في إيران... الاستثمار الأجنبي «لعب بالنار»

الحرس الثوري يمتلك شركات «الواجهة الأمامية»... والنظام المصرفي عصي على المناورة

في إيران... الاستثمار الأجنبي «لعب بالنار»
TT

في إيران... الاستثمار الأجنبي «لعب بالنار»

في إيران... الاستثمار الأجنبي «لعب بالنار»

في الأسابيع الأخيرة، كانت شركة توتال الفرنسية العملاقة في مجال الطاقة ترسل كميات صغيرة من اليورو من المصارف في أوروبا إلى طهران. وكانت تلك الخطوة مكافئة لمحاولة إرسال ودائع مباشرة إلى هناك. وكان مقصد الشركة الفرنسية هو اختبار النظام المصرفي والوقوف على مدى صعوبة إجراء المعاملات النقدية اليومية في إيران.
ولأن الشركة الفرنسية تفكر في الاستثمار في إيران، فإنها تتحرك بمنتهى الحذر على هذا المسار. ولقد عينت مسؤولا بدوام كامل لمتابعة شؤون الامتثال في البلاد للتأكد من أنها لا تتجاوز أي قواعد مفروضة: فهي لا يمكنها السماح لأي مواطن أميركي بالعمل في أي من مشاريعها هناك، وينبغي أن تتوخى المزيد من الحذر لتفادي التعامل مع الإيرانيين الخاضعين للعقوبات.
وعلى غرار الكثير من الشركات النفطية الدولية، انجذبت شركة توتال الفرنسة نحو وعود الأسواق الكبيرة والمربحة ذات احتياطات الطاقة الضخمة. ولكن المشهد الجيوسياسي شديد التقلب في المنطقة جعل الشركات الكبرى شديدة الحذر من العقوبات الدولية المفروضة والقيود المرتبطة بالعمل في إيران.
ولقد تضخمت مثل هذه المخاطر مع تولي الرئيس دونالد ترمب مهامه الرئاسية، والذي أعلنت إدارته الجديدة عن «وضع إيران قيد الإشعار الفوري». ولقد تسببت المحادثات العسيرة من قبل واشنطن في توقف الخطوات المبكرة التي اتخذتها شركة توتال الفرنسية، مما أثار المخاوف بشأن ما إذا كانت الفرص التي طال انتظارها سوف تتحقق من عدمه، أو إذا كانت إدارة الرئيس ترمب سوف تتخذ موقفا أكثر تشددا وتزيد من صرامة القواعد المعقدة المعمول بها بالفعل إزاء عقد الصفقات والتعامل مع طهران.
ولقد تمكنت بعض الشركات العالمية الكبرى من تحقيق بعض القفزات المعتبرة على هذا المسار على أي حال. حيث أبرمت شركتا بوينغ الأميركية وإيرباص الفرنسية صفقات لبيع ما مجموعه 180 طائرة ركاب مدنية إلى إيران. كما أعلنت شركة (بس إس إيه) الفرنسية لصناعة السيارات عن التزامها بضخ 300 مليون يورو، أو ما يساوي 320 مليون دولار، لصناعة السيارة ستروين في إيران، كما نجحت الشركات الفندقية الكبرى مثل أكور وروتانا في إبرام صفقات سياحية في طهران كذلك.
وتتطلع الشركات النفطية، على وجه الخصوص، إلى إيران. حيث تملك إيران أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي على مستوى العالم وثاني أكبر احتياطي من النفط في منطقة الخليج العربي، وفقا للتقرير الإحصائي لشركة «بي بي» النفطية البريطانية عن الطاقة في العالم. وبعدما تمكنت إيران من إبرام صفقة مع القوى العالمية قبل عامين ماضيين لرفع العقوبات الاقتصادية المتعلقة ببرنامجها النووي، كانت الآمال معقودة على تدفق الاستثمارات الأجنبية على البلاد في أعقاب ذلك.
ولكن مع كون النظام الإيراني لا يزال على خلافات واضحة مع الولايات المتحدة، فإن إيران لديها سمعة عالمية كدولة صعبة ومكان شديد الغموض لعقد الصفقات التجارية. فلا تزال القيود المصرفية المحلية معمولا بها. وينتشر الفساد في ربوع المؤسسات والهيئات الحكومية. كما أن المعارضة السياسية للسماح بالاستثمارات الأجنبية في الموارد الطبيعية الإيرانية لا تزال قوية ومؤثرة.
