اقتصاد اليورو قوي رغم التحديات... ومخاوف ضعف الاستهلاك تربك بريطانيا

نمو التصنيع بأسرع وتيرة في 71 شهراً... والبطالة عند أدنى حد من 2009

تقنيان في مصنع شركة السيارات الألمانية فولكسفاغن في درسدن أمس (أ.ب)
تقنيان في مصنع شركة السيارات الألمانية فولكسفاغن في درسدن أمس (أ.ب)
TT

اقتصاد اليورو قوي رغم التحديات... ومخاوف ضعف الاستهلاك تربك بريطانيا

تقنيان في مصنع شركة السيارات الألمانية فولكسفاغن في درسدن أمس (أ.ب)
تقنيان في مصنع شركة السيارات الألمانية فولكسفاغن في درسدن أمس (أ.ب)

تصنيع قوي، وتراجع قياسي للبطالة... هكذا أظهرت مؤشرات اقتصادية دولية، متوافقة في رؤيتها، أمس، قياساتها الخاصة بمنطقة اليورو، لتتضح قوة اقتصاد أحد أبرز الكتل الدولية المؤثرة، على الرغم من تعدد المخاطر التي تواجهها، لكن المؤشرات والإحصاءات المتعددة وضعت الاقتصاد البريطاني في «دائرة الخطر»، في وقت يحتاج فيه اقتصاد المملكة المتحدة لمصادر قوة تؤازر الحكومة البريطانية خلال المفاوضات الصعبة المتوقعة مع الاتحاد الأوروبي على مدار العامين المقبلين.
وبشكل مباشر، فقد أوضحت الأرقام الصادرة، أمس، بشكل مؤكد ارتفاع أنشطة التصنيع في منطقة اليورو بأسرع وتيرة للنمو بمعدل شهري في 6 سنوات تقريباً، فيما تراجع معدل البطالة إلى أقل مستوى شهري خلال 8 أعوام تقريباً، مما يزيد الدلائل التي تشير إلى أن النمو في المنطقة التي تضم 19 دولة يكتسب زخماً، ويعد إشارة إيجابية لاقتصاد اليورو بشكل عام.
وتأتي تلك المؤشرات الجيدة على مستوى منطقة «اليورو»، في وقت تعاني فيه أوروبا بالفعل من مخاطر متعددة، منها ما هو قائم مثل تأثرات الانفصال البريطاني على الاقتصاد الأوروبي، والركود العالمي، ومخاطر الحمائية، وأزمتي الديون اليونانية والبنوك الإيطالية وغيرها. ومنها ما هو مستقبلي لكنه يثير القلق، مثل الاستحقاقات الانتخابية الفرنسية والألمانية المقبلة، وما قد تفرزه من صعود لليمين المتطرف.
وذكرت مؤسسة «ماركت» للأبحاث، أمس، أن مؤشرها لمديري المشتريات الصناعي في منطقة اليورو سجل 56.2 نقطة في مارس (آذار) الحالي، مقابل 55.4 نقطة في الشهر السابق له، وهو أعلى مستوى مسجل في 71 شهراً. وكانت التقديرات الأولية لمؤشر مديري المشتريات الصناعي قد أظهرت تسجيل مستوى 56.2 نقطة في الشهر الماضي.
وفي الأرقام التفصيلية، أوضحت البيانات أن المؤشر الإيطالي سجل ارتفاعاً بواقع 55.7 في مارس، وكان من المتوقع أن يسجل 54.9، وذلك مقارنة بالقراءة السابقة التي بلغت 55.0. بينما تراجعت قراءة المؤشر الفرنسي لتسجل 53.3 في مارس، وكان من المتوقع أن تسجل 53.4، لتتوافق مع القراءة السابقة. فيما أظهرت البيانات تسارع نشاط قطاع التصنيع في ألمانيا لأعلى مستوى في 71 شهراً أيضاً خلال مارس الماضي.

