السلطات الروسية أمام تحديات جديدة

بعد تفجير محطة مترو سان بطرسبرغ

السلطات الروسية أمام تحديات جديدة
TT

السلطات الروسية أمام تحديات جديدة

السلطات الروسية أمام تحديات جديدة

لم يكن التفجير الذي وقع في مترو (قطار الأنفاق) بمدينة بطرسبرغ، ثاني أهم وأكبر المدن الروسية، مجرد عمل إرهابي انتحاري أودى بحياة أبرياء. ذلك أنه، فضلا عن نتائجه المأساوية إنسانياً، شكل صدمة نوعاً ما لمؤسسات الدولة الروسية المعنية بمكافحة الإرهاب، ناهيك بالصدمة التي خلفها في أوساط المجتمع الروسي. التفجير – كما هو معلوم – وقع في واحدة من أكثر المنشآت حساسية هي شبكة النقل عبر المترو، التي تشكل فضاء محصوراً نوعاً ما، يحتشد فيه دوماً أعداد كبيرة من الناس وبكثافة عالية في المكان، ما يعني أن أي تفجير من الممكن أن يؤدي إلى نتائج كارثية.
حتى الآن لم يتضح للسلطات الأمنية الروسية التي تحقق في تفجير مترو (قطار أنفاق) مدينة بطرسبرغ قبل بضعة أيام كيف تمكن المشتبه به من الوصول ومعه حقائب فيها عبوات ناسفة إلى داخل شبكة المترو. لكن الأمر الأكيد أن أجهزة الأمن الروسية ستعيد صياغة منظومة الأمن على المواصلات، آخذة بالحسبان دروس مأساة مترو بطرسبرغ.
من جانب آخر يضع التفجير في المترو عمليات التكامل الاقتصادي بين روسيا وحلفائها في آسيا الوسطى أمام امتحان معقد. فمنفذ التفجير واحد من أبناء آسيا الوسطى كان قد انتقل للعيش في روسيا، لأسباب اقتصادية على الأرجح. ومن ثم فإن منع تكرار مثل تلك الأعمال، من دون أن يترك ذلك أثراً سلبياً على العمالة الوافدة من آسيا الوسطى إلى السوق الروسية، يتطلب تدابير عالية الدقة وتعاوناً وثيقاً بين مؤسسات الأمن في الفضاء السوفياتي السابق.

يوم الحادث
في الثالث من أبريل (نيسان) بدأ كثيرون في مدينة بطرسبرغ، يومهم كما أي يوم طبيعي، ولم يكن هناك ما ينذر بمأساة. ولكن في تمام الساعة 14:40، ظهيرة ذلك اليوم، انفجرت عبوة ناسفة في عربة من عربات مترو المدينة بينما كان يسير بسرعة، كما جرت العادة، متجهاً من محطة تيخنولوغيتشسكي إنستيتوت (المعهد التقني) إلى محطة «سينايا بلوشاد». وخلال الساعات الأولى، كانت الأنباء متضاربة حول ما جرى وأعداد الضحايا، فبداية أعلنت مصادر أمنية روسية عن تفجير أودى بحياة عشرة مواطنين. وبحلول مساء ذلك اليوم أكدت وزارة الصحة الروسية سقوط 14 قتيلا ونحو 50 جريحاً نتيجة التفجير.
أيضاً، في الساعات الأولى قال الأمن الروسي إنه يدرس كل الاحتمالات الممكنة لما جرى، بما في ذلك احتمال «عمل إرهابي». واللافت أن هذا كله جرى في بطرسبرغ، بينما كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - ابن بطرسبرغ - موجوداً في المدينة، ما يعني أن الإجراءات الأمنية، كما هو مفترض، يجب أن تكون «فوق مشددة» في المدينة بشكل عام.
وبعد ساعات على التفجير في المترو، أقرت السلطات أن ما جرى عمل إرهابي، وأشارت إلى مشتبه به بين الضحايا، ما يعني أنه عمل انتحاري. وفي الوقت ذاته أعلنت الهيئة الوطنية الروسية لمكافحة الإرهاب عن العثور على عبوة ناسفة يدوية الصنع في محطة مترو «بلوشاد فوستانيا»، وقال أندريه برجيزدومسكي، مدير المكتب الصحافي الهيئة في حديث لقناة «روسيا - 24»، إن الأمن عثر في محطة مترو «بلوشاد فوستانيا» في بطرسبرغ، على عبوة ناسفة يدوية الصنع وقام بتعطيلها.
وبينما كانت لجان التحقيق تواصل عملها للكشف عن ملابسات ما جرى أعلنت سلطات مدينة بطرسبرغ الحداد لمدة ثلاثة أيام على أرواح ضحايا تفجير المترو. وقالت محافظة المدينة في بيان على «تويتر»: «بموجب أوامر محافظ بطرسبرغ غيورغي بولتافتشينكو، يُعلن الحداد في المدينة ثلاثة أيام». ونقلت وكالة «تاس» عن اللجنة تأكيدها أن «الاستخبارات والمؤسسات الأمنية تواصل عملياتياً إجراءاتها الرامية إلى الكشف عن أي تهديد إرهابي وإحباطه».

