محمد شكري وغراهام غرين... سيرتان تتقاطعان وتفترقان

دراسة مقارنة للسير الذاتية العربية والغربية في «الذات بين الحجاب والسفور»

محمد شكري  -  غراهام غرين
محمد شكري - غراهام غرين
TT

محمد شكري وغراهام غرين... سيرتان تتقاطعان وتفترقان

محمد شكري  -  غراهام غرين
محمد شكري - غراهام غرين

يصدر قريباً عن دار «نيلسون» ببيروت كتاب «الذات بين الحجاب والسفور - دراسة مقارنة بنيويّة وسيكولوجيّة لسيرتي محمد شكري وغراهام غرين» للدكتورة هيبة عبد الصمد. وهو مقارنة للسيَر الذاتية العربية والغربية من خلال سيرتي شكري وغراهام غرين. والمنهج المتّبع في الكتاب هو منهج التحليل النفسي الذي يكشف طريقة طرح الأفكار ودور الأسلوب واللغة في كشف المستور والمنسي عن قصد أو عن غير قصد، والتعبير عن رؤية الماضي بعيون الحاضر دون أي تزييف أو تدوير، كما يبرز رغبة الراوي في العودة إلى أعماقه، والتعرّف بذاته وذات الغير، من خلال العودة إلى الجذور، والحنين إلى الطفولة وإعادة بعثها في رحم زمن كتابة السيرة. هنا مقتطفات مسهبة من الفصل الثالث المعنون «الذاكرة والنسيان»:
الأمر المشترك بين الكثيرين من كتبة السيرة الذاتية هو أنه بعد إبراز المشكلة، ‏ومواجهة الحقائق - موضوع الصراع - تبقى المصالحة مع الذات هي الحل الجذري ‏لغربة الذات عن ذاتها، ولتسلل الذكريات إلى اللاوعي. لذلك، إذا عدنا إلى قضية الإلغاء المعنوي والمادي للولد بسبب سوء تصرف الأب، نجد أن للولد ردة فعل من المستحيل كبتها ‏أو تجاهلها. والكبت خطر على النفس ويخلف فيها آثاراً سلبية. والشفاء لا يتم إلا بالتفريج عن ‏الكبت من خلال إحضار الذكريات إلى الوعي، واستخراج المكبوت المتمثل بالصراع ‏الداخلي المتربص في أعماق الشخصية.
‏أما لماذا تكبت الذكريات؟ يرد كلفن هال على ذلك، ‏استناداً على آراء فرويد، ‏إلى ‏سببين: «إما أن تكون الذكريات ذاتها مؤلمة، ‏أو أن تكون الذكرى مرتبطة بشيء مؤلم». ‏وإذا كانت كتابة السيرة الذاتية هي العلاج الذي به يتماثل المريض النفس للشفاء، فإن كشف ‏المحجوب والسفور عن المكبوت في اللاوعي هو مهمة توازي مهمة الطبيب النفسي المعالج ‏الذي يكتشف الكبت ويواجه به المريض.
‏والكبت يتكوّن إبان الطفولة نتيجة للضغط والسلطة والظلم والقمع لبعض أو لكثير ‏من الرغبات الطفولية التي قد تكون بالغة الأهمية في هذه المرحلة الحساسة من العمر ‏وردود الفعل تتكون لحماية هذه الرغبات وللمحافظة على مساحة من الاستقلالية في ‏الشخصية بدءاً من وعي المرء لذاته. والكبت هو كبح الأفكار والمشاعر قبل أن تصل إلى ‏الوعي. ولكن هذه المشاعر تبقى مخزّنة في العقل الباطن ومن المستحيل نسيانها، إنما ‏إمكانية تناسيها واردة. والردود على حالات الكبت والحرمان يستخدمها الإنسان لحماية ‏نفسه من السلطات التي تهدم حريته وحتى لحمايته من نفسه إذ يثور على تصرفاته، وينقلب ‏على مبادئه ويتغير. والكبت: «قد يمنع شخصاً من رؤية الأشياء بوضوح، أو يشوه شيئاً ‏يراه، أو يموه المعلومات الواردة من أعضاء الحس بغية حماية (الأنا) من أن أمر خطير أو ‏مثير للقلق. كذلك، يمارس الكبت نشاطه على ذكريات الصدمات النفسية أو على ذكريات ‏تجارب مرتبطة بصدمات نفسية». والفريق الضعيف هو دائماً العنصر الذي يبحث عن ‏الحماية لأنه يكبت القلق والخوف في اللاوعي لديه، وبذلك لا يستعيد الذكريات المتعلقة ‏بالأحداث الحساسة في مراحل حياته إلا بصدمات نفسية تحرره من عقدته المزمنة.