البطالة تتراجع:
وبالتزامن مع تلك المؤشرات، أصدر مكتب إحصاءات الاتحاد الأوروبي (يوروستات)، أمس، بيانات أوضحت تراجع معدل البطالة في منطقة اليورو إلى أقل مستوى خلال 8 أعوام تقريباً في فبراير (شباط) الماضي، حيث بلغ 9.5 في المائة، مقارنة بنسبة 9.6 في المائة في يناير (كانون الثاني)، وذلك بعد أن انخفض عدد المنتظرين في طوابير العاطلين بأنحاء المنطقة بواقع 140 ألف شخص. وبذلك وصل معدل البطالة في منطقة اليورو حالياً إلى أقل مستوى له منذ مايو (أيار) 2009.
وذكر «يوروستات» أنه مع ذلك، ظل إجمالي 15.439 مليون شخص في منطقة اليورو بلا عمل في فبراير الماضي. وبقيت اليونان وإسبانيا في وضع لا تحسدان عليه، حيث سجلتا أعلى معدلات للبطالة في منطقة اليورو. وأظهرت البيانات الأحدث أن معدل البطالة في اليونان كان عند مستوى 23.1 في المائة في ديسمبر (كانون الأول)، بينما بلغ في إسبانيا 18 في المائة في فبراير.
وأسفرت البيانات القوية عن انتعاشة فورية لعملة اليورو مقابل الدولار، بعد أسبوع من الهبوط، حيث جرى تداول العملة الأوروبية، صباح أمس، عند مستوى 1.0682، لكن توقعات صدور بيانات أخرى أميركية قوية أمس، حيث صدرت في وقت لاحق بيانات مديري المشتريات الأميركي للقطاع التصنيعي، إضافة إلى المخاوف المستمرة، حجمت من تحليق اليورو بعيداً، وأعادته مجدداً إلى الهبوط، حيث جرى تداوله بعد الظهيرة في لندن عند أدنى مستوى في 3 أسابيع عند 1.0650 دولار.
وكانت تصريحات أعضاء الاحتياطي الفيدرالي، خلال الأسبوع الماضي، قد دفعت اليورو إلى الانخفاض، بعد أن أكد الأعضاء على صحة الاقتصاد الأميركي، واستعداده لتقبل قرارات رفع أسعار الفائدة المتوقع، لا سيما مع مطالبة بعض الأعضاء برفع الفائدة الأميركية أكثر من 3 مرات هذا العام.

تزايد الثقة في البرتغال
وفي البرتغال، ارتفع مؤشر ثقة المستهلك في مارس الماضي إلى أعلى معدل له منذ عام 2000، وفقاً لأحدث تقرير صادر عن المعهد الوطني للإحصاء، مما يدل على انتعاشة باقتصاد البلاد.
وأشار المعهد إلى أن المؤشر زاد من سبتمبر (أيلول) حتى مارس، كما ارتفع مؤشر المناخ الاقتصادي من يناير إلى مارس، وبذلك استأنف مؤشر ثقة المستهلك مساره الإيجابي الذي لوحظ منذ مطلع عام 2013.
وقال المعهد إن الزيادة جاءت نتيجة للإسهامات الإيجابية لجميع مكونات القياس، ومنها نظرة الأسر إلى التوقعات المستقبلية وللوضع الاقتصادي للبلاد وللمدخرات، وإلى حد أكبر بالنسبة للبطالة.