هوية الجاني
وفي اليوم التالي أعلنت لجنة التحقيق الفيدرالية الروسية أنها تمكنت من تحديد هوية الشخص الذي يعتقد أنه نفذ التفجير في مترو سان بطرسبرغ، إذ قالت سفيتلانا بيترينكو، المتحدثة الرسمية باسم اللجنة إن الشخص الذي يتوقع أنه نفد التفجير اسمه أكبرجون جليلوف، وأنه من مواليد مقاطعة أوش في جمهورية قيرغيزيا (قيرغيزستان) بآسيا الوسطى عام 1995. وتابعت المتحدثة القول إن المحققين عثروا على أشلائه في العربة الثالثة من القطار. ويرجح المحققون أن جليلوف حمل العبوة الناسفة التي فجرها داخل حقيبة، كان يضعها على ظهره لحظة الانفجار.
كذلك أشارت التحقيقات إلى أن جليلوف نفسه هو من وضع عبوة ناسفة في محطة مترو «بلوشاد فوستانيا»، وحسب كلام بيترينكو، فإن إن تحاليل الحمض النووي وتسجيلات كاميرات المراقبة تشير إلى أن الشخص الذي فجر نفسه في عربة المترو أثناء توجهها من محطة «تيخنولوغيتشسكي إنستيتوت» إلى محطة «سينايا بلوشاد» هو ذاته الذي وضع في محطة «بلوشاد فوستانيا»، حقيبة فيها عبوة ناسفة معدة للتفجير.
ومن ناحية أخرى، أكد مصدر في الاستخبارات القيرغيزية إن المشتبه به في التفجير هو أكبرجون جليلوف من مواليد مقاطعة أوش. وأوضحت السلطات القيرغيزية إن جليلوف انتقل مع أسرته للعيش في بطرسبرغ، وحصل على الجنسية الروسية.

اتجاهات التحقيق
بعد تحديد كل تلك المعطيات اتجه مسار التحقيق نحو تحديد ما إذا كان جليلوف قد نفذ العملية بمفرده، أم أنه فعل ذلك ضمن ارتباطات مع تنظيمات إرهابية ما. لذلك دوهمت شقة كان استأجرها جيلوف في المدينة، وأخذ الأمن منها 9 بكرات شريط لاصق ومواد أخرى تفيد في التحقيق. كذلك قام بدراسة تحركاته يومها وأظهرت لقطات سجلتها كاميرات المراقبة قرب المبنى نفسه جليلوف، وهو يغادر المنزل حاملاً حقيبة وحقيبة ظهر، يُتوقع أن الأولى كانت فيها العبوة التي وضعها في محطة مترو «بلوشاد فوستانيا» والثانية، حقيبة الظهر، كانت فيها العبوة التي فجرها في عربة المترو.
وفي السياق ذاته أعلن الأمن الروسي عن توقيف ثلاثة أشخاص، يُعتقد أنهم شركاء لجليلوف. وذكرت وكالة «إنترفاكس» للأنباء نقلاً عن مصدر أمني أن «ثلاثة أشخاص تم اعتقالهم في مبنى يطل على شارع توفاريشسكي في بطرسبرغ، ويحقق الأمن حالياً في احتمال صلتهم بالانتحاري جليلوف». ووفقاً لمصادر الأمن القيرغيزي فإن أكبرجون جليلوف، من شعب الأوزبك لكنه مولود في منطقة أوش القيرغيزية. وتضيف أنه ربما قام بتنفيذ التفجير الانتحاري بعدما وقع تحت تأثير جماعة «التوحيد والجهاد» التي تقاتل راهناً - حسب المصادر – في سوريا. وتقول الاستخبارات القيرغيزية أيضاً إن مئات الأوزبك - وهو الشعب التركي المسلم الأكبر تعداداً في جمهوريات آسيا الوسطى - بمن فيهم شبان من الأوزبك من أبناء منطقة أوش القيرغيزية يقاتلون اليوم في صفوف تلك الجماعة المتطرفة.