‏يشكل الولد، مع الأم، الجانب الآخر من التوازن العائلي. إنه الحزام المشترك ولكن ‏الضعيف، ضد أنواع السلطة، إنه الجانب المسالم المستسلم، المستضعف والمستهان؛ ‏والفريق الذي لا صوت له سوى صوت البكاء والصلاة والتهدئة. هذه الصورة تتكرر وتبرز ‏بوضوح في السير الذاتية العربية أكثر منها في السير الأجنبية، بل تكاد تكون نمط الحياة ‏العربية الاجتماعية العامة. إنها انعكاس للتقاليد السائدة: «ففي أغلب تلك القصص، ‏يجسد ‏الأب التقاليد الاجتماعية ويمثلها تماماً، أما الأم، من الناحية الأخرى، فهي الضحية الوحيدة، تماماً كأولادها. فالأولاد، وخصوصاً الشبان منهم، تعطى لهم إمكانية الثورة على هذا ‏المجتمع، ‏سراً أو جهراً، ‏كردّة فعل على سوء تصرفات آبائهم ومجتمعاتهم. بمعنى آخر، ثورة على بيئتهم».
‏وهذه الثورة ليست إلا أحد ردود الفعل التي تظهر وإن متأخرة على السلطة المختلفة ‏التي مورست على المرء الذي شعر بالكبت والحرمان وعدم المساواة بالآخرين. وقد تكون ‏ردة الفعل حالة من التعويض عن الإلغاء المعنوي أو المادي السابق، وهذا التعويض هو ‏جزء من العلاج الذي يقود صاحبه إلى الشفاء.
‏وردود الفعل تكون على شكل تصرفات فورية انفعالية تنزلق في الزمن الخبيث، ‏وتختبئ لفترة في حفرة اللاوعي وتنحجب عن الذاكرة إلى أن يأتي زمن ما ومكان ما، ‏تتقن فيه الدور الذي تلعبه فيه. لذلك نجد أن ردود الفعل: «تشوه الواقع، وتجعل الشخصية ‏صارمة ومفتقرة إلى المرونة». وهكذا يعيش صاحب ردة الفعل أسير أفكاره وتصرفاته، ‏وقد يشعر بالذنب تجاه من فكر فيهم بالسوء، حتى وإن ظلموه في حياته. وليس في ذلك ‏مشكلة. المشكلة تبدأ حين تتحول ردة الفعل إلى انتقام حيث يتصرف اللاوعي في المرء على ‏حساب الوعي.
‏فعندما رفع شكري يد الهاون ليقتل أباه حين كان ينهال على أمه بالضرب ويدميها، ‏لم يكن فقط يدافع عنها، بل كان ينتقم لسنوات طويلة من العذاب والقهر والظلم والاستبداد، ‏كان يهرب من ظلم البيت وأجواء الطغيان المادي والمعنوي، ‏وينام في الشوارع وعلى ‏الطرقات. وفى أيام الشتاء الباردة، كان ينام في ركن فرن ويستمع منه كل يوم إلى صلوات ‏الفجر الآتية من بعيد، ‏وإلى بعض أغاني الطرب الرقيق. وذات يوم أيقظه رجل وأكد له أنه ‏يعرفه ويعرف أباه، ولكن شكري أنكر أباه وأنكر أي معرفة أو صلة قرابة بتلك العائلة، ‏وأعلن موت أبيه قبل أن يموت: «- من هو أبوك إذن؟ - مات. - مات؟ - نعم، مات منذ ‏زمان. - ماذا كان اسمه؟ - لا أدري. كنت أعرف اسمه، ‏لكني نسيته. كنت في بطن أمي ‏عندما مات». فنسيان الاسم هنا هو ردة فعل واعية وعملية انتقام محسوبة، تعبر عن ‏غضب شديد وألم نفسي. فحين يتمنى الولد الموت لأبيه في خياله وفي أحلامه آلاف المرات ‏كما فعل شكري، لا تعود علاقته به علاقة طبيعية. وحين يشكك الأب بأبوته لولده، تغيب ‏العاطفة المستقرة والمشاعر العفوية التي تربطه به. فالانتقام ردة فعل طبيعية على علاقة ‏غير سوية بين الولد والأب بغض النظر عن الظالم والمظلوم. ‏يلتقي شكري بأبيه في الشارع أمام رفاقه ويبدأ هذا يضربه، فينهال عليه رفيقا شكري بالضرب ويحطمان عظامه، بينما الولد يتمتع بالمشهد من بعيد: «سمعته يصرخ ويئن ويستغيث. رأيته يغطي وجهه بيديه والدم يسيل من بين أصابعه بغزارة. وقفت بعيداً ‏أنتظر نهاية المشهد.
