ماذا بعد رسالة ترمب الصاروخية إلى الأسد؟

قراءة سياسية للضربة الأميركية

جانب من قاعدة الشعيرات الجوية بعد اصابتها بالصواريخ الأميركية (أ.ف.ب)
جانب من قاعدة الشعيرات الجوية بعد اصابتها بالصواريخ الأميركية (أ.ف.ب)
TT

ماذا بعد رسالة ترمب الصاروخية إلى الأسد؟

جانب من قاعدة الشعيرات الجوية بعد اصابتها بالصواريخ الأميركية (أ.ف.ب)
جانب من قاعدة الشعيرات الجوية بعد اصابتها بالصواريخ الأميركية (أ.ف.ب)

ماذا بعد؟ كان هذا السؤال الذي شاع وانتشر في العواصم الغربية بعد ساعات من توجيه الولايات المتحدة الأمر بشن هجوم صاروخي على قاعدة الشعيرات الجوية السورية، وهو الهجوم الذي دمر 9 طائرات قاذفة وتسبب في إعطاب 5 طائرات أخرى على نحو ما ذكرت التقارير الإخبارية.
حاول بعض المحللين الاجتهاد لسبر غور هذه العملية المخطط لها بعناية فائقة، مدعين أنها تعد بداية لاستراتيجية أميركية واسعة النطاق فيما يتعلق بسوريا. وهوّن البعض الآخر من الأمر واصفين العملية بأنها مجرد خطوة ترمي إلى تعزيز موقف الرئيس دونالد ترمب وتؤكد أنه الرجل الذي يعني ما يقول.
الحقيقة أنه من السابق لأوانه كثيرا تحديد أي وجهات النظر الأقرب إلى الحقيقة والواقع. ولكن لدينا هنا عدد من النقاط المؤكدة بالفعل.
أولا، العملية كانت مصحوبة بتصريحات رسمية من كبار المسؤولين الأميركيين، بما في ذلك وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، بأن واشنطن تعود إلى مطالبها الأولى بأن أي تسوية في سوريا لا بد أن تشتمل على جدول زمني واضح المعالم، ومحدد الخطوات، وقصير الأمد... ذلك الذي ينتهي بمغادرة الرئيس بشار الأسد السلطة في البلاد.
بعبارة أخرى، إن إدارة الرئيس ترمب قد اعتمدت ما يسمى قرارات جنيف 1 التي تشمل تحديداً نهاية حكم آل الأسد في سوريا، باعتبارها النقطة المرجعية الرئيسية إزاء أي اتفاقيات مستقبلية تتضمن روسيا وغيرها من البلدان. كما أن اتفاقات جنيف 1 تحظى بدعم قوي من جانب الاتحاد الأوروبي وغالبية الدول العربية المعنية. ولقد تأكد الدعم العربي لاتفاقات جنيف 1 من خلال تصريحات العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أثناء مؤتمر القمة الذي جمعه بالرئيس دونالد ترمب في واشنطن مؤخرا.
والنقطة الواضحة الثانية تدور حول تخلي الإدارة الأميركية الحالية عن الموقف المتخذ من جانب الرئيس الأسبق باراك أوباما - أي فكرة «القيادة من الكواليس» - واستئناف الدور القيادي التقليدي الذي اعتادت الولايات المتحدة الاضطلاع به في القضايا ذات الأهمية الكبرى على الصعيد العالمي. وحقاً، تشير سرعة الترحيب الدولية بالهجوم الصاروخي الأميركي على قاعدة الشعيرات السورية من جانب الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة، وعلى رأسهم بريطانيا العظمى وفرنسا، إلى أن حلف شمال الأطلسي «ناتو» يؤيد قرار الرئيس ترمب بإنهاء الدور الأميركي السلبي فيما يتعلق بسوريا.
وأمس، تحدث وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون بعبارات رنانة حول الخطوة الأميركية الأخيرة، مؤكدا أن رحيل الرئيس الأسد عن السلطة عاد، مرة أخرى، ليتصدر قائمة أولويات الأجندة الأميركية. أما الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، الذي شعر بنوع من الخيانة من جانب الرئيس الأسبق أوباما لتراجعه في اللحظة الأخيرة عن مزاعمه حول سياسة «الخطوط الحمراء» المعلنة، فقد رحب كثيرا بالقرار المتخذ من جانب الرئيس دونالد ترمب.
والنقطة الواضحة الثالثة لدينا تتعلق بآليات الدولة في الولايات المتحدة الأميركية، ونقصد في هذه الحالة وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على وجه التحديد، التي عادت إلى نشاطها الأول المعهود. ولقد كانت تلك الآلية قيد الحياد الغريب في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما من قبل البيت الأبيض وقرارات الاعتراض الرئاسية على العمليات التي أشار إلى ضرورتها كثير من الخبراء والقادة العسكريين والدبلوماسيين، وفي كثير من الأحيان كانت تلك الاعتراضات تصدر في اللحظات الأخيرة.