بريطانيا والقلق
وفي مقابل البيانات الأوروبية القوية، أظهرت مؤشرات «ماركت» أن قطاع الصناعات التحويلية في بريطانيا فقد بعض الزخم الشهر الماضي، مع تباطؤ معدل نمو طلبيات التصدير، وتهاوي الطلب على السلع الاستهلاكية، في ظل تنامي ضغوط التضخم.
وكان هبوط الإسترليني منذ التصويت على الانفصال عن أوروبا قد ساهم في تحقيق المصنعين أسرع وتيرة نمو سنوي في 3 أعوام، في الربع الأخير من 2016، وذلك في ختام عام شهد نمو الاقتصاد البريطاني 1.8 في المائة، وهي ثاني أسرع وتيرة نمو بين الاقتصادات المتقدمة الكبرى في العالم.
غير أن «ماركت» قالت إن مؤشرها لقطاع الصناعات التحويلية أشار إلى تباطؤ نمو القطاع في بريطانيا في أول 3 أشهر من العام الحالي. ونزل المؤشر في مارس إلى 54.2 نقطة، من 54.5 في فبراير، بعد التعديل بالخفض. وتقل القراءة عن متوسط توقعات اقتصاديين في استطلاع أجرته «رويترز» عند 54.6 نقطة، فيما كانت توقعات المحللين على وجه العموم تصب في اتجاه ارتفاع المؤشر إلى 55.1 نقطة.
وقالت «ماركت» إن منتجي السلع الاستثمارية، مثل الآلات والمنتجات الوسيطة التي تستخدم في سلع أخرى، ما زالوا يحققون نمواً كبيراً، ولكن نمو الإنتاج الكلي انخفض لأدنى مستوى منذ يوليو (تموز)، حين سجل المؤشر انكماشاً حاداً للإنتاج في أعقاب التصويت لصالح الانفصال.
وقال روب دوبسون، كبير الاقتصاديين في «ماركت»: «تشير بيانات المسح إلى أن قطاع إنتاج السلع قدم مساهمة قوية في الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الأول من عام 2017، لكن من الواضح أن التوسع سيكون أقل من الارتفاع المطرد بنسبة 1.3 في المائة في الربع الأخير من العام الماضي».
وبالتزامن، أظهر تقرير لاتحاد الصناعة البريطاني تباطؤ وتيرة نمو القطاع الخاص في خلال الربع الأول من العام الحالي. وبحسب التقرير، فقد سجل مؤشر نمو القطاع الخاص «موجب 11» نقطة، فيما كان المؤشر قد سجل عن الفترة الأسبق «موجب 15» نقطة. لكن الشركات التي شملها المسح توقعت تحسن وتيرة النمو خلال الربع الثاني من العام الحالي، حيث وصل مؤشر التوقعات إلى «موجب 25 نقطة»، وهو أعلى مستوى له منذ سبتمبر 2015.
وقال راين نيوتن سميث، كبير خبراء الاقتصاد في الاتحاد، إن «الرياح المعاكسة تشتد قوة أيضاً، مع ارتفاع معدل التضخم الذي يؤدي إلى زيادة نفقات الشركات، وتآكل قيمة دخل المستهلكين، وخصوصاً في ظل ضعف نمو الأجور».
وهذه النتائج رغم كونها ليست سيئة على الإطلاق، تعد مقلقة للاقتصاد البريطاني، حيث تستعد المملكة المتحدة لمفاوضات شاقة في إطار إجراءات «الطلاق الأوروبي». وبحسب المحللين، فإن بريطانيا إذا أظهرت «ضعفاً اقتصادياً» خلال تلك المفاوضات، وبالتزامن مع الضغوط الأوروبية التي لن تسمح بـ«كثير من التنازلات»، فإنها قد تحصل على اتفاق نهائي سيء، وهو الأمر الذي قد يدخل بريطانيا القوية إلى دائرة مفرغة من التراجع الاقتصادي.
وإثر ظهور البيانات أمس، ارتفعت الضغوط البيعية على الإسترليني، ليهوي إلى أدنى مستوياته على مدار الفترة الحالية بالقرب من المستوى 1.2500. كما انخفض الجنيه مقابل اليورو بنسبة 0.52 في المائة، ليصل إلى 0.8532، من 0.8512 قبل صدور التقارير.

آيرلندا أيضاً تعاني
وفي سياق متصل، أظهرت البيانات المعدلة لمؤشر مديري مشتريات قطاع التصنيع في آيرلندا، أمس، استمرار نمو قطاع التصنيع في آيرلندا خلال مارس الماضي، ولكن بوتيرة أقل قليلاً من وتيرة النمو في الشهر السابق. وسجل المؤشر خلال الشهر الماضي 53.6 نقطة، مقابل 53.8 نقطة خلال فبراير.
في الوقت نفسه، فإن المؤشرات الفرعية لقياس أنشطة الإنتاج والطلبيات الجديدة والمشتريات سجلت معدلات نمو أقل خلال مارس الماضي، في حين حافظ مؤشر الوظائف الجديدة على وتيرة النمو تقريباً خلال الفترة نفسها.
وارتفعت أسعار مستلزمات الإنتاج خلال مارس نتيجة ارتفاع أسعار المواد الخام. في الوقت نفسه، تراجع معدل التضخم خلال الشهر الماضي مقارنة بالشهر السابق، الذي كان قد شهد وصول معدل التضخم إلى أعلى مستوى له منذ 69 شهراً. في المقابل، ارتفع معدل تضخم أسعار المنتجات إلى أعلى مستوى له منذ أبريل (نيسان) عام 2011.



الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
TT

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)

كشفت الهيئة العامة للإحصاء عن أداء استثنائي للقطاع الصناعي السعودي في نهاية عام 2025، حيث حقق الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي نمواً سنوياً بلغت نسبته 8.9 في المائة مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول) من العام السابق.

ويعكس هذا الارتفاع حالة الانتعاش في الأنشطة الاقتصادية الرئيسة، وعلى رأسها التعدين، والصناعة التحويلية، مما يعزز من مكانة القطاع باعتبار أنه رافد أساسي للاقتصاد الوطني.

الإنتاج النفطي

لعب نشاط التعدين واستغلال المحاجر دوراً محورياً في دفع المؤشر العام نحو الأعلى، حيث سجل نمواً سنوياً لافتاً بنسبة 13.2 في المائة بحلول ديسمبر. ويُعزى هذا الزخم بشكل أساسي إلى ارتفاع مستويات الإنتاج النفطي في المملكة لتصل إلى 10.1 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ 8.9 مليون برميل في الفترة المماثلة من العام الماضي. على أساس شهري، شهد المؤشر استقراراً نسبياً بزيادة طفيفة بلغت 0.3 في المائة فقط مقارنة بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) السابق.

الصناعة التحويلية

وفي سياق متصل، أظهر قطاع الصناعة التحويلية مرونة عالية بنمو سنوي قدره 3.2 في المائة، مدعوماً بقوة الأداء في الأنشطة الكيميائية والغذائية. وقد برز نشاط صنع المواد الكيميائية والمنتجات الكيميائية بوصفه من أقوى المحركات في هذا القطاع مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 13.4 في المائة، تلاه نشاط صنع المنتجات الغذائية الذي نما بنسبة 7.3 في المائة. أما على الصعيد الشهري، فقد حافظ المؤشر على وتيرة إيجابية بزيادة قدرها 0.3 في المائة، حيث قفز نشاط المنتجات الغذائية منفرداً بنسبة 9.6 في المائة، ونشاط المواد الكيميائية بنسبة 2.8 في المائة مقارنة بنوفمبر 2025.

إمدادات المياه والخدمات العامة

أما بالنسبة للخدمات العامة، فقد سجل نشاط إمدادات المياه وأنشطة الصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها ارتفاعاً سنوياً قوياً بنسبة 9.4 في المائة. وفي المقابل، واجه نشاط إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء انخفاضاً بنسبة 2.5 في المائة مقارنة بديسمبر 2024. ولوحظ انكماش شهري في هذين القطاعين بنسب بلغت 7.2 في المائة و13.1 في المائة على التوالي عند المقارنة بشهر نوفمبر 2025، مما يشير إلى تأثر الإنتاج بالتقلبات الموسمية، أو جداول الصيانة الدورية.

توازن الأنشطة النفطية وغير النفطية

ختاماً، تُظهر البيانات توزيعاً متوازناً للنمو بين الركائز الاقتصادية للمملكة، حيث حققت الأنشطة النفطية ارتفاعاً سنوياً بنسبة 10.1 في المائة، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً ثابتاً بنسبة 5.8 في المائة. وعند النظر إلى الأداء قصير المدى، يتبين أن الأنشطة غير النفطية حافظت على تفوقها الشهري بنمو قدره 0.4 في المائة، في حين سجلت الأنشطة النفطية انخفاضاً شهرياً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة، مما يعكس استراتيجية التنويع الاقتصادي المستمرة في المملكة.


ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
TT

ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)

في واحدة من أكثر تصريحاته الاقتصادية إثارة للجدل، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقفاً مرتفعاً جداً لمرشحه الجديد لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، مؤكداً أنه قادر على دفع عجلة الاقتصاد الأميركي لتحقيق معدلات نمو تاريخية تصل إلى 15 في المائة.