تمنيت لو أني أشاركهما في ضربه. لو كان في مكان خال من الناس ‏لشاركتهما، كان عزاء لي أن أراه يضرب على مرأى مني حتى يسيل ‏دمه كما سال دمي كلما ضربني». يصور هذا المشهد خلال العلاقة والإصرار على الانتقام. وحين نضج شكري وتحرّر من عائلته، وأصبح يزورها فقط إرضاءً لأمه، مرض أبوه، فصار ‏يهمله ويقلل من مكانته في البيت وينتقم منه على طريقته: «إرضاءً لأمي، بست له رأسه، دون أن نتكلم. الشقاء الذي نلته منه في طفولتي يناله مني في شيخوخته. لا مصالحة بيننا إلى الأبد».
ولقد تبع ذلك ردّة فعل عنيفة عليه حين أجاب أصحابه بأنه: «يستحق أكثر مما حدث له»، فدهش الأصحاب خاصة حين علموا أن المضروب هو أبوه، لا بل أكثر من ذلك، لقد نعته بأبشع الصفات: «نعم، ‏أبي، ‏(أضفت). إنه يستحق أكثر مما فعلتماه له. إنه ‏كلب».
ونصادف في أكثر من مكان نعوت عميقة المعنى وخطيرة الأبعاد ترمز إلى أبيه ‏في مكان آخر: «السابعة مساء. كوخ الشؤم لن ينام إلا بعد ساعات». مثل هذا التدني ‏في مستوى العلاقة بين الأب والولد لا نجده إطلاقاً عند غرين الذي ظل الاحترام المتبادل ‏أساس العلاقة بين الطرفين. وهذا يعود إلى الفرق في المستوى الاجتماعي الذي عاشه كل ‏من غرين وشكري. ففي حين أن شكري تربى بين المقابر وفي المزابل وبين أرجل ‏الحيوانات وفي أحضان اللوطيين والسكارى والمهربين: «لقد عشت مع برابرة الليل في ‏الدروب الضيقة، والحظائر المغثية، والخمارات المريبة». إنه إنسان عاش طفولة استثنائية، وحياة استثنائية وحين تعلم وبدأ يكتب ويتغير لم يصدق ما أدركه: «ابن الكوخ ‏والمزابل البشرية يكتب أدباً وينشر».
‏أما غرين، فقد عاش حياة ترف ورخاء، فدخل المدارس وتعلم وتثقف، ونال ‏رعاية الأب والأم وإن كان الأب بعيداً عن ولده نسبياً والأم ضعيفة ود‏ورها ثانوي. لقد كان ‏يتمتع بفرح الأعياد ويذهب أيام الآحاد إلى الكنيسة للصلاة، وحين تعب نفسياً أرسلته العائلة ‏إلى الطبيب النفسي ليعالج وينال الرعاية المناسبة. وإذا كان هناك من خلل في العلاقة بين غرين وأبيه فهي نتيجة لافتقار غرين للحب والحنان الأبوي، والصراحة التي كانت تطبع شخصية والده. لذا، تميزت علاقته بأبيه بالخوف والرهبة، والشعور بالتوتر الدائم وعدم الاستقرار.
‏والخوف في لغة علم النفس هو شعور ناتج عن خطر حقيقي يتوقعه المرء في حالة ‏الوعي فيثير في النفس التوتر والقلق والاضطراب وهذا الشعور هو نتيجة لما كبته ‏اللاوعي في زمن سابق دون إدراك الوعي.
قد يكون خوفاً من السلطة والسيطرة التي ‏اختبرها المرء في طفولته، فيستمر الشعور رفيقاً في اللاوعي لفترة قد تطول، إلى أن يأتي ‏محرك لهذا الحدث - الخوف في الوعي، فيوقظه ويضعه موضع الحركة ويحرره، ‏والهروب من الواقع هو أحد مظاهر الخوف إذ يعكس رفض الحقائق مهما بلغت د‏رجة أهميتها أو عمق تأثيرها في النفس الإنسانية.
أما في سيرة غرين، فقلما يخلو فصل من البحث عن وسيلة للهروب من الحالة التي هو فيها، والأمثلة كثيرة. فحين كان في سيري ليون، وكما في أي مكان آخر، لم يكن ‏غرين يشعر بأي اكتفاء معنوي. كانت أيام حرب وعدم استقرار، وكان يشعر بالخمول ‏على الرغم من كل إنجازاته الأدبية.



كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟
TT

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة لتنوع سكاني وثقافي معقد، جعلتا منها دائماً محوراً فاعلاً ومنفعلاً بالتحولات. فالجغرافيا تمنح هذا المشرق موقعه الاستراتيجي كعقدة مواصلات وممر دولي للتجارة ولخطوط الطاقة، والتاريخ يُضفي عليه وزنه الحضاري المتراكم عبر ألوف السنين من تقاطع الممالك والإمبراطوريات، بينما تسعى السياسة باستمرار إلى توظيف هذين العنصرين في صراعات النفوذ والقوة. وبسبب هذا التقاطع الفريد، عاشت البلاد في قلب الاضطرابات والتوترات، إذ يعكس استقرارها هدوءاً إقليمياً شاملاً، ويمتد اضطرابها ليتجاوز حدودها بمسافات بعيدة.

طوال تاريخ ممتد لـ54 عاماً، اختُزلت جغرافية البلاد وتاريخها وسياساتها في حدود أسرة الأسد، وفرض عليها «القائد الخالد» ووريثه كيقين ثابت مستمر «إلى الأبد».

إلى أن كانت لحظة سقوط «الأبد» السوري ذات ديسمبر (2024)، التي يكتب عنها الصحافي اللبناني منير الربيع شهادة جيل كامل تربى على يقين «أن ما يأتي من دمشق قدر لا مفر منه في بيروت». «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» الصادر حديثاً (عن دار رياض الريس للنشر) وثيقة سياسية وسردية مهمة تمزج بين الرصد التوثيقي والتحليل البنيوي، لتخرج من عباءة التقرير إلى فضاء التأمل في ماهية الطغيان وسقوطه، ثم في إمكانية ولادة دولة جديدة على أنقاض خمسة عقود من القمع والفساد.

ليس منير الربيع مراقباً بعيداً. مساره الصحافي، وإقامته في بلد عانى طويلاً من الوصاية السورية، وعلاقاته المتشعبة مع مختلف الأطياف السورية، كلها منحته مقعداً في الصف الأول لرصد الزلزال الجيوسياسي الذي ضرب المشرق العربي عام 2024 في نص يتوزع على محورين متكاملين: تشريح بنيوي لانهيار نظام آل الأسد، ورصد لرؤية أحمد الشرع في بناء سوريا الجديدة وإعادة تموضعها في قلب التحولات الإقليمية والدولية.

خواء النظام السابق

يقدم الربيع قراءة مفادها أن السقوط السريع للنظام السابق في 11 يوماً كان ثمرة اهتراء طويل وتآكل أصاب مفاصل «دولة المخابرات» من الداخل. الجيش العربي السوري بغياب مظلة الحلفاء - الروس بطائراتهم، الإيرانيون ومستشاروهم، «حزب الله»، وألوية «فاطميون» و«زينبيون» - انتهوا كمنظومة هرِمة متصدعة، «أذلت الجندي في معيشته» فتلاشت الرغبة في الموت من أجل نظام غير قادر على أن يكافئ جنوده إلا بالتجاهل والإهمال. السقوط إذاً لم يكن فشلاً عسكرياً تقليدياً بقدر ما كان خواءً وجودياً لمنظومة بنيت أركانها على القمع والولاء، لا على الكفاءة والمهنية. النظام، في وصف الربيع، أشبه بـ«احتلال داخلي» دمّر البلاد وجعلها «ديار قتل وخراب»، ونظريته أن بقاء النظام بعد 2015 لم يكن دليلاً على عافيته، بل على حجم اعتماده على الخارج للبقاء، وهكذا عندما بدأت تلك المظلة تتآكل، انهار كل شيء كما أحجار الدومينو.

يرسم محور الكتاب الأول صورة شاملة - بالقدر الذي تسمح به راهنية الحدث - للمشهد السوري عشية السقوط. : «كيف يمكن لسلطة بدت أبدية أن تختفي بين عشية وضحاها؟» بلهجة حاسمة: إنه الخواء الذي كان ممتداً تحت القشرة طوال الوقت، وأن قناعة السوريين بأن «الظلم أبدي والموت أبدي» كانت الوهم الأخير الذي تحطم مع أول خيوط فجر الثامن من ديسمبر.