وفي وقت سابق من الشهر الحالي، رفع الرئيس ترمب القيود المفروضة من قبل الرئيس أوباما على وزارة الدفاع الأميركية، وأصدر أوامره إلى وزير الدفاع الجنرال جيمس ماتيس بإعادة تفعيل آليات التخطيط الطارئة في جيش الولايات المتحدة الأميركية.
لقد كان الهجوم الصاروخي الخميس الماضي عبارة عن عملية عسكرية تقليدية من النوع الذي استخدمه مختلف رؤساء الولايات المتحدة منذ عهد الرئيس الراحل رونالد ريغان، الذي أصدر الأوامر بشن هجوم مماثل على قواعد المسلحين في لبنان. وفي أعقاب الهجوم الأول الذي شنه تنظيم القاعدة الإرهابي على مركز التجارة العالمي في نيويورك في فبراير (شباط) من عام 1993، استخدم الرئيس الأسبق بيل كلينتون الهجمات الصاروخية ضد القواعد الإرهابية في السودان وأفغانستان.
بعد ذلك، فإن الهجوم الصاروخي، حتى وإن تبين أنه لا يزيد على كونه ممارسة «إشارية» دبلوماسية، فهو يُضعف الادعاءات بأن إدارة الرئيس ترمب تتسق، بطريقة أو بأخرى، مع المسارات المتخذة من جانب الكرملين حيال القضايا الدولية الكبرى على أدنى تقدير.
وأخيرا، إذا كانت خطوة الرئيس ترمب تشير إلى عودة الولايات المتحدة لتولي دورها القيادي في العالم، فإن ذلك يعني ارتفاع احتمالات توجه الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة بمساوقة سياساتهم الخارجية حيال الأزمة السورية مع سياسات الولايات المتحدة. وكان موقف الرئيس أوباما الغريب قد خلق نوعاً من التنافر أدى إلى اتخاذ مواقف متضاربة ونشوء سلوكيات متضادة من قبل الحلفاء الإقليميين وحلف شمال الأطلسي حيال الأزمة السورية.
إن الهجوم الصاروخي، بمعزل عن أمور أخرى، هو أكثر من مجرد وسيلة للبعث برسالة سياسية معينة. وفي هذه الحالة، فإن الرسالة الموجهة إلى الأسد ومن يدعمونه في موسكو وطهران هي أن كل عمل سوف يلقى عواقبه الخاصة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر باستخدام الأسلحة الكيماوية. وحقيقة أن الأسلحة الكيماوية والجرثومية هي، على نحو تقريبي، الأنواع الوحيدة المحظورة من الأسلحة فوق التقليدية بموجب المعاهدات الدولية، تشير إلى حالة الرعب والهلع التي تنتاب العالم المعاصر إزاء هذه الأسلحة.
ومن المحتمل أن يكون الأسد قد أراد اختبار ردود فعل الرئيس ترمب، ومعرفة ما إذا كان الرئيس الأميركي الجديد سوف يبتلع الهجوم الكيماوي بطريقة رد الفعل السلبي نفسها، التي بدرت من الرئيس باراك أوباما. وإذا كان الأمر كذلك، فلقد كان الرد واضحا وقويا لدى الرئيس السوري. وربما تخلى الرئيس ترمب عن وهمه السابق بسهولة رحيل الرئيس الأسد عن السلطة في سوريا على المدى الطويل. وربما رغب الرئيس الأسد، الذي يزعم أن فريقه على وشك الفوز في الحرب الطاحنة، في محاكاة تجربة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي «فاز» في حربه ضد الأقلية الكردية عن طريق شن الهجمات الكيماوية على قرية حلبجة الكردية.
ومع ذلك، فإن هجوما صاروخيا وحيدا لا يعني على الإطلاق أن الرئيس ترمب قد وضع سياسة واضحة ومتماسكة بشأن الأزمة السورية، ناهيكم من الشكل المستقبلي للأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي من دونه لن تغادر المنطقة حلبة الاضطرابات الحالية على الإطلاق.
ومن المتوقع أن يجتمع الرئيس ترمب مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في إطار قمة مجلس القطب الشمالي المنتظر انعقادها في يونيو (حزيران) المقبل. ومن شأن المجلس المذكور أن يعقد اجتماعه الوزاري في الشهر المقبل. وإذا ما اجتمع الرئيسان ترمب وبوتين، فإنه من المؤكد أن تأتي الأزمة السورية على رأس جدول الأعمال؛ وهذا يعني أنه يتعين على الإدارة الأميركية إرساء أسس سياسة عملية ومتماسكة فيما يتعلق بسوريا وفي أقرب وقت ممكن. ومن خلال الإشارة إلى إنهاء حالة التردد التي اتسمت بها سياسات واشنطن، فإن هجوم الخميس الصاروخي على القاعدة الجوية السورية يوفر الفرصة السانحة تماما للقيام بذلك.