الصلة مع سوريا
والحقيقة أنه حاول البعض ربط التفجير في المترو بالعملية العسكرية الروسية في سوريا، غير أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف رفض بغضب شديد هذه الأحاديث. وللعلم، كان تنظيم داعش الإرهابي قد دعا إلى ضرب روسيا بعد تدخلها المباشر بنهاية سبتمبر (أيلول) عام 2015 في سوريا لدعم قوات النظام السوري. ومنذ ذلك الحين وقعت هجمات عدة في روسيا، لكنها كانت بصورة رئيسية في جمهوريات القوقاز. وتعلن قوات الأمن الروسية بصورة شبه يومية عن عمليات في تلك المنطقة، تقوم خلالها إما بقتل أو بإلقاء القبض على إرهابيين، بينما تعلن اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب عن توقيف أشخاص ينشطون بتجنيد الشباب في الجماعات الإرهابية، بما في ذلك أعلنت خلال الأشهر الماضية عن عمليات توقيف مماثلة لمواطنين من جمهوريات آسيا الوسطى، خلال عمليات في العاصمة موسكو وريفها.

روسيا... مهددة
ويقول مراقبون إن روسيا كانت مهددة بوقوع أعمال إرهابية كثيرة وخطيرة، لولا جهود السلطات الأمنية في التصدي مبكراً لكل أشكال التطرف، وملاحقة أي شخص يشتبه بميوله الإرهابي أو علاقته بتنظيمات إرهابية.
ومن أهم العمليات الأمنية التي نفذتها هيئة الأمن الفيدرالية وقوات الداخلية والحرس الوطني الروسي، اعتقال أعضاء خلية سرية تابعة لتنظيم داعش في جمهورية داغستان (القوقازية ذاتية الحكم داخل روسيا الاتحادية) في الخامس من مارس (آذار) الماضي. وقالت اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب في بيان رسمي إن عناصر هيئة الأمن الفيدرالي (كي جي بي سابقاً) ومعهم عناصر وزارة الداخلية الروسية تمكنوا من اعتقال أعضاء الخلية، وإنهم «مجموعة من أربعة أشخاص، من سكان داغستان، كانت لديهم نيات بارتكاب جرائم بحق ممثلي مؤسسات السلطة وعناصر المؤسسات الأمنية». وحسب المعطيات المتوفرة لدى اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب، فإن الأشخاص الأربعة أعضاء فيما يُطلَق عليه «خلية نائمة» مرتبطة بتنظيم داعش، وشاركوا جميعهم في هجمات مسلحة على السكان المحليين.
فضلاً عن ذلك أسهمت العمليات الأمنية في مختلف مناطق روسيا بإحباط عمليات إرهابية جرى التحضير لتنفيذها في العاصمة موسكو، وأيضاً في مدينة بطرسبرغ وجمهورية إنغوشيا (الذاتية الحكم التابعة أيضاً لروسيا في القوقاز)، فضلاً عن عمل إرهابي بالقرب من السفارة الفرنسية في موسكو. وحسب معطيات الهيئة الوطنية الروسية لمكافحة الإرهاب، أمكن عام 2016 القضاء على 140 مقاتلا إرهابياً، و24 عصابة مسلحة، وتوقيف أكثر من 900 إرهابي ورجل عصابات، ومتواطئين معهم. كذلك نجحت الأجهزة الأمنية بضبط ومصادرة كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر، ودمرت 50 ورشة ومختبراً لصناعة الأسلحة، وعطلت 199 عبوة ناسفة يدوية الصنع. هذا فضلا عن القضاء في مدينة بطرسبرغ، نفسها، على ثلاثة من قادة المجموعات الإرهابية النشطة في جمهورية قبارديا (أو القبرطاي والبلكار، الذاتية الحكم التابعة أيضاً لروسيا في القوقاز).
وفي شهر مارس أيضاً ألقت قوات الأمن في روسيا القبض على إرهابي من «داعش»، قالت إنه كان ينوي تنفيذ عملية انتحارية خلال الاحتفالات في العاصمة الروسية موسكو بمناسبة «يوم المرأة» (يوم 8 مارس). ونقلت صحيفة «إزفستيا» عن مصدر أمني روسي قوله إن عناصر الأمن في واحد من مطارات موسكو ألقوا القبض على مواطن طاجيكي اسمه عظة الله (بالغ من العمر 23 سنة) كان قد وصل في مطلع مارس آتياً من إسطنبول، وخلال التحقيق حطم عظة الله هاتفه الجوال، وحاول بعد ذلك الانتحار لتفادي ترحيله إلى طاجيكستان عندما أخذ مقصاً وغرسه في رقبته، إلا أن عناصر الأمن تمكنوا من استعادة المقص، وبادروا لنقله إلى المشفى. وبعد ذلك أقر المواطن الطاجيكي الآتي من إسطنبول (وفق التقارير الأمنية) أنه أتى إلى موسكو لتنفيذ عمل انتحاري خلال الاحتفالات بـ«يوم المرأة» في موسكو. واتضح أنه كان قد شارك قبل ذلك في القتال ضمن صفوف «داعش» في سوريا.
وذكر المصدر الأمني للصحيفة الروسية أن فرق التحقيق تواصل عملها حالياً للكشف عن الأشخاص الذين كانوا سيقدمون المساعدة للانتحاري الطاجيكي بعد وصوله إلى موسكو، وتحديداً تزويده بالمواد المتفجرة كي ينفذ عمليته. وبعد الانتهاء من التحقيقات قامت السلطات الروسية بتسليم عظة الله لقوات الأمن في طاجيكستان.

