلاثة أيام.
وذكرت وزارة الصحة المصرية في أحدث بياناتها مقتل 27 مواطنا وإصابة 78 آخرين (8 منهم حالاتهم خطرة)، في انفجار كبير وقع في الساعات الأولى من صباح أمس داخل كنيسة «مار جرجس» بشارع النحاس بمدينة طنطا محافظة الغربية. فيما أعلنت مقتل 16 (بينهم 4 شرطيين) وإصابة 41 في انفجار بمحيط الكنيسة المرقسية بالإسكندرية، في حصيلة أولية مرشحة للارتفاع.
وقال مصدر أمني إن تفجير كنيسة مار جرجس بطنطا تم على ما يبدو بواسطة «انتحاري»، حيث تم العثور على أشلاء يشتبه في كونها لمنفذ العملية الإرهابية داخل قاعة الصلاة بالكنيسة.
وفور الحادث أصدر النائب العام المستشار نبيل أحمد صادق، تكليفاته بالتحفظ على كاميرات المراقبة الموجودة داخل وخارج الكنيسة، حيث انتقل أعضاء النيابة إلى الموقع لإجراء التحقيقات الفورية، للتوصل إلى كيفية ارتكاب الحادث، ومناظرة جثامين القتلى وندب الطب الشرعي لتوقيع الكشف عليها.
ومن بين القتلى في تفجير كنيسة طنطا، المستشار صموئيل جورج القاضي بمحكمة شبين الكوم الابتدائية، وفقا لمصادر قضائية.
وعقب ساعات قليلة من تفجير طنطا، وقع انفجار آخر أمام كنيسة مار مرقس بالإسكندرية، ما أسفر عن مقتل 11 شخصا بينهم 4 شرطيين وإصابة 40 آخرين. وأظهر شريط فيديو تفاصيل عملية التفجير، حيث بيّن محاولة انتحاري يرتدي حزاما ناسفا الدخول إلى الكنيسة من البوابة الجانبية، قبل أن تعترضه قوات الأمن وتوجيهه للمرور عبر البوابة الإلكترونية، فيفجر نفسه فورا.
وذكر مصدر أمني أن من بين القتلى 4 شرطيين، منهم الرائد عماد الركايبي، قتلوا أثناء محاولتهم اعتراض الانتحاري. وأوضح المصدر الأمني أن قوة من وحدة مباحث قسم شرطة العطارين بالإسكندرية اشتبهت في أحد الأشخاص أمام الكنيسة وأثناء محاولتهم توقيفه قام بتفجير نفسه. وتابع: «إن بابا الأقباط، تواضروس الثاني، كان موجودا داخل الكنيسة خلال قداس (أحد السعف)، لكنه لم يصب بأي أذى».
وذكر شهود عيان أن انفجار الكنيسة المرقسية (المقر البابوي) بالإسكندرية لم يلحق أضرارا بمبنى الكنيسة، غير أن مباني مجاورة تضررت جراء شدة الانفجار.
وبثت وكالة «أعماق» المنصة الإعلامية للتنظيمات الإرهابية تبني «داعش» مسؤولية التفجيرين.
وسبق أن تبنى التنظيم تفجير كنيسة ملحقة بكاتدرائية الأقباط الأرثوذكس في القاهرة في ديسمبر (كانون الأول) أوقع 28 قتيلا. أعقبه نشر فيديو هدد فيه باستهداف المسيحيين المصريين.
وبدأ التنظيم المتشدد الذي يتركز نشاطه في شمال سيناء في تنفيذ تهديداته باستهداف أقباط في مدينة العريش قبل أسابيع، مما دفع عشرات الأسر المسيحية للنزوح من المدينة، بعد مقتل 7 أقباط على يد عناصر التنظيم.
ودشن تنظيم داعش الإرهابي وجوده في مصر قبل نحو 3 سنوات، من خلال مبايعة جماعة أنصار بيت المقدس له عام 2014، والتي نفذت عشرات العمليات الإرهابية معظمها في شمال سيناء.
وقبل ثمانية أيام فقط قتل شرطي وأصيب 12 آخرون في انفجار أمام مركز تدريب لقوات الشرطة في طنطا أيضاً. وأعلنت جماعة إسلامية متشددة تسمي نفسها «لواء الثورة» مسؤوليتها عن الهجوم. وتقول وزارة الداخلية إن لواء الثورة وجماعة مسلحة أخرى تسمي نفسها «حركة سواعد مصر» (حسم) تتبعان جماعة الإخوان المسلمين المحظورة لكن الجماعة تنفي ذلك.