نزوح عشرات الإعلاميين من المخا خشية الانتقام الحوثي

يمني في العاصمة المختطفة صنعاء يطالع صحيفة يصدرها الحوثيون (أ.ب)
يمني في العاصمة المختطفة صنعاء يطالع صحيفة يصدرها الحوثيون (أ.ب)
TT

نزوح عشرات الإعلاميين من المخا خشية الانتقام الحوثي

يمني في العاصمة المختطفة صنعاء يطالع صحيفة يصدرها الحوثيون (أ.ب)
يمني في العاصمة المختطفة صنعاء يطالع صحيفة يصدرها الحوثيون (أ.ب)

يواجه عشرات الصحافيين والإعلاميين النازحين من مدينة المخا اليمنية والمناطق المحيطة بها ظروفاً إنسانية ومعيشية قاسية، بعدما اضطروا إلى مغادرة منازلهم مع التمدد العسكري الحوثي في غرب محافظة تعز، والساحل الغربي لمحافظة الحديدة، في وقت تعرضت فيه منازل وممتلكات إعلاميين للنهب، وسط مخاوف من الاعتقال، والاختطاف.

وأطلق مرصد الحريات الإعلامية في اليمن «مرصدك»، التابع لمركز الدراسات والإعلام الاقتصادي (منظمة يمنية)، نداءً عاجلاً إلى المجتمع الدولي، والمنظمات الإنسانية، والجهات المانحة، لتوفير دعم إنساني ومهني فوري لأكثر من 117 صحافياً وإعلامياً وعاملاً في القطاع الإعلامي اضطروا إلى النزوح من المخا، والمناطق المحيطة بها.

وأكد المرصد، في إحاطة تناولت الأوضاع الإنسانية والمعيشية للإعلاميين النازحين، أن موجة النزوح بدأت خلال سبتمبر (أيلول) الجاري، على خلفية العمليات العسكرية الحوثية التي انتهت باقتحام المنطقة، مشيراً إلى أن بين النازحين 15 صحافياً ومصوراً ومتعاوناً إعلامياً يعملون بصورة مستقلة، أو لدى مؤسسات إعلامية مختلفة.