تحولات الإقليم

يرصد الربيع خروج «حزب الله» كلاعب أساسي من الأراضي السورية قبل انطلاق ما سُمي بعملية «ردع العدوان». الضربات الإسرائيلية المكثفة طالت كبار قادة الحرس الثوري الإيراني والحزب، تحديداً «فرقة الرضوان»، ثم كانت تفجيرات أجهزة الاتصال واغتيال الأمين العام حسن نصر الله، وكلها أحدثت تخلخلاً في البنية القيادية للمحور الداعم للنظام. هذا الإنهاك أجبر «حزب الله» على بدء إعادة انتشار تدريجي، انتهى بانسحاب شبه كامل من سوريا، تاركاً حلب ومحيطها في حالة فراغ شامل قبيل انطلاق العملية. توازى ذلك مع ضغوط أميركية وإسرائيلية برية وجوية صارمة، قيدت قدرة طهران على إيصال التعزيزات العسكرية والإمدادات.

عن الجانب الروسي، يلتقط الربيع نفساً براغماتياً بامتياز. انشغال موسكو بحربها المفتوحة في أوكرانيا قلص غطاء النظام الجوي والبري إلى حدوده الدنيا. لكن الأهم أن اتصالات خلفية جرت بوساطة تركية بين فريق أحمد الشرع والروس، قُدم فيها عرض واضح: تحييد القوات الروسية وقواعدها (لا سيما حميميم) والحفاظ على عقودها الاستثمارية الاقتصادية، مقابل تجنب التصادم الميداني. هذا العرض قُبل من جانب موسكو، وتُرجم فعلياً بتوقف الطيران الروسي عن استهداف قوات المعارضة في الثالث من ديسمبر.

«ردع العدوان»... انتظار اللحظة المناسبة

في مقابل اهتراء النظام، يضيء الكتاب صعود قوات شابة ذات هدف واضح وإعداد دؤوب استمر سنوات. «ردع العدوان» كانت ثمرة ثلاث سنوات من إعادة التنظيم، وتصحيح الأخطاء، وانتظار اللحظة المواتية. الشرع كان يردد في دائرته المقربة عبارة اختصرت فلسفته: «المعركة دوماً استعداد وفرصة». أي أن الاستعداد يمكن التحكم به، أما الفرصة المواتية فهي لحظة نادرة لا تتكرر، وعلى المرء أن يترصد متى وكيف يلتقطها. وفي الحروب، أحياناً لا ينتصر الأسرع، بل الأقدر على الانتظار.

يكشف الربيع النقاب عن عمل استخباراتي دؤوب سبق الهجوم العسكري بأشهر طويلة. فريق تقني داخل «هيئة تحرير الشام» صمم تطبيقاً إلكترونياً بدا للوهلة الأولى خيرياً، يزعم أنه تابع لإحدى المؤسسات المرتبطة بأسماء الأسد، ويهدف إلى تقديم مساعدات مالية وغذائية لعائلات الضباط والعناصر «تقديراً لتضحياتهم»، في بلد تراجعت فيه الرواتب إلى حدود لا تكفي لشراء الخبز، كان عرض 25 دولاراً إضافياً ومعونات غذائية وطبية مغرياً. كل ما كان مطلوباً تحميل التطبيق وتسجيل الاسم الكامل والرتبة العسكرية ومكان الخدمة. هكذا جُمعت قاعدة بيانات دقيقة كشفت أماكن توزع الوحدات العسكرية وعديدها وعتادها وسلاسل الأوامر.

لكن الذروة في هذا العمل الاستخباراتي كانت الاتصالات الليلية المباشرة. عنصر في غرفة عمليات السابع من نيسان أو ضابط في الفرقة الرابعة يتلقى اتصالاً من رقم دولي، يظهر على الشاشة بمقدمة أميركية. صوت المتصل هادئ ومباشر: يبلغه أن غرفة العمليات التابع لها، أو التي يقع موقعه قربها ستستهدف خلال دقائق، وعليه إخلاء المكان فوراً. لا يمنحه وقتاً طويلاً للتفكير، ينهي المكالمة، وبعد دقائق يهز انفجار محيط الموقع. هنا يبدأ العامل النفسي: يقتنع الضابط أن ما يجري ليس مجرد هجوم بري تقليدي، بل عملية عسكرية واسعة ربما بغطاء دولي. الرسالة بنيت على معرفة دقيقة، وهذا ما جعلها قابلة للتصديق. خلال دقائق تفرغ الغرفة أو يتقلص عدد الموجودين فيها إلى الحد الأدنى، عندها تفقد القوة تماسكها، وتتقدم قوات «ردع العدوان». وهكذا لم يكن السلاح الحقيقي القذائف وحدها، وإنما المعلومات التي أحسن استخدامها فكانت أقوى وأكثر تأثيراً من الأسلحة النارية.

