يفغيني يفتوشنكو: لا تمت قبل أن يأتي موتك

رحل في منفاه الاختياري في أميركا بعدما غطت شهرته العالم

يفتوشنكو في أيامه الأخيرة في الولايات المتحدة
يفتوشنكو في أيامه الأخيرة في الولايات المتحدة
TT

يفغيني يفتوشنكو: لا تمت قبل أن يأتي موتك

يفتوشنكو في أيامه الأخيرة في الولايات المتحدة
يفتوشنكو في أيامه الأخيرة في الولايات المتحدة

قد يكون الشعر في الغرب ترفاً ثقافياً، لكنه عند الأمة الروسية كأنه خبزُ الشعب. لذا؛ فالروس يتعاملون مع شعرائهم وكأنهم أنبياء كلمة ونجوم مرصعة بالنور، وهذا ما يُفسر تأثيرهم الأشد عمقاً في الناس مقارنة مع السياسيين. ومن هنا يُفهَمُ برق ضوء شاعر صارخ الموهبة، شديد الوسامة، لطيف المعشر وطلق اللسان أيضا. يفغيني يفتوشنكو (1933– 2017) الشاعر والروائي والممثل والمخرج والنائب السابق في البرلمان والأستاذ الجامعي الروسي الذي توفي السبت الماضي في أوكلاهوما الولايات المتحدة عن 83 عاماً إثر أزمة قلبية.
تجرأ يفتوشنكو وهو لما يزل في العشرين من عمره على توجيه نقد مبطن في شعره إلى «الرفيق» ستالين، وبذلك تحول بعد غياب ستالين عام1953 إلى رمز لجيل شعراء مرحلة ما بعد الستالينية الروس أواخر الخمسينات والستينات، وما لبث بمواقفه الصارخة لإطلاق حرية الفنون وتقييمها على أساس قيمتها الفنية لا مضمونها السياسي، أن تحول إلى أيقونة للشباب السوفياتي المتململ ولا سيما بعدما طُرد من معهد غوركي للآداب عام 1956 إثر انضمامه إلى اللمحتجين على منع رواية فلاديمير دودينتسيف «ليس بالخبز وحده»، ورفض لاحقاً المشاركة في الحملة الرسمية ضد بوريس باسترناك الذي فاز بجائزة نوبل للآداب في 1956 عن روايته المشهورة «دكتور زيفاغو».
نفض يفتوشنكو غبار الانفعال الثوري الذي حكم لغة شعراء الثورة البلشفية الأوائل من أمثال فلاديمير ماياكوفسكي وسيرجي يسينن، وأعاد الاعتبار لقصائد الحب والانفعالات الشخصية مخالفاً توجيهات الدولة في حينها، وهذا ما زاد من شعبيته.
«بابي يار» أشهر قصائده كتبها عام 1961 في ساعتين بعدما زار موقع مذبحة ارتكبها النازيون في مقاطعة أوكرانية خلال الحرب العالمية الثانية بحق آلاف عدة من اليهود، وأهملتها المصادر الرسمية السوفياتية دلالة على تجذر العنصرية الروسية – غير المعلنة - ضد اليهود. كتب يفتوشنكو لاحقاً أنه صُدم عندما زار موقع الجريمة في كييف فلم يجد أي علامة تشير إلى ما حدث. «لا نصباً تذكارياً ولا حتى شاهد قبر. لا شيء. لقد صدمني كيف يتجاهل الناس ذكرى مثل تلك الجريمة». كانت قصيدته بدأت بافتتاحية تقول: «لا نصب تذكاريا فوق بابي يار» ومن شهرتها العالمية بدا أن يفتوشنكو قد أقام ذلك النصب شعراً لكي لا تموت ذكرى الضحايا، رغم أن منتقديه اعتبروا تلك الشهرة أتت أساساً من تأثير الدوائر اليهودية في الإعلام الغربي أثناء الحرب الباردة التي وجدت في القصيدة المؤثرة - على لسان الشاعر السوفياتي الأشهر - نوعاً من نقد لاذع للاتحاد السوفياتي.
في أيام مجده كان يفتوشنكو بشِعره المتمرد وحضوره الأخاذ قادراً على استقطاب آلاف الشبان الروس للاستماع إليه وهو يلقي قصائده في الساحات العامة والملاعب الرياضية وقاعات المؤتمرات. كان نبضَ الشباب السوفياتي الذي جعلته الثورة الستالينية المضادة مصاباً بالرعب والغضب، لكنه بقي مسكوناً بالآتي. قصيدته عن «ورثة ستالين» جاءت أعلى صوتاً من بيان سياسي، وفيها خاطب السلطة بـ«أن تتأكد من تكثيف الحراسة على قبر ستالين كي لا يخرج لنا من جديد، وقال إننا الآن تخلصنا من ستالين الرجل، وبقي أن نتخلص من ستالين الفكرة في عقول ورثته»، فصُدم الروس الخارجين لتوهم من الصدمة.