ويُحظر، حتى الآن، على الشركات الأميركية من قبل واشنطن الاستثمار في قطاع الطاقة الإيراني. ومع أن أسعار النفط العالمية لا تزال أقل من نصف السعر المسجل في عام 2014. فإن الشركات الأوروبية مثل شركة «بي بي» البريطانية، والتي تعود بأصول أعمالها للاكتشافات النفطية في إيران، قد تراجعت كذلك عن هذا المسار.
ولقد أتاح هذا الموقف الفرصة أمام شركة توتال الفرنسية.
يقول باتريك بوياني، الرئيس التنفيذي لشركة توتال الفرنسية، في مقابلة حديثة: «نحن أجرأ قليلا من غيرنا. وإن ذلك جزء من قوتنا في تلك السوق».
بعد رفع العقوبات النووية في العام الماضي، استغل السيد بوياني الفرصة السانحة، حيث التقى مع الرئيس الإيراني حسن روحاني. وبحلول نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2016. توصلت شركة توتال إلى الخطوط العريضة لما سوف يمثل – إن تم إنجازها – أول صفقة تبرمها شركة نفطية غربية رئيسية منذ رفع العقوبات مع النظام الإيراني بقيمة ملياري دولار للاستثمارات المبدئية.
وما إذا كانت شركة توتال قد تمكنت من إبرام الصفقة يعد من الأهمية بمكان، ليس فقط بالنسبة للشركة وغيرها من الأطراف المهتمين بالاستثمار، وإنما بالنسبة لطهران أيضا. فسوف تعقد الانتخابات في إيران في مايو (أيار) المقبل، وترغب حكومة روحاني في تأمين المساعدات المالية والفنية للمحافظة على استمرار إنتاج النفط، الذي يعد أحد المصادر الرئيسية للتصدير وأحد عوامل النفوذ الكبير داخل مجموعة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، إلى جانب منطقة الشرق الأوسط عموما.
يقول سانام فاكيل، المحلل الإيراني لدى مؤسسة تشاتام هاوس البحثية في لندن: «إن إعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني هو جزء حقيقي لا يتجزأ من الاتفاق النووي مع القوى الدولية. وعدم إبرام مثل هذه الصفقات سيكون من قبيل الأنباء السيئة بالنسبة للسيد روحاني».
تمثل استثمارات شركة توتال جزءا يسيرا من أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم، والذي تتقاسمه كل من إيران وقطر في منطقة الخليج العربي. والشركة على دراية فعلية بذلك الحقل، الذي تطلق عليه إيران اسم حقل بارس الجنوبي، من خلال أعمالها في إيران قبل فرض العقوبات الدولية. ويعتقد بوياني أن حفر الآبار وبناء المنصات اللازمة للإنتاج لن يكون صعبا، حيث عملت الشركة من قبل مع إيران وقطر، وهو لا يرى أي شيء في الأفق قد لا تكون شركة توتال غير مستعدة لمواجهته.
ومع ذلك، فإن بوياني، لاعب كرة القدم الأسبق، يتخذ خطواته داخل إيران بكل حذر، ويسلط الضوء على المخاطر التي تمثلها الدولة.
ولقد عين بوياني مسؤولا بدوام كامل لمتابعة شؤون الامتثال الإيرانية، وهي خطوة غير معتادة إلى حد كبير في الصناعة النفطية التي يعمل مثل هؤلاء الموظفين على تغطية الكثير من المسائل لمختلف البلدان، وهي الخطوة التي تشير كذلك إلى مدى تعقيد وخطورة، ولكن مدى أهمية أيضا، العمل مع إيران في الوقت الراهن.
ويتعين على الشركات مثل توتال الفرنسية توخي المزيد من الحرص بأنها لا تبرم الصفقات التجارية مع الشركات الإيرانية ذات الصلة بالمنظمات الخاضعة للعقوبات الدولية؛ مثل الحرس الثوري الإيراني، وهو الذراع العسكرية الإيرانية القوية المسؤولة عن حماية النظام الحاكم في الداخل وتعزيز مصالح الدولة في الخارج. وهذا الأمر، برغم كل شيء، يسهل قوله عن فعله: حيث يملك الحرس الثوري الإيراني شركات «الواجهة الأمامية»، ويحافظ على الاستثمارات في الموانئ الإيرانية وغيرها من القطاعات الرئيسية المؤثرة في اقتصاد البلاد.