هذه التصريحات لا تضع ضغطاً هائلاً على وورش فحسب، بل تعلن رسمياً بداية معركة ترمب لكسر التقاليد النقدية المتبعة في واشنطن منذ عقود.

ندم «تاريخي» واعتراف بالخطأ

خلال مقابلة مطولة مع شبكة «فوكس بيزنس»، عاد ترمب بالذاكرة إلى الوراء ليعرب عن ندمه الشديد على تعيين جيروم باول رئيساً للبنك المركزي في ولايته الأولى. ووصف هذا القرار بأنه كان «خطأً كبيراً جداً»، كاشفاً أن كيفن وورش كان هو «الوصيف» في ذلك الوقت.

وحمّل ترمب وزير خزانته السابق، ستيفن منوشين، مسؤولية هذا الاختيار، قائلاً: «لقد أصرَّ وزيري حينها على باول بشكل لا يصدق... لم أكن مرتاحاً له في قلبي، لكن أحياناً تضطر للاستماع للآخرين، وكان ذلك خطأً جسيماً».

ترمب والسيناتور الأميركي تيم سكوت وباول خلال جولة في مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي (رويترز)

أحلام النمو... هل هي واقعية؟

عند الحديث عن وورش، لم يتردد ترمب في رسم صورة «إعجازية» للمستقبل الاقتصادي، حيث صرح للشبكة: «إذا قام وورش بالعمل الذي أعلم أنه قادر عليه، فيمكننا أن ننمو بنسبة 15 في المائة، بل أعتقد أكثر من ذلك».

هذا الرقم أثار دهشة الأوساط الاقتصادية؛ فالاقتصاد الأميركي نما بمتوسط 2.8 في المائة سنوياً على مدار الخمسين عاماً الماضية، ولم يسبق للناتج المحلي الإجمالي أن لامس حاجز الـ 15 في المائة إلا في حالات استثنائية جداً، منها فترة التعافي من إغلاقات كورونا في 2020. ومع ذلك، يبدو ترمب مصمماً على أن وورش هو الشخص القادر على تحقيق هذه القفزة التي تتجاوز كل التوقعات التقليدية.

لا لرفع الفائدة

كشف ترمب بوضوح عن المعيار الذي اختار على أساسه وورش، وهو الرغبة في خفض أسعار الفائدة. وأكد أنه لم يكن ليختار وورش لو كان الأخير يدعو إلى رفع الفائدة، مشدداً على رغبته في مرشح يدفع بالنمو إلى أقصى حدوده.

ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس «مقامرة» اقتصادية كبرى؛ إذ إن تحقيق نمو يقترب من 15 في المائة قد يؤدي تقنياً إلى انفجار في معدلات التضخم التي لا تزال تكافح للوصول إلى مستهدفاتها، وهو أمر يبدو أن ترمب لا يراه عائقاً أمام طموحاته قبل الانتخابات النصفية.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي (رويترز)

جدار الصد في «الكابيتول هيل»

على الرغم من حماس ترمب، فإن طريق وورش نحو رئاسة الفيدرالي مزروع بالألغام السياسية. فقد أعلن السيناتور الجمهوري البارز ثوم تيليس عزمه عرقلة أي عملية تصويت لتأكيد تعيين وورش في مجلس الشيوخ.

ويأتي تهديد تيليس احتجاجاً على سلوك إدارة ترمب تجاه جيروم باول، حيث تلاحق وزارة العدل باول في تحقيقات تتعلق بمشروع تجديد مبنى الفيدرالي، وتصريحاته حول التكاليف. ويرى تيليس أن هذه الملاحقات القضائية هي محاولة لترهيب رئيس البنك المركزي، وتقويض استقلاليته.

«إذا حدث التأجيل... فليحدث»

بدا ترمب غير مبالٍ بتهديدات التعطيل في مجلس الشيوخ، حيث سخر من معارضة تيليس قائلاً: «لقد حاربت تيليس لفترة طويلة، لدرجة أنه انتهى به الأمر بالاستقالة». وعندما سُئل عما إذا كان التحقيق مع باول يستحق تعطيل ترشيح وورش، أجاب ببرود: «لا أعلم، سنرى ما سيحدث... إذا حدث التأجيل، فليحدث»، في إشارة واضحة إلى أنه لن يتراجع عن ملاحقة باول قانونياً حتى لو كلّفه ذلك تأخير تعيين خليفته.


