الحمد الله: إسرائيل تبتزنا بالمياه مقابل الاعتراف بالمستوطنات

رئيس الوزراء الفلسطيني يصادق على توصيات لجنة التحقيق في أحداث «محاكمة باسل»

رامي الحمدالله في إحدى الفعاليات الفلسطينية (رويترز)
رامي الحمدالله في إحدى الفعاليات الفلسطينية (رويترز)
TT

الحمد الله: إسرائيل تبتزنا بالمياه مقابل الاعتراف بالمستوطنات

رامي الحمدالله في إحدى الفعاليات الفلسطينية (رويترز)
رامي الحمدالله في إحدى الفعاليات الفلسطينية (رويترز)

في مؤشر على الواقع المائي الصعب الذي يعانيه الفلسطينيون، اشتكى رئيس الوزراء رامي الحمدالله، من «الحصار المائي المتمثل في الاستغلال الفاضح لموارد المياه الفلسطينية»، رافضا «ابتزاز إسرائيل بهذا الشأن (تزويد المياه) مقابل الاعتراف بالمستوطنات».
وقال الحمدالله، في يوم المياه العالمي: «تنتهك إسرائيل أبسط مواثيق الحقوق الإنسانية المتمثلة بحرمان الشعب الفلسطيني من استغلال موارده، في حين تسمح للمستوطنين باستهلاك أضعاف مضاعفة من المياه، وفوق ذلك كله يتم استغلال الموارد المائية الفلسطينية، ويعاد بيعها لأصحابها بأسعار عالية، وهي بمثابة انتهاكات فاضحة ومخالفة لمبادئ القانون الدولي، بما في ذلك القانون الإنساني والشرعية الدولية».
عمليا، تسيطر إسرائيل على مياه حوض نهر الأردن والأحواض الجوفية في الضفة الغربية، والحوض الساحلي الممتد حتى غزة، وتكبل الفلسطينيين باتفاق أوسلو، الذي ينص على أن السلطة ملزمة بالحصول على تراخيص لمشروعاتها المائية، أو حتى مشروعات الصرف الصحي، من اللجنة المائية المشتركة، (الإسرائيلية الفلسطينية).
وبحسب تقارير فلسطينية ودولية، فإن استهلاك المياه اليومي في إسرائيل للفرد الواحد، يزيد على أربعة أمثال استهلاك الفرد في الأراضي الفلسطينية، أما في المستوطنات فإنه يزيد بعشرين ضعفا.
وتبيع إسرائيل المياه إلى الفلسطينيين، وفقا لأسعار تم الاتفاق عليها في أوسلو. وتقول منظمات حقوق إنسان إنه «لم تجر زيادتها بما يتفق مع النمو السكاني».
وتعيش الأراضي الفلسطينية أزمة خانقة صيفا وشتاء، ويضطر كثير من العائلات إلى شراء المياه بأسعار خيالية.
وأقر الحمدالله بوجود أزمة مستعصية، قائلا: إن قطاع المياه «يواجه مطامع إسرائيل وتعنتها، ومحاولاتها المستمرة وبشكل ممنهج، استخدام المياه أداة للتضييق على شعبنا ومنع إقامة دولتنا، وتقويض أسس التنمية الاقتصادية والاجتماعية بجميع مكوناتها، وحرمان الفلسطينيين من بناء دولة قابلة للحياة، بالتزامن مع تزايد الشح المطري واستنزاف الموارد، وذلك كله في ظل الطلب غير المسبوق، على مواردنا المائية المحدودة التي تتناقص يوما بعد يوم، بسبب التزايد السكاني والزيادة المضطردة لمتطلبات التنمية».
وطالب الحمدالله من جديد، بتفعيل آلية عمل لجنة المياه المشتركة، (الفلسطينية - الإسرائيلية) «من أجل إمكانية تنفيذ الكثير من مشروعات البنية التحتية المتعلقة بشبكة المياه والصرف الصحي في المناطق الفلسطينية كافة، بما فيها التجمعات الفلسطينية في مناطق (ج)».
وفي حين تحاول السلطة الفلسطينية تنفيذ مشروعات بنية تحتية من شأنها تخفيف أزمة المياه في الضفة الغربية، يبدو الواقع في قطاع غزة مترديا للغاية وخطيرا، مع تأكيدات رئيس سلطة المياه، مازن غنيم، أن 97 في المائة من مياه غزة غير صالحة للاستهلاك الآدمي. وقال ياسر الشنطي، وهو مسؤول محلي لسلطة المياه في القطاع: إن سرقة المياه من قبل إسرائيل واستنزاف الخزان الجوفي، أدى إلى زيادة نسبة الأملاح، وإلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات «الكلورايد والنترات» في المياه المستخدمة في القطاع. وأضاف الشنطي: «إن نسبة الكلور في مياه الآبار بغزة تصل إلى 4 آلاف ملغم- لتر، في حين أنها يجب أن تكون 250». في وقت سابق، قالت منظمة العفو الدولية: إن «نحو مليون ونصف المليون فلسطيني في غزة، يشربون مياهاً في معظمها غير صالحة للاستهلاك البشري، بسبب أن الطبقة الصخرية المائية في ساحل غزة، وهي مصدر المياه العذبة الوحيد، أصبحت ملوثة نتيجة تسرب مياه البحر ومخلفات الصرف الصحي إليها، وأصبحت متدنية المستوى بسبب الإفراط في استخراجها».