كما أن هناك مخاطر تتعلق بالموظفين. إذا يقول بوياني: «لا يحق لأي مواطن أميركي العمل في إيران، ولذلك لا بد من توخي الحذر في ذلك».
والنظام المصرفي الإيراني عصي على المناورة كذلك. والولايات المتحدة الأميركية تحظر استخدام الدولار في معاملات النظام المصرفي مع إيران. وفي حين أن الشركة العملاقة مثل شركة توتال يمكنها التعامل بسهولة أكبر مع هذه المسائل من خلال استغلال مصادر أخرى، إلا أن ذلك الشرط يزيد من تعقيد الأعمال التجارية.
ترتبط شركة توتال الفرنسية بشراكة تجارية مع شركة «سي إن بي سي» الصينية المملوكة للدولة، والتي قد تمنح للشركة الفرنسية حق الحصول على التمويل من المصارف الصينية. كما أن شركة توتال تحاول البحث عن المقرضين الأوروبيين الذين هم على استعداد للعمل وفق النظام المصرفي اليومي في إيران. وإثر قلقها من الدخول في متاعب مع السلطات الأميركية، فإن المصارف الكبرى لا تزال تفضل الإحجام عن الدخول في هذا المعترك حتى الآن.
يقول بوياني: «لقد حددنا بعض المصارف متوسطة الحجم التي هي على استعداد للعمل مع إيران». وذلك بهدف اختبار النظام المصرفي في طهران، حيث أجرت الشركة النفطية الفرنسية معاملات نقدية رمزية من خلال النظام المصرفي، في محاولة للوقوف على الصعوبات المتعلقة بدخول وخروج الأموال من إيران... وأردف بوياني يقول: «هناك بعض القيود، ولكننا نستطيع مواصلة الأمر».
كما أن المخاطر والتحديات هي أكثر وضوحا بالنسبة للشركات الصغيرة.
وتعني القيود المصرفية عدم إمكانية الحصول على القروض والائتمان، وعدم إمكانية استخدام بطاقات الائتمان والخصم الدولية كذلك. ويطلب من المسؤولين في الشركة الفرنسية، بدلا من ذلك، حمل كميات كبيرة من الأموال النقدية، وهو مقترح محفوف بالكثير من المخاطر.
كما أن الفروق الكبيرة بين أسعار الصرف الرسمية وغير الرسمية هي من المشاكل الكبيرة. فإن تحويل الأموال في مكتب الصرافة الرسمي يعني قبول معدل هو أسوأ بواقع 20 في المائة من المعدل المتاح في السوق السوداء.
وهناك مخاطر أخرى كامنة تحت السطح. فإن المحاسبين في إيران، على سبيل المثال، يمكن اختيارهم أو تخويفهم من عدم بذل العناية الواجبة، وخشية الانتقام من الشركات القوية المدعومة من النظام.
وبعيدا عن هذه العقبات الداخلية؛ هناك التلويح بالتهديدات من جانب ترمب وإدارته الجديدة حيال الاتفاق النووي المبرم، وحيال العلاقات مع إيران على وجه العموم.
وعلى وجه خاص، تراقب شركة توتال ما إذا كان الرئيس ترمب سوف يجدد الإعفاء الذي يسمح للشركات الدولية بالعمل في إيران. وعندما يتعلق الأمر بالاتفاق النووي، فإن الشركات حذرة من عودة العقوبات الصارمة في حالة إعلان عدم امتثال إيران.
يقول المحللون إن العقبات الكثيرة قد تعني أن الاستثمار في إيران سوف يتحرك بوتيرة أبطأ مما يتوقعه البعض، حتى عندما يتعلق الأمر بالشركات الأوروبية العملاقة، والتي تملك الحرية القانونية للقيام بالأعمال التجارية هناك ومقدرتها على تجاوز الكثير من التحديات القائمة.
وحتى الآن، فإن تلك العقبات يمكنها «ردع بعض الشركات الأوروبية الرئيسية من العودة إلى إيران»، كما تقول حليمة كروفت، محللة الطاقة لدى مؤسسة «أر بي سي» لأسواق رأس المال في واشنطن.
ومن الناحية الفعلية، فإنه على الشركات الاختيار بين الاستثمار في إيران؛ أو حق الوصول إلى أسواق رأس المال في الولايات المتحدة الأميركية.