«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
TT

«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)

في خطوة تعكس فقدان «الراحة» والاطمئنان تجاه الأصول الأميركية، بدأت الصين مساراً استراتيجياً لتقليص تبعية نظامها المصرفي لديون واشنطن، في عملية وُصفت بـ«الهروب الهادئ»، لتفادي الصدمات العنيفة في الأسواق.

تعليمات صينية خلف الأبواب المغلقة

كشفت مصادر مطلعة لـ«بلومبرغ» أن السلطات التنظيمية في بكين، وعلى رأسها بنك الشعب الصيني، أصدرت توجيهات للمؤسسات المالية المحلية بضرورة كبح حيازاتها من الديون الأميركية. هذه التعليمات تضمنت حث البنوك ذات «التعرض العالي» على تقليص مراكزها فوراً، بذريعة حماية القطاع المصرفي من «مخاطر التركز»، والتقلبات الحادة.

ورغم أن القرار استثنى «الاحتياطيات السيادية» الرسمية، فإن الأسواق استقبلته بوصفه إشارة حمراء، مما رفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوراً إلى 4.2359 في المائة.

لغة الأرقام

تُظهر البيانات الدقيقة الواردة من وزارة الخزانة الأميركية أن الصين بدأت بالفعل مساراً نزولياً في حيازاتها:

  • الصين: بعد أن كانت تمتلك 767 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفعت حيازتها لتتجاوز 900 مليار دولار في أغسطس (آب) 2025، لكنها عادت للتراجع السريع لتصل إلى 888.5 مليار دولار بحلول نوفمبر 2025، حيث باعت في شهر واحد ما قيمته 5.39 مليار دولار. ويرى مراقبون أن فقدان هذا المصدر للطلب سيشكل ضربة قوية لسوق سندات الخزانة الأميركية البالغ 30.3 تريليون دولار، لكن يبقى من الصعب قياس التأثير.
  • التكتل الصيني: تشير بيانات «آي إن جي» إلى أن إجمالي ما تمتلكه الصين وهونغ كونغ معاً بلغ 938 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي، مما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً باعتبارها أكبر حامل للدين الأميركي.
  • دول بريكس الأخرى: لم تكن الصين وحدها؛ فقد قلّصت البرازيل حيازتها من 229 مليار دولار إلى 168 ملياراً خلال عام واحد، كما تراجعت استثمارات الهند من 234 مليار دولار إلى 186.5 ملياراً.

توقيت «الاتصال الساخن» وظلال ترمب

ما يمنح هذا التحرك ثقلاً سياسياً استثنائياً هو صدوره قبيل اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويأتي هذا الحذر الصيني وسط تزايد حالة عدم اليقين تجاه سياسات إدارة ترمب الثانية؛ حيث أدى نهجه الذي لا يمكن التنبؤ به في ملفات التجارة والدبلوماسية، وهجماته المتكررة على الاحتياطي الفيدرالي، وزيادة الإنفاق العام، إلى دفع المستثمرين الدوليين للتساؤل علانية: هل لا تزال الديون الأميركية مكاناً آمناً؟

وفي هذا الإطار، قال مصرف «يو بي إس» إن فكرة تراجع رغبة المستثمرين الدوليين في شراء الديون الأميركية باتت تستحوذ على اهتمام الأسواق فعلياً.

بين «سلاح الديون» واستراتيجية التحوط

بينما يقلل وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، من أهمية تحركات المستثمرين الأجانب، يرى خبراء أن هذه الضغوط تأتي في وقت «هش» للدولار.

الواقع الجديد يشير إلى أن المستثمرين العالميين لم يعودوا يرغبون في استخدام ديون واشنطن أداة «عقاب سياسي» فحسب، بل بدأوا استراتيجية «التحوط الكبرى» (Hedging). فهم يريدون البقاء في السوق الأميركية القوية بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت نفسه يقلصون مشتريات السندات، لحماية أنفسهم من انهيار محتمل في قيمة الدولار، أو تذبذب حاد في الفائدة.