يرسم المؤلف ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال رحلاته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع

من آيديولوجيا الخنادق إلى براغماتية الدولة

ينتقل الربيع إلى رسم ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال رحلاته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع داخل القصر الجمهوري.

لكن التحدي الأكبر لرؤية طموحة كهذه يبقى داخلياً: كيف تطمئن الأكثرية السنية دون إثارة قلق الأقليات؟ الربيع يرى أن الشرع أدرك في دمشق أن نموذج إدلب لا يمكن نسخه استنساخاً على سوريا كلها. العاصمة بتنوعها الديني والطائفي والاجتماعي والثقافي تشكل صورة مكثفة لتعقيدات البلاد. معادلة الأكثرية والأقليات اهتزت بعنف مع أحداث الساحل والسويداء، ما وضع الشرع أمام امتحان أخلاقي وتاريخي. كان جوابه أن «الدولة تنظم الاختلاف وتمنع إدارة التوحش»، حيث عقلية الدولة تعني الاعتراف بالتعقيد لا تبسيطه، والفصل بين حق الضحايا في العدالة وبين خطر تحويل العدالة إلى انتقام جماعي. وعنده أن بناء الدولة لا يقوم على الانتصار العسكري وحده، بل على صوغ جديد للعلاقة بين السلطة والمجتمع، تقوم على المؤسسات والقانون والمساءلة، لا على عاطفة اللحظة أو منطق الثأر.

العلاقة مع لبنان

يفرد الربيع فصلاً كاملاً تحت عنوان «الخروج من إرث العلاقات اللبنانية - السورية» يحمل نبرة شخصية عميقة. كصحافي لبناني عاش طويلاً تحت وطأة وصاية دمشق على بلده، يكتب بدهشة عن تحول الخطاب في دمشق الجديدة. فالشرع يعلن تطلع سوريا إلى علاقة ندية طبيعية بين دولتين جارتين، تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة الكاملة، مع رفضه أن تستخدم الجماعات والأحزاب اللبنانية سوريا للاستقواء بها في صراعاتها الداخلية.

في هذا المشترك، يجد البلدان مصلحة وجودية في التعاون، لا في الصراع. ويخلص الربيع إلى أن القضايا العالقة بين بيروت ودمشق لم تعد شأناً ثنائياً فحسب، بل عقدة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والسياسة والتوازنات الإقليمية. لبنان الذي كان مُلهمَ المعارضات العربية وملجأَ المعارضين السوريين لعقود، يمكن أن يتحول اليوم إلى منصة فعلية في عملية إعادة إعمار سوريا، وأن يبني معها شراكات استراتيجية في الاقتصاد والتجارة والخدمات. والعبرة أن تجربة لبنان، بما فيها من أزمات وصدامات طائفية، تحمل دروساً يمكن لسوريا أن تستفيد منها: احترام التعددية، والسعي إلى حياة سياسية ديمقراطية، وترسيخ منطق التسوية بين الجماعات بدلاً من منطق الغلبة وفق معادلة «لا غالب ولا مغلوب».


محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني
TT

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري، ويقع في 226 صفحة. ويمثّل الكتاب رحلة فلسفية وعلمية تبحث في كيفية تحول الفضاء الرقمي من مجرد وسيلة اتصال إلى بيئة فيزيائية موازية، لها زمنها الخاص، وجاذبيتها، وقوانينها التي تعيد تشكيل الوعي الإنساني. كما ينطلق الكتاب من أطروحة مركزية مفادها بأن «الزمن» لم يعد مجرد وعاء للأحداث، بل أصبح متغيراً فيزيائياً واتصالياً يتشكل عبر الشاشات والخوارزميات.

يتكون الكتاب من ثلاثة فصول رئيسية، تتناول التحولات العميقة لمفهوم الزمن وتأثيرات الفضاء الرقمي على الوعي الإنساني؛ حيث يتناول الفصل الأول، بحثين، الأول بعنوان: «موضوع الزمن في بحوث الإعلام والاتصال»، حيث يفكك مشكلة الزمن في أدبيات الاتصال، ومعضلة «الزمن الحاضر»، وموضوع «الزّمن في بحوث الإعلام».

أما البحث الثاني في هذا الفصل، فيحمل عنوان: «من الزّمن الأدبي إلى الزّمن الميدياتيكي»، وفيه يتتبع تطور مفهوم الزمن وانتقاله من الزمن الشعري إلى الزمن الميدياتيكي ثمّ الزمن السيبراني اللحظي.