من جهته، قرر الرئيس السيسي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، الدفع بعناصر من وحدات التأمين الخاصة بالقوات المسلحة بشكل فوري لمعاونة الشرطة المدنية في تأمين المنشآت الحيوية والهامة بكافة محافظات الجمهورية، كما دعا مجلس الدفاع الوطني للانعقاد بشكل طارئ، لمناقشة خطط تأمين وبحث التفجيرات.
وأدان السيسي الحادث في تصريحات له فور وقوع التفجيرات، مؤكدا أن «هذا الإرهاب الغادر إنما يستهدف الوطن بأقباطه ومسلميه، ولن ينال أبدا من عزيمة المصريين وإرادتهم الحقيقية في مواجهة قوى الشر، بل سيزيدهم إصرارا على تخطّى المحن والمضي قدما في مسيرتهم لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية الشاملة».
ووفقا للبيان وجه السيسي رئاسة الوزراء وكافة الأجهزة الأمنية بالتوجه فورا إلى موقع الحادث واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير الرعاية اللازمة للمصابين وتكثيف التحقيقات للوصول إلى منفذي الحادث وتقديمهم إلى العدالة في أسرع وقت ممكن.
وكان رئيس الوزراء شريف إسماعيل الذي زار محافظة الغربية، للوقوف على تداعيات الحادث. أن القاهرة عازمة «على القضاء على الإرهاب واقتلاعه من جذوره»، مشددا على عزم مصر على القضاء على مثل هذه الأعمال الإرهابية، واجتثاث الإرهاب من جذوره.
كما انتقل اللواء مجدي عبد الغفار وزير الداخلية إلى موقع كنيسة مار جرجس بطنطا، ووجه وزير الداخلية بإعلان حالة الاستنفار القصوى لتأمين كافة الكنائس على مستوى الجمهورية. وقرر الوزير نقل اللواء حسام الدين خليفة مدير أمن الغربية إلى ديوان عام الوزارة، وتعيين اللواء عادل حسونة مديرا لأمن الغربية. كما قرر نقل اللواء إبراهيم عبد الغفار مدير مباحث الغربية إلى مساعد فرقة الشرطة بمديرية أمن الشرقية.
وقال اللواء عبد الغفار إن الإرهاب لا يفرق بين مواطن وآخر، مؤكدًا أنه لن ينال من عزيمة مصر ولن ينجح في إيقاف مسيرة البلاد التي انطلقت لبناء مستقبل مصر الواعد. وأكد وزير الداخلية، أن الأجهزة الأمنية مُصرة كل الإصرار على الانتصار في حربها ضد الإرهاب، مهما تعاظمت التحديات وتفاقمت التضحيات، مشيرًا إلى ضرورة الحسم والتصدي بمنتهى القوة للمحاولات الإرهابية التي تستغل ضعاف النفوس أصحاب العقول الفارغة لتنفيذ مخططاته بالعمليات الإرهابية الانتحارية التي تحاول النيل من عزيمة المصريين.
وذكرت مصادر أمنية أن غرفة عمليات وزارة الداخلية تلقت بلاغات بوجود عبوات ناسفة في أماكن متفرقة بالإسكندرية وطنطا، بعضها «سلبي»، في حين تم التعامل مع الحقيقي منها وتفكيكها.
وتتزامن تلك التفجيرات مع بدء احتفال المسحيين أمس بما يسمى «أسبوع الآلام»، الذي يشير إلى الأسبوع الأخير من حياة المسيح. ورأس البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية أمس قداس «أحد السعف»، في الكاتدرائية المرقسية بالإسكندرية، قبل وقوع الحادث الإرهابي.
ويمثل «أحد السعف» ذكرى دخول المسيح إلى القدس حيث خرج أهلها لاستقباله رافعين سعف النخيل. وتبدأ مساء يوم (السبت) القادم احتفالات المسيحيين بـ«عيد القيامة»، وهو أكبر الأعياد المسيحية.
من جانبه، أدان الدكتور علي عبد العال رئيس مجلس النواب الحادث الإرهابي، مؤكدا أنه حلقة من حلقات مؤامرة كبرى تحاك للوطن للنيل من تماسك لحمته وأمنه واستقراره. وقال عبد العال في بيان لمجلس النواب: «إن مجلس النواب يؤكد أننا أمام إرهاب أسود جهول يستبيح سفك الدماء لإجهاض كل قيمة شريفة وتحويل مصر الكنانة إلى مستنقع من الدماء والأشلاء... نحن أمام جماعات مناهضة للحياة، تشوه وجه الإسلام الذي لا يقر الاعتداء على الأبرياء، والذي يحفظ للإنسان كرامته وعرضه وماله».