عناصر حوثيون يهتفون بـ» الصرخة الخمينية» في أحد المواقع (رويترز)

وأوضح المرصد أن عدداً من الصحافيين اضطروا إلى مغادرة منازلهم بصورة عاجلة خشية التعرض للاختطاف على أيدي الحوثيين، بينما تلقت جهات مختصة بلاغات عن اقتحام منازل صحافيين آخرين، ونهب محتوياتها بالكامل.

وأدت هذه الانتهاكات، وفق المرصد، إلى فقدان عدد من الإعلاميين مساكنهم، وممتلكاتهم، ومصادر دخلهم الأساسية، ما ضاعف معاناتهم الإنسانية والمعيشية في ظل ظروف النزوح التي خلفتها المواجهات الأخيرة.

وطالب المرصد المنظمات الإنسانية والجهات المانحة بتقديم حزمة دعم عاجلة للصحافيين النازحين، تشمل مساعدات مالية مؤقتة، وتأمين مساكن ملائمة، وتوفير الدعم النفسي، والمهني، إلى جانب المعدات والأدوات اللازمة لتمكين الإعلاميين من استئناف أعمالهم، ومواصلة أداء رسالتهم في بيئة آمنة، ومستقرة.

حالة اعتقال

في السياق ذاته، طالبت نقابة الصحافيين اليمنيين بالكشف عن مصير الصحافي صادق شلي، مدير المركز الإعلامي للمقاومة الوطنية، والإفراج عنه، مؤكدة أنها تلقت بلاغاً من زملائه يفيد باعتقاله من منزله في مدينة المخا من قبل الحوثيين.

ودعت النقابة إلى الكشف عن مكان احتجازه، وضمان سلامته، وعدم تعرضه لأي أذى، مؤكدة أن احتجاز الصحافيين بسبب عملهم أو مواقفهم يمثل انتهاكاً لحرية الصحافة، وحق التعبير.

عامل أممي في جيبوتي يستقبل يمنيين فروا من مناطق سيطر عليها الحوثيون (رويترز)

كما دعت النقابة المنظمات الحقوقية والصحافية المحلية والدولية إلى إدانة هذه الممارسات، والضغط من أجل الإفراج عن الصحافيين المحتجزين على خلفية نشاطهم المهني.

وأعربت النقابة كذلك عن قلقها إزاء الظروف الإنسانية والمعيشية الصعبة التي يواجهها عشرات الصحافيين النازحين من المخا إلى عدن عقب المواجهات التي شهدتها المدينة، مطالبة الجهات المعنية والمنظمات الحقوقية والإنسانية بتوفير الدعم العاجل لهم.

540 حالة احتجاز

تأتي هذه التطورات في ظل سجل متراكم من الانتهاكات بحق الصحافيين في اليمن، إذ وثق تقرير حقوقي حديث أكثر من 540 حالة احتجاز تعسفي لصحافيين وإعلاميين خلال الفترة من 26 مارس (آذار) 2015 وحتى 15 أغسطس (آب) 2026، من بينها 235 حالة اختفاء قسري.

وقال التقرير الصادر عن مرصد الحريات الإعلامية في اليمن، التابع لمركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، إن الاختفاء القسري يعد من أخطر الانتهاكات التي طالت الصحافيين والإعلاميين خلال سنوات النزاع، لما يترتب عليه من آثار مباشرة على الضحايا، وأسرهم، وعلى البيئة الصحافية برمتها.

وسجلت صنعاء العدد الأكبر من حالات الاختفاء القسري بـ99 حالة، تلتها الحديدة بـ30 حالة، وتعز بـ26 حالة، وعدن بـ23 حالة، لتشكل المحافظات الأربع نحو 75.7 في المائة من إجمالي الحالات الموثقة.

وبحسب التقرير، نسبت 167 حالة، أي 71.1 في المائة من إجمالي حالات الاختفاء القسري، إلى الجماعة الحوثية، فيما توزعت بقية الحالات على أطراف يمنية مختلفة، بينها أربع حالات نسبت إلى تنظيم القاعدة.