• خدمة «نيويورك تايمز»



مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
TT

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، السبت، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين ورجال الأعمال، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، حسبما أفادت وكالة أنباء «برس ترست أوف إنديا».

كما شكر رئيس الوزراء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التزامه الشخصي بعلاقات قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وقال مودي في منشور له على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إنه لخبر رائع للهند والولايات المتحدة الأميركية... لقد اتفقنا على إطار لاتفاقية تجارية مؤقتة بين دولتين عظيمتين».

وأضاف، إن هذا الإطار يعكس النمو المتزايد في العمق والثقة والديناميكية للشراكة الهندية الأميركية.

وأوضح مودي: «إنه يعزز شعار، صنع في الهند، عبر فتح فرص جديدة أمام المزارعين المجتهدين في الهند، ورجال الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومبتكري الشركات الناشئة، والصيادين، وغيرهم. وسيولد توظيفاً على نطاق واسع للنساء والشباب».

وأكد مودي أن الهند والولايات المتحدة تشتركان في التزامهما بتعزيز الابتكار، وهذا الإطار سيعمق شراكات الاستثمار والتكنولوجيا بين البلدين.

وقال إن هذا الإطار سيعزز أيضاً سلاسل التوريد المرنة والموثوقة ويساهم في النمو العالمي.

وذكر ترمب أنه بموجب الاتفاقية، سيتم خفض الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند إلى 18 في المائة، من 25 في المائة بعد أن وافق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التوقف عن شراء النفط الروسي.


منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الكوبية مجموعة من الإجراءات لمواجهة أزمة الطاقة الحادة التي تعاني البلاد منها في ظل الضغوط الأميركية، من ضمنها اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام، والانتقال إلى العمل عن بُعد، وصولاً إلى إغلاق فنادق.

وقال نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراغا، متحدثاً للتلفزيون الرسمي، إن هذه الضغوط «تدفعنا إلى اتخاذ سلسلة من القرارات، هدفها الأول ضمان الاستمرار لبلادنا، وتأمين الخدمات الأساسيّة من دون التخلي عن التطوير».

وأوضح محاطاً بعدد من الوزراء، ولا سيما وزراء العمل، والتربية، والمواصلات، أن «الوقود سيخصص لحماية الخدمات الأساسية للمواطنين، والنشاطات الاقتصادية الضرورية».