بينما يركز الفصل الثاني على: «الزمن اللولبي والاستقطاب السيبراني»، ويسلط الضوء على الظواهر السلوكية والسياسية الناتجة عن إدمان الإنترنت، وزمن «القبيلة السيبرانية»، وزمن «الذباب الإلكتروني»، وظاهرة «ما بعد الحقيقة»، بالإضافة إلى دراسة المكونات الأنطولوجية للشبكات الرقمية الفاعلة.

الفصل الثالث، يحمل بحثين هما: «الوعي المنغمس والثقوب السوداء الرّقميّة»، ويتناول موضوعات مثل: الوعي المنغمس، والثقوب السّوداء الرّقميّة، والزّمن المشوّه. أما البحث الثاني فيحمل عنوان: «الزّمن الغائر: نحو بناء فيزياء رقميّة»، ويقدّم هذا الفصل مقاربة مبتكرة تسعى لبناء «فيزياء رقمية» لتفسير الفضاء السيبراني؛ عبر إسقاط مفاهيم فيزيائية كونية كـ«الزمن الغائر»، و«القوّة والجاذبيّة: أنطولوجيا الفضاء السيبراني»، و«القوّة الخامسة»، و«شياطين الأنتروبيا السيبرانية» على آليات عمل الشبكة واستهلاكها لوعي المستخدم ووقتِه.

ما الذي يصنع الزّمن؟

في مقدمة الكتاب، يتساءل المؤلف: ما الذي يصنع الزّمن حين لا تعود الساعة وحدها ما يقيسه؟ وفي إجابته يلاحظ أن هذا الكتاب «ليس كتاباً عن الزّمن، وإنْ لاح الزّمن العنصر الأبرز في عبورنا من فصل إلى فصل، ولا هو كتاب عن الميديا، على الرّغم مما قد يوحي به عنوان الكتاب». ويوضح أن محور البحث في هذا الكتاب هو «الزّمن الميدياتيكي».

وفي مكان آخر يقول المؤلف: «إذا كان سؤال (الوجود) قد ارتبط في تاريخه الفلسفي الطويل بمقولات الحضور والثبات والتعيّن في المكان، فإنّ هذا السّؤال يواجه اليوم شروطاً مغايرة لإثارته، ذلك لأنّ (الوجود) لم يعد يُختبر فيما هو قائم ومتحقّق، إنّما فيما هو جارٍ، متدفّق ويتكوّن باستمرار داخل مجرّات ميدياتيكيّة تُعيد تنظيم العلاقة بين الزّمن والتجربة والمعنى. والميديا كما ورَد توصيفها في عَملنا، ليست مجرّد منظومة تقنيّة من الوسائط، بقدر ما نراها بُنى زمنيّة - إدراكيّة تدير إيقاع الظهور والاختفاء، والحضور والغياب، والقرب والبعد».

ويقول: «لقد سَلَكنا هذا المسار لنبيّن أنّ الزّمن الذي نعالجه، ليس زمناً فيزيائيّاً ولا سيكولوجيّاً فحسب، إنّه، في المقام الأوّل، زمن سيبرني تتشكّل أليافه داخل شروط ميدياتيكيّة تصنع طرائق الوجود. إنّه باختصار شديد صيغة وجود».

ويضيف: «يصبح تفكير الفضاء السيبراني ممكناً في اتجاه الكفّ عن اعتباره تمدّداً تكنولوجيّاً فاحشاً؛ لأنّ جوهر التقنية في بنيته العميقة، كما يصرّح بذلك هايدجير، ليس تقنيّاً. من هنا، تنكشف حقيقة جديدة لحقل فيزيائي - سيبرني، يستدعي مفهوميّة مغايرة، ويؤسّس لإمكانية فيزياء لا تكتفي بوصف المادّة، بل تُصغي إلى ما يَصنع الوعي حين يَسقط في مدار الجذب الرّقمي».

ويكمل قائلاً: «لا يعني أنّنا سنتجاوز القوانين الفيزيائيّة، أو أنْ نُجبر الفيزياء على الانسجام مع طبيعة الفضاء السيبراني. إنّ همّ هذا الكتاب، على العكس من ذلك، يتمثّلّ في استخدام لغة الفيزياء لفكّ معضلة الفضاء السيبراني. ومن ثمّ، يُصبح ممكناً التفكير في بناء فيزياء رقميّة تكون جسراً مفاهيميّاً وعلميّاً يُدمج المبادئ الفيزيائيّة مع عالم التكنولوجيا والمعلومات ككيان أصبح جزءاً لا يتجزّأ من تجربتنا اليوميّة ومعرفتنا. غير أنّ هذا المشروع لا يمكن أن يتحقّق إلا من بوّابة الفلسفة».