يمنية تجلب الماء على ظهر حمار في مخيم للنازحين غربي تعز (رويترز)

وسجل عام 2015 أعلى حصيلة للاختفاء القسري بواقع 76 حالة، تلاه عام 2017 بـ48 حالة، بما يمثل معاً 52.8 في المائة من إجمالي الحالات. ورغم تراجع وتيرة هذه الانتهاكات خلال السنوات اللاحقة، وثق التقرير 15 حالة في عام 2025، وأربع حالات منذ مطلع 2026 وحتى 15 أغسطس (آب) الماضي.

وأشار التقرير إلى أن آثار الاختفاء القسري والاحتجاز لا تقتصر على الصحافيين الضحايا، بل تمتد إلى أسرهم، والوسط الإعلامي والمجتمع ككل، إذ تسهم هذه الممارسات في توسيع نطاق الرقابة الذاتية، وتقليص النشاط الصحافي، وإضعاف قدرة الإعلام على توثيق الانتهاكات، وكشف الفساد.

كما تحرم هذه الانتهاكات المجتمع من حقه في الوصول إلى المعلومات، وتدفع الصحافيين إلى العمل في بيئة تتزايد فيها المخاطر الأمنية، والإنسانية، في وقت يواجه فيه عشرات الإعلاميين النازحين ظروفاً معيشية قاسية، وفقداناً لمساكنهم، ومصادر دخلهم.


تحذيرات من تفشي الكوليرا بين الفارّين من الهجمات الحوثية

نازحون في أحد المخيمات غرب تعز لا يمتلكون أي مقومات للحياة (رويترز)
نازحون في أحد المخيمات غرب تعز لا يمتلكون أي مقومات للحياة (رويترز)
TT

تحذيرات من تفشي الكوليرا بين الفارّين من الهجمات الحوثية

نازحون في أحد المخيمات غرب تعز لا يمتلكون أي مقومات للحياة (رويترز)
نازحون في أحد المخيمات غرب تعز لا يمتلكون أي مقومات للحياة (رويترز)

حذرت منظمة «الإغاثة الإسلامية» من ازدياد مخاطر تفشي أمراض منقولة بالمياه، بينها الكوليرا، في أوساط النازحين الذين فروا من مناطق القتال في غرب اليمن، في ظل اكتظاظ مراكز الإيواء وغياب المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي، في وقت تجاوز فيه عدد النازحين خلال الأيام القليلة الماضية 125 ألف شخص.

وقالت المنظمة إن فرقها سجلت نزوح أكثر من 125 ألف شخص عن منازلهم حتى الآن، نتيجة أعمال العنف المتصاعدة خلال الأيام الأخيرة، مشيرةً إلى أن معظم الفارين يعيشون في ظروف «بائسة ومكتظة»، ويفتقرون إلى المياه النظيفة ومرافق الصرف الصحي الملائمة.

وأوضحت المنظمة أن فرقها تعمل في محافظات تعز ولحج وعدن، حيث لجأت عائلات كثيرة إلى مدارس مكتظة ومخيمات، فيما اضطر آخرون إلى افتراش الشوارع، في ظل نقص حاد في الاحتياجات الأساسية.

وقالت خانزاد شاه، منسقة برامج المياه والصرف الصحي والنظافة في «الإغاثة الإسلامية» باليمن، إن أعداد النازحين تزداد يوماً بعد يوم، وهم يواجهون ظروفاً مروعة، من بينها نقص المياه والغذاء والسيولة النقدية اللازمة لشراء احتياجاتهم.

أشخاص يقفون بالقرب من شاحنة صغيرة في مخيم الفردوس للنازحين بمحافظة عدن (رويترز)

وأضافت أن الأطفال في أحد مراكز الإيواء المدرسية كانوا يبكون من شدة الجوع، بينما ينام النازحون على أرضيات الفصول المكتظة، ويضطرون إلى شرب مياه ملوثة وغير نظيفة، مع افتقارهم إلى مرافق صرف صحي لائقة.

وحذرت شاه من أن هذه الظروف تهيئ بيئة ملائمة لتفشي أمراض قاتلة تنتقل عبر المياه، مثل الكوليرا، خصوصاً في ظل تدهور النظام الصحي اليمني بعد سنوات من الصراع ونقص التمويل، مما يجعل السيطرة على أي تفشٍ للأمراض وإنقاذ الأرواح أمراً بالغ الصعوبة.