وقال عبد العال: «لقد رتبت هذه الجماعات الإرهابية المفسدة في الأرض لجريمتها البشعة لتتواكب مع احتفال الإخوة المسيحيين بعيد أحد السعف بغية تمزيق اللحمة والنسيج القومي المصري».
وأدان الأزهر التفجيرات، مشددًا على أنه يمثل جريمة بشعة في حق المصريين جميعًا. وأكد في بيان له أن هؤلاء الأبرياء الذين راحوا ضحية الغدر والخيانة، عصم الله دماءهم من فوق سبع سماوات، وأنَّ هذا الحادث الأليم تعرَّى عن كل معاني الإنسانية والحضارة، مشددًا على أن المستهدف من هذا التفجير الإرهابي الجبان هو زعزعة أمن واستقرار مصرنا العزيزة ووحدة الشعب المصري، الأمر الذي يتطلب تكاتف كافة مكونات الشعب؛ لتفويت الفرصة على هؤلاء المجرمين والتصدي لإجرامهم، مؤكدًا تضامنه مع الكنيسة المصرية في مواجهة الإرهاب، وثقته الكبيرة في قدرة رجال الأمن على تعقب الجناة وتقديمهم للعدالة الناجزة.
وأعرب الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر عن خالص تعازيه للبابا تواضروس الثاني والكنيسة المصرية، وللشعب المصري، ولأسر الضحايا، متمنيًا الشفاء العاجل للمصابين. في السياق ذاته، قدمت دار الإفتاء التعازي للمسيحيين والمصريين جميعا، مؤكدة أنها تربُت على قلوب جميع المصريين وتطالبهم بأن يلتفوا حول اللحمة الوطنية، وألا يعطوا الفرصة لأعداء الوطن ليبثوا الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، مشددة على أن الخوارج يريدون أن يفتوا في عضد الوطن وعلى الجميع التكاتف والتعاون للعبور إلى بر الأمان.
وقالت إن الإرهابيين يصيبهم الجنون والهوس إذا وجدوا تقدما للوطن على أرض الواقع فهم أعداء التنمية والتقدم ويحاولون بث الذعر ونشر الفتن بين أبناء الوطن الواحد لكي يحققوا مرادهم وإن شاء الله سيرد الله كيدهم في نحورهم.
كما تعهدت دار الإفتاء المصرية بمواصلة التصدي للأصول الفكرية الفاسدة لدعاة الهدم والفساد، ومواصلة المشاركة في دعم الاستقرار والتنمية في جوانبها جميعا وخصوصا جانبها الفكري والإفتائي.

** أبرز حوادث استهداف الكنائس في مصر
* تفجير كنيسة القديسين
* عشية احتفالات رأس السنة عام 2011، استهدف تفجير ضخم كنيسة القديسين، في منطقة سيدي بشر بالإسكندرية، وقُتل خلاله 23 شخصا، وأصيب 97 آخرون.
* حادث كنيسة الوراق
* أطلق مسلحون متشددون النار على حفل زفاف في منطقة الوراق غرب القاهرة، ما أدى إلى مقتل 3 أشخاص، وذلك في شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 2013.
* تفجير الكنيسة البطرسية
* وخلَّف تفجير انتحاري في قاعة للصلاة بالكنيسة البطرسية الملحقة بكاتدرائية الأقباط الأرثوذكس بوسط القاهرة، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، 28 قتيلاً أغلبهم من النساء والأطفال وعشرات المصابين.
* تفجير كنيسة مار جرجس
* في يوم احتفال المسيحيين في مصر بأحد السعف (الشعانين)، استهدف تفجير كنيسة مار جرجس في مدينة طنطا أثناء الصلاة، ما أدى إلى مقتل 30 شخصا على الأقل وإصابة العشرات.
* تفجير الكاتدرائية المرقسية
* بعد نحو 3 ساعات من تفجير كنيسة طنطا، وقع استهداف لكنيسة بالإسكندرية، حيث فجَّر انتحاري نفسه أمام المقر السكندري لبابا الأقباط، وأدى إلى مقتل 11 شخصا على الأقل وإصابة العشرات.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.