ومن بين التدابير المعلنة خفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام في الإدارات الرسمية، وشركات الدولة، والعمل عن بُعد، وفرض قيود على بيع الوقود، والحدّ من خدمة الحافلات، والقطارات، فضلاً عن إغلاق بعض المرافق السياحية بصورة مؤقتة.

سيارات كلاسيكية تصطف في طابور للتزود بالوقود في ظل تحرك أميركا لقطع إمدادات النفط عن كوبا (رويترز)

وفي مجال التربية، سيتم تقليص مدة الحصص الدراسية اليومية، وسيجري التعليم في الجامعات وفق نظام شبه حضوري.

وقال موظف في مصرف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم كشف اسمه: «في مكان عملي، طلبوا من الجميع العودة إلى منازلهم لمدة شهر»، موضحاً أنه بموجب التدابير المعلنة الجمعة سيواصل تلقي أجره الكامل لمدة شهر على الأقل.

وقال بيريز أوليفا فراغا، إن هذه التدابير ستسمح بادخار الوقود لاستخدامه في «إنتاج الطعام وتوليد الكهرباء» وستتيح «الحفاظ على النشاطات الأساسية التي تدر عملات أجنبية».

لكنّه أكّد أنه سيتم الحفاظ على الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وأن البلاد ستواصل جهودها لزيادة إنتاج النفط الوطني الذي يمثل 30 في المائة من استهلاكها.

وأقامت كوبا 49 محطة كهروضوئيّة عبر البلاد خلال العام 2025، ما سمح برفع إنتاج الطاقة الشمسية من 3 في المائة قبل عامين إلى 10 في المائة حالياً.

«مرحلة عصيبة»

وكان الرئيس ميغيل دياز كانيل قال الخميس خلال مؤتمر صحافي نقله التلفزيون إن البلاد البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة تمر بـ«مرحلة عصيبة».

وأوضح أن الحكومة اعتمدت «مرجعية» هي التوجيهات التي أصدرها الزعيم السابق فيدل كاسترو خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف الأكبر لكوبا، في 1991.

ولا يزال العديد من الكوبيين يذكرون تلك «المرحلة الخاصة» التي شهدت انقطاع التيار لنحو 15 ساعة في اليوم، ونقصاً في المواد الغذائية، وتوقف مصانع عن العمل، وشوارع مقفرة، أو خالية إلا من الدراجات الهوائية.

يستخدم الناس في هافانا الدراجة الأجرة للتنقل في حياتهم اليومية الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ب)

وبدأ اقتصاد الجزيرة الخاضعة لحظر أميركي مستمر منذ العام 1962، ينتعش اعتباراً من 1997، مستفيداً من تنمية السياحة، والاستثمارات الأجنبية.

وفي العام 2000، وقعت البلاد اتفاق تعاون مع فنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز (1999-2013) نص على إمدادها بالنفط مقابل إرسال هافانا أطباء، وأساتذة، وغيرهم من المهنيين.

إلا أن هذه الإمدادات توقفت بالكامل بعدما قبضت قوات خاصة أميركية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية نفذتها في مطلع يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، فيما شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على الجزيرة الشيوعية التي تعاني أزمة اقتصادية حادة مستمرة منذ ست سنوات.

ووقع ترمب مرسوماً ينص على إمكانية فرض رسوم جمركية مشددة على الدول التي تبيع النفط لهافانا. كما أكد أن المكسيك التي تمدّ كوبا بالنفط منذ 2023 ستوقف إمداداتها.

وتبرر واشنطن سياستها هذه مؤكدة أن الجزيرة التي تبعد 150 كيلومتراً فقط عن سواحل ولاية فلوريدا تشكل «خطراً استثنائياً» على الأمن القومي الأميركي.

وتتهم الحكومة الكوبية واشنطن التي لا تخفي رغبتها في أن يتغير النظام في هافانا بالسعي لـ«خنق» اقتصادها.


الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.