هاجس آسيا الوسطى
أيضاً، في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2016 أعلن الأمن الروسي عن إلقاء القبض على أربعة إرهابيين أعضاء في مجموعة تخريبية، في مدينة موسكو وريفها، تضم مواطنين من جمهوريتي طاجيكستان ومولدوفا الأعضاء في «رابطة الدول المستقلة» (للجمهوريات السوفياتية السابقة). ووفق هيئة الأمن الفيدرالي أن المجموعة كانت تنوي استخدام عبوات ناسفة يدوية الصنع بقدرة تفجيرية عالية جداً في هجمات إرهابية خطط أفرادها لها. وزعمت وكالة «إنترفاكس» - نقلاً عن الأمن الروسي - إن الموقوفين كانوا يعدون العدة لتنفيذ عمليات إرهابية مدوية في العاصمة الروسية بتعليمات مباشرة من مواطن موجود على الأراضي التركية ويمثل تنظيم داعش. وسبق ذلك عمليات توقيف مماثلة جرت في موسكو لمجموعات اتهمتها السلطات بالتعاون مع «داعش»، غالبية أعضائها من أبناء جمهوريات آسيا الوسطى السوفياتية سابقاً.
هذا، وعلى الرغم من أن المجتمع الروسي أظهر تماسكاً بعد التفجير في مترو بطرسبرغ، ولم تظهر أي علامات خلل في نظرة المواطنين الروس إلى آلاف الشبان من آسيا الوسطى الذين يعملون في المدن الروسية، غير أن تكرار عمليات كهذه قد يؤدي في نهاية المطاف إلى أزمة في الداخل الروسية نحو أولئك الشبان. هذا الأمر يمكن أن يضع السلطات الروسية أمام تحديات جدية، وقد تضطر من أجل تفادي ظهور أزمة في العلاقة نحو المواطنين من آسيا الوسطى إلى تعاون وثيق مع الجهات الأمنية في جمهوريات آسيا الوسطى، فضلاً عن إطلاق عمل «تربوي اجتماعي» لا بد منه في الداخل الروسي. وتجدر الإشارة، إلى أنه بعد كل عمل إرهابي في روسيا أو خارجها، يحرص المسؤولون الروس على التأكيد بأنه لا هوية وطنية أو دينية للإرهاب.