في عام 1961 وحده قدم أكثر من 250 أمسية شعرية، لكن البعض اتهمه بأنه كان سلاحاً في جعبة الرئيس نيكيتا خروتشوف الذي شن حملة نقد غير مسبوق تجاه مرحلة سلفه جوزيف ستالين، وأن السلطات سهلت له تنظيم القراءات الشعرية ولا سيما تلك التي يهجو فيها ستالين والستالينيين من بعده. ولذا؛ وصفه المنشق السوفياتي جوزيف بوردسكي بأنه «يلقي أحجاراً حيثما يُشير له رجال السلطة أن يفعل» والأخير استقال احتجاجا من الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب عندما نصب يفتوشنكو عضو شرف فيها. لكنه عام 1991 أيضاً وفي مواجهة الانقلاب الفاشل الذي نظمه الشيوعيون المحافظون ضد حكم الرئيس ميخائيل غورباتشوف، استقطب جمهوراً فاق الـ200 ألف من الشبان السوفيات، الذين زحفوا ليستمعوا إليه يدين الانقلاب شعراً. وهو كتب لاحقاً نصاً روائياً عن تلك المرحلة عنونه بـ«لا تمت قبل أن يأتي موتك». كان يفتوشنكو قد وصل حتى أعلى قمة المجد في عهد غورباتشوف، فأصبح عضواً في البرلمان وأميناً عاماً لاتحاد الكتاب السوفيات وكثيراً ما أوفد لتمثيل الاتحاد السوفياتي في مناسبات ثقافية في الخارج ومنح لاحقاً ميدالية «الدفاع عن روسيا الحرة» واعتبر أحد أهم الأصوات المؤيدة لسياسة «الانفتاح» التي أطلقها غورباتشوف.
انتقدت بعض قصائده بوصفها كتبت للاستهلاك اللحظي في المناسبات، وقيل إن شهرته العالمية سببتها صراعات الحرب الباردة، وهو لم ينكر ذلك قطعاً، لكن الجميع اليوم متفقون على أن غالب أعماله الشعرية سيدخل ضمن أوابد الشعر الروسي الحديث.
سافر يفتوشنكو في الستينات إلى الولايات المتحدة وأوروبا وكوبا وأستراليا ملقياً القصائد، فبنى شبكة من العلاقات في الغرب والتقاه الرئيس الأميركي نيكسون، لكنه كاد أن يفقد حظوته في بلاده إثر نشره في باريس 1963 مذكراته عن مرحلة شبابه منتقداً الحياة في ظل الحكم الشيوعي، فاعتبر منشقاً وسُحبت امتيازاته الرسمية، لكنه ما لبث أن استعاد ثقة السلطات بعد نشره عام 1966 ديوانه «محطة براتيسك» الذي قارن فيه سيبيريا بعد أن كانت منفى موحشاً يُرسل إليه المعارضون الروس، وأمست بعد الثورة نافذة تجلب النور والدفء إلى قلب روسيا من خلال رمزية محطة براتيسك الضخمة لتوليد الطاقة. لكنه بدا غير قادر على الانتظام طويلاً وفق خطوط السياسة الرسمية، فبعدها بعامين فقط كتب قصيدته «دبابات روسية في براغ» مُنتقداً تدخل بلاده العنيف في تشيكوسلوفاكيا عام 1968، التي كان الشبان الروس ينسخونها باليد؛ إذ لم تُنشر مطبوعة حتى عام 1990.
انحدر يفتوشنكو من قلب سيبيريا البارد، من بلدة تدعى زيما – أي الشتاء – قرب بحيرة البايكال، لكنه أدفأ قلوب الشباب السوفياتي عبر عقود بقصائد متوهجة مشتعلة. بعد سقوط الاتحاد السوفياتي انتقل عام 1992 ولحين وفاته إلى الولايات المتحدة فتحول كما أسد متقاعد إلى أستاذ جامعي بجامعة توسلا في قلب الغرب الأميركي، يعلّم اللغة الإنجليزية والأدب الروسي، ولم ينقطع عن ذلك حتى ليلة موته. كان شديد التعاطف مع تلامذته غير قادرٍ على منحهم علامات متدنية مهما كان أداؤهم؛ إذ رأى دوماً أن «أبناء رعاة البقر وحفاري منصات النفط هم أقربُ للطبيعة والحياة من شبان المدن الكبرى، ولديهم حساسية أشد تمكنهم من فهم الشعر». وبالفعل، فإن أمسياته كانت تستقطب مئات الشبان الأميركيين الذين يأتون من بلدات صغيرة حول توسلا للاستماع لذلك الشاعر (السوفياتي) المثير للجدل. في الثمانينات نشر قصائد بالروسية عن الولايات المتحدة، وكتب أول عمل روائي له ترجم إلى الإنجليزية بعنوان «توت بري»، كما جرب حظه في التمثيل والإخراج وكتابة أغاني الأفلام، ونُشر عنه أيضاً كتاب مصور، ودبج مئات المقالات للصحف والمجلات الكبرى، لكن هوسه الرئيس منذ الأربعينات وحتى النهاية بقي دائماً الشعر، وقد أصدر من منفاه الاختياري في توسلا دواوين ومجموعات شعرية عدة بالروسية والإنجليزية تحدث فيها أكثر عن الحب والألم والموت. لقد طحن يفتوشنكو السياسة السوفياتية وطحنته، لكنه في تقاعده (الأميركي) المريح بين شبان وشابات توسلا الجامحين صار شاعراً ناضجاً ينظر للحياة من عل. مات يفتوشنكو فقط عندما جاء موته.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».