والمؤلف، د. عبد الله الزين الحيدري، هو باحث تونسي في علوم الإعلام والاتصال، يعمل في قسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم، بجامعة قطر. وله عدد من الدراسات المنشورة، بينها: «الإعلام الجديد النظام والفوضى»، و«مصفوفة المفاهيم والمصطلحات في مقدّمة ابن خلدون»، و«الصورة والتلفزيون، بناء المعنى وصناعة المضمون»، و«الزّمن: مقاربات وشهادات» (تأليف جماعي)، وغيرها.


«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية
TT

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري» و«تفاصيل» و«باليرينا»، وروايات: «غرف حنين» و«اتجاه عكسي» و«عطرشاه».

تدور الرواية حول «ليلى»، الشخصية المركزية التي تعاني اغتراباً وجودياً، وأزمات نفسية، وتشعر أنها غير مرئية من كل المحيطين بها، سواء في أسرتها أو حياتها أو مسارها المهني الذي لم يتحقق كما كانت تطمح، وقد تذوقت مرارات الفقد أكثر من مرة، بدءاً من طفولتها حين فقدت والدتها، مروراً بفقد حبيبها الأول في أثناء دراستها الجامعية، وصولاً إلى فقد ذاتها، وتحول حياتها إلى متاهة، لا استقرار فيها ولا ثوابت، وتعيش بإحساس مُمضّ أنها تمضي في الحياة دون أثر يُذكر.

ورغم زواجها من رجل يحبها، وسفرها إلى مدينة أوروبية، فإن إحساس التيه انتقل معها إلى أسرتها الجديدة ومكانها المغاير، فأساس أزمتها يكمن في مدينتها الساحلية الهادئة، التي عاشت فيها مرحلة طفولتها ومراهقتها، فاضطرت بعد سنوات في أوروبا للعودة إلى مكانها الأول بحثاً عن مصالحة ذلك العالم القديم، ومصالحة ذاتها بشكل أكبر، وبحثاً عن غفران للماضي؛ أن تغفر لمن خذلوها، وأن تغفر لنفسها أيضاً ما ارتكبته من أخطاء.

الرواية قصيرة، أقرب إلى نوفيلا، وتتكون من ثلاثة فصول رئيسة، كل منها يتكون من عدة وحدات سردية. يأتي السرد في الفصل الأول باستخدام ضمير الراوي العليم، الذي يحكي عن «ليلى» من الخارج، ومن زمن وجودها في أوروبا، ثم قرارها المفاجئ العودة إلى الماضي. ويستعيد الراوي عبر كثير من الاسترجاعات ماضي الشخصية وما ينطوي عليه من توترات. في الفصل الثاني يتحول السرد إلى ضمير الأنا، وتتولى «ليلى» عبر التداعي الحر حكي تاريخها ومشاعرها ووعيها وأزماتها. وينفتح الفصل الثالث على تعدد الرواة، وتأتي كل وحدة سردية منه بصوت من مروا في حياة البطلة: الأب، والجدة، والصديقة، والزوج، وغيرهم. ويكشف كل منهم عن ضعفه وأزماته، لتبدو في الأخير كل الشخصيات مأزومة وتائهة، فكل منهم كانت تحركه مخاوفه وهواجسه الخاصة، خصوصاً الخوف من ألا يكون كل منهم مرئياً.

من أجواء الرواية نقرأ:

«آدم، رافقني في كل مراحل المتاهة، دون أن أستدعيه، هو يعرف تماماً متى يجب أن يكون إلى جواري، وكأني متأصلة داخله مثل علامة ولادة خفية لا يراها أحد سواي. ورغم ذلك، أنا الذي خذلته. أول مرة حين تصورت أن الطموح أهم، وأن الحب لا يطعم القلب، ولا يعترف بالمستقبل، ولا يبني حياة. وثانية حين قررت أن أختبئ في حضنه، عندما أدركت فداحة ما فعلته. كان حينها عقلي مشوشاً، وروحي محبوسة في جسد لم يعد نقياً. لكنه، وللعجب، لم يعطني ظهره، بل استقبلني فاتحاً ذراعَيه. لم يتجنبني، لم يحاكمني، لم يسألني لماذا غبت، لماذا عدت وبداخلي جثة امرأة كنتها. هادئ، وديع، طيب، يحب بصمت، يغفر بغير مقابل...».