هجمات إرهابية... بالجملة
> التفجير الانتحاري في مترو بطرسبرغ الأول من نوعه خلال العام الحالي الذي يقع في مدينة وسط روسيا، أو بصورة أدق في مدينة بعيدة عن منطقة القوقاز. ولكن روسيا شهدت هجمات إرهابية كثيرة، بعضها متصل بالحرب في الشيشان والبعض الآخر متصل بالتطورات الدولية الراهنة، لا سيما ظهور «داعش» الإرهابي. وكان «داعش» قد تبنى هجوماً شنته مجموعة من المسلحين يوم 25 مارس على قاعدة للحرس الوطني الروسي في الشيشان، وأودى الهجوم إلى مقتل ستة عسكريين روس.
أما العمليات الإرهابية المرتبطة بالحرب في الشيشان، فهي كثيرة. منها على سبيل المثال:
- سيطرة مسلحين شيشانيين على مشفى بوديونسك عام 1995، وكان في المشفى حينها نحو 1600 مريض. وانتهت العملية بانسحاب المسلحين بعد مواجهات مع الأمن وأخذوا معهم رهائن على متن الحافلات، أطلقوا سراحهم لاحقاً. وسقط حينها قرابة 130 قتيلاً.
- وقع تفجير في مبنى سكني في مدينة بوينسك بجمهورية داغستان عام 1999، أدى إلى سقوط 64 قتيلا وإصابة 150 بجروح.
- في العام ذاته فجر الإرهابيون في موسكو مبنيين سكنيين ما أدى إلى سقوط 224 قتيلاً.
- في عام 2002 اقتحمت مجموعة من الانفصاليين الشيشانيين مبنى مسرح «نورد إست» في موسكو واحتجزوا كل الموجودين داخله رهائن، وطالبوا السلطات الروسية بسحب قواتها من الشيشان. وسقط خلال تلك العملية أكثر من 120 من الرهائن، فضلاً عن مقتل المهاجمين كلهم.
- في الأول من سبتمبر عام 2004 احتجز إرهابيون 1200 شخصا في مدرسة بيسلان (جمهورية أوسيتيا الشمالية الذاتية الحكم التابعة لروسيا). وسقط نتيجة الهجوم 334 قتيلاً بينهم 186 طفلاً.
- في خريف عام 2011 انفجرت عبوة ناسفة في مطار دوموديدوفا في موسكو.
- في أغسطس (آب) 2007 وقع تفجير استهدف تفجير قطار «نيفسكي إكسبرس». وأدى إلى وقوع إصابات دون ضحايا، بينما خرج القطار عن السكة وانقلبت بعض عرباته.
- في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2009 انفجرت عبوة ناسفة على السكة الحديدية أثناء عبور قطار «نيفسكي إكسبرس» للنقل السريع بين موسكو وبطرسبرغ، وأدى التفجير إلى مقتل 27 مدنياً وإصابة 150 بجروح.
كذلك تعرضت روسيا عام 2013 لهجمات إرهابية انتحارية مزدوجة أسفرت عن مقتل 34 شخصاً وأثارت حالة من القلق حيال أمن دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي. حينها أدى انفجار قنبلة في محطة السكك الحديد الرئيسية في مدينة فولغوغراد الجنوبية إلى مقتل 18 شخصاً بينما استهدف اعتداء آخر حافلة ركاب، مما أسفر عن مقتل 16 شخصاً. كما سبق أن وقعت تفجيرات إرهابية في محطات المترو في مدن روسية. ففي فبراير (شباط) عام 2001 انفجرت عبوة ناسفة كانت موضوعة في محطة مترو «بيلاروسكايا»، مما أدى إلى إصابة 20 شخصا بينهم أطفال بجروح. وفي يوم 6 فبراير عام 2004 وقع تفجير إرهابي في عربة المترو بين محطتي «أفتوزافودسكا» و«بافيليتسكايا» على الخط الأخضر من شبكة مترو موسكو. وسقط نتيجة ذلك التفجير الإرهابي 41 قتيلاً. وفي 31 أغسطس عام 2004 قامت انتحارية بتفجير نفسها في محطة مترو ريجسكايا في موسكو وقتل نتيجة ذلك 9 أشخاص، وأصيب 50 بجروح، وأعلن شامل باسايف مسؤوليته عن تلك العملية. وفي 29 مارس عام 2010، قامت انتحاريات بتفجير في محطتي مترو «بارك كولتوري» و«لوبيانكا» القريبة من المقر الرئيسي لهيئة الأمن الفيدرالي. ووقع التفجير في ساعات ذروة الازدحام في المترو صباحا. وسقط نتيجة التفجيرين 40 قتيلاً.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.