وحسب المنظمة، لا تعمل نحو 59 في المائة من المرافق الصحية في محافظة تعز، في وقت تعاني فيه الخدمات الأساسية من شح التمويل خلال السنوات الماضية. وذكّرت بأن تفشياً للكوليرا في اليمن عام 2017 أودى بحياة نحو 3 آلاف شخص.

وتعمل «الإغاثة الإسلامية» في اليمن منذ عام 1998، وتنفذ مشاريع في مجالات المياه والصرف الصحي وسبل العيش ودعم الأيتام والإغاثة الطارئة، بالتعاون مع منظمات محلية في أنحاء البلاد.

مساعدات محدودة

أفاد مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية بأن أكثر من 10 ملايين شخص من الفئات الأكثر ضعفاً في اليمن حصلوا على مساعدات إنسانية منقذة للحياة خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي.

وقال المكتب إن 133 منظمة إنسانية قدمت مساعدات لنحو 10.83 مليون شخص بين يناير (كانون الثاني) ويوليو (تموز)، الماضي بمتوسط يقارب 3.6 مليون شخص شهرياً.

يمنية تجلس بجوار غلاية خارج خيمتها في مخيم للنازحين بمحافظة عدن (رويترز)

ووفق البيانات الأممية، حصل نحو 5.9 مليون شخص على مساعدات غذائية وسبل عيش، فيما استفاد قرابة 2.6 مليون شخص من خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة، وتلقى أكثر من 1.2 مليون شخص مساعدات في مجال الرعاية الصحية.

كما تلقى نحو 2.8 مليون شخص مساعدات تغذوية، بما يمثل 62 في المائة من إجمالي المستهدفين البالغ عددهم 4.2 مليون شخص، في حين وصلت خدمات الحماية إلى نحو 556.1 ألف شخص.

وأقر مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية بأن عدد المستفيدين من المساعدات لا يزال منخفضاً بسبب النقص الحاد في التمويل، رغم استمرار الشركاء في تقديم الدعم لمئات الآلاف من الأشخاص.

وحسب المكتب، لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في اليمن للعام الحالي 20 في المائة من إجمالي التمويل المطلوب، والمقدر بنحو 2.16 مليار دولار لتنفيذ الأنشطة ذات الأولوية ومساعدة الفئات الأكثر ضعفاً.


الجيش اليمني يستنزف الحوثيين في غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية في جبهة الكدحة غرب تعز (أ.ف.ب)
جندي من القوات المسلحة اليمنية في جبهة الكدحة غرب تعز (أ.ف.ب)
TT

الجيش اليمني يستنزف الحوثيين في غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية في جبهة الكدحة غرب تعز (أ.ف.ب)
جندي من القوات المسلحة اليمنية في جبهة الكدحة غرب تعز (أ.ف.ب)

تكبدت الجماعة الحوثية خسائر بشرية ومادية خلال الساعات الـ24 الماضية، في معارك ما زالت تدور على امتداد الجبهات الغربية لمحافظة تعز والمناطق المطلة على مضيق باب المندب، وسط محاولات الجماعة لتثبيت مواقعها الجديدة، وتأمين خطوطها الخلفية في السلاسل الجبلية المشرفة على الساحل الغربي والممر الملاحي الدولي.

وتتركز المواجهات الأشد -حسب مصادر محلية وعسكرية- في جبهات جبال كهبوب والمضاربة والوازعية؛ حيث تحاول القوات الحكومية ومعها أبناء القبائل في المنطقة تأمين مرتفعات جبلية استراتيجية، في وقت تدفع فيه الجماعة الحوثية بتعزيزات، وتحاول التقدم نحو مواقع مرتفعة تتيح لها حماية المناطق التي سيطرت عليها أخيراً.

وقالت مصادر عسكرية إن القوات الحكومية، مسنودة بمقاتلين محليين، أحبطت محاولة تسلل حوثية في قطاع الأغبرة بمديرية المضاربة في محافظة لحج، وأوقعت خسائر بشرية في صفوف المهاجمين.

جندي يمني داخل عربة عسكرية في غرب تعز حيث المواجهات مع الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي جبهة كهبوب القريبة من باب المندب، استهدفت قوات العمالقة الجنوبية تجمعات وآليات حوثية بضربات جوية ومُسيَّرة ومدفعية وصاروخية، في وقت أفادت فيه مصادر ميدانية بمقتل قيادي حوثي بارز برتبة لواء، مع 6 من مرافقيه.

وذكرت المصادر أن القيادي هو فراق محسن العصار، المعروف باسم «أبو صقر القفر»، والمنحدر من مديرية القفر بمحافظة إب، مشيرة إلى أنه تولى مواقع عسكرية عدة، من بينها قيادة «اللواء الأول مغاوير».

معارك على المرتفعات

وتدور المواجهات بين القوات الحكومية اليمنية والحوثيين في مديرية الوازعية الوقعة غرب تعز حول سلسلة المرتفعات الممتدة من جبال كهبوب إلى منطقة جرداد شرقاً، في مسعى حكومي لتأمين المواقع التي تشرف على مناطق الساحل الغربي وباب المندب، ودحر عناصر الجماعة من هذه المرتفعات.

وتكتسب هذه الجبال أهمية ميدانية بسبب إشرافها على المناطق القريبة من المضيق والسهل الممتد باتجاه رأس العارة.

وتقول المصادر إن الحوثيين يحاولون الوصول إلى هذه المواقع لتأمين المناطق التي سيطروا عليها واتخاذ المرتفعات منطلقاً لأي تحرك جديد جنوباً.

وفي جبهة الكدحة غرب تعز، تصدَّت القوات الحكومية لهجوم حوثي، وأجبرت المهاجمين على التراجع بعد وقوع قتلى وجرحى في صفوفهم، بينما استعاد الجيش مواقع في جبل الشهداء المطل على وادي الغيل بالوازعية، بعد طرد الحوثيين منها. كما شنت القوات الجوية غارات على مواقع حوثية في محيط جولة القصر شرق مدينة تعز.

وتشير التطورات الميدانية إلى أن المعارك في غرب تعز لا تدور فقط حول خطوط التماس الحالية، وإنما حول السيطرة على المرتفعات التي يمكن أن تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على حماية مواقعه والتحرك بين الساحل والمناطق الداخلية.

ضربات متواصلة في مأرب

في محافظة مأرب، واصلت القوات الحكومية عملياتها البرية والجوية ضد الحوثيين؛ حيث استهدف الطيران الحربي تجمعات وآليات للجماعة في معسكر أم ريش وعقبة ملعاء جنوب المحافظة.

وأعلنت القوات الحكومية إحباط 3 محاولات تسلل حوثية في جبهات مأرب، بالتزامن مع تبادل القصف المدفعي بين الجانبين.

وكانت القوات الحكومية قد أعلنت، الجمعة، تدمير 9 آليات عسكرية حوثية في الجبهات الغربية لمأرب، ومقتل من كانوا على متنها، بينما استهدفت طائرات مُسيَّرة تابعة للمنطقة العسكرية السابعة تجمعات حوثية في الجبهات الشمالية، وطالت ضربات أخرى عربات للجماعة في نطاق المنطقة العسكرية الثالثة.

وتأتي هذه العمليات بينما تشهد بقية الجبهات هدوءاً نسبياً مقارنة بالقتال الدائر في غرب تعز ومأرب، مع استمرار حالة الاستنفار العسكري على خطوط التماس.

وتعكس التطورات خلال الساعات الأخيرة تركُّز العمليات الحكومية على منع الحوثيين من إحكام قبضتهم على المرتفعات المطلة على باب المندب والساحل الغربي، بالتوازي مع استهداف التعزيزات والآليات التي تدفع بها الجماعة إلى هذه الجبهات، في محاولة لعرقلة تثبيت مواقعها الجديدة واحتواء تحركاتها باتجاه المناطق الجبلية المشرفة على المضيق.