وأكد الحمدالله، أن «أزمة المياه في قطاع غزة، وصلت منحنى خطيرا جدا». وأضاف: «هذا جعلنا نسعى بالسبل المتاحة كافة، لوضعها على أجندة صناع القرار والسياسيين والمانحين الدوليين. فنحو 97 في المائة من المياه الجوفية، غير صالح للاستخدام الآدمي وفق معايير منظمة الصحة العالمية؛ الأمر الذي يعرّض حياة أهلنا في القطاع إلى مخاطر صحية وبيئية». وتابع: «ندعو المجتمع الدولي والدول الصديقة والدول المانحة كافة، إلى مساندتنا في إنجاح مؤتمر المانحين الذي سيعقد في مايو (أيار) المقبل، لإنشاء محطة تحلية المياه في القطاع، بتكلفة تقارب 600 مليون دولار، ونطالب حركة حماس بالإفراج عن قطعة الأرض التي سيقام عليها المشروع (...) ورغم الصورة القاتمة، والتحديات الصعبة إلا أن طموحنا وإرادتنا أكبر، كما أن ثقتنا بشركائنا، والمجتمع الدولي المؤمن بعدالة قضيتنا تعزز من إصرارنا وعزيمتنا لبناء مستقبل أجيالنا، مستقبل يعيش فيه أطفال فلسطين حياة طبيعية كباقي أطفال العالم».
وتضع السلطة الفلسطينية قضية المياه ضمن 6 ملفات تعتبرها رئيسية يجب مناقشتها ضمن الحل النهائي مع إسرائيل.
من جانب آخر, صادق رئيس الوزراء الفلسطيني، على توصيات لجنة التحقيق في الأحداث التي جرت في رام الله وبيت لحم قبل نحو أسبوعين، وتخللتها أعمال عنف وضرب واعتداء على متظاهرين فلسطينيين، احتجوا على محاكمة باسل الأعرج الذي قتلته إسرائيل قبل المحكمة، ما خلف انقسامات حادة بدأت بحرب كلامية بين معسكرين وانتهت باشتباكات حادة. وقال رامي الحمد الله، إن التوصيات ستنفذ، لأن لا أحد فوق القانون. وأوضح الناطق باسم الحكومة، طارق رشماوي، إن الحمد الله وقّع على التوصيات كافة، وحولها إلى جهات الاختصاص لتنفيذها على الفور. وأضاف: «رئيس الوزراء وجه رسائل للجهات التي قدمت إليها توصيات في التقرير، إلى جانب وزارة الداخلية، من أجل متابعتها دون التدخل في عملها». وانتقدت لجنة التحقيق، بشكل غير مسبوق، قرارات الأجهزة الأمنية وتصرفاتها في فض المظاهرة في رام الله. وقالت إن قادة الشرطة ارتكبوا مخالفات من الدرجة الأولى، في الأحداث التي وقعت أمام مجمع المحاكم في البيرة، في 12 من الشهر الحالي. كما انتقدت تصرف القضاء الفلسطيني فيما يخص جلسة المحكمة التي لم تراع حساسية الموقف. وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن)، أمر في الـ13 من الشهر الحالي، بتشكيل لجنة تحقيق في اتهامات لعناصر الأمن بالاعتداء بقسوة ضد المتظاهرين السلميين، وصحافيين، ووالد «الشهيد» باسل الأعرج، الذين كانوا يحتجون أمام محكمة الصلح في رام الله، على جلسة كانت مخصصة لمحاكمة باسل، بتهمة حيازته سلاحا قبل أن تقتله قوات الاحتلال. واضطر عباس إلى التدخل بعد تسارع الأحداث، منذ قرر متظاهرون الاحتجاج على محكمة كانت مقررة سلفا لباسل الأعرج الذي اغتالته إسرائيل في رام الله، وكان معتقلا لدى الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وخضع لتحقيقات حول حيازته أسلحة ونيته تنفيذ عملية. وتحول الاحتجاح إلى ساحة اشتباكات بين قوات الأمن والمتظاهرين، ثم تمددت الاشتباكات إلى بيت لحم مسقط رأس الأعرج.

واتهم مشاركون بالمسيرة القوات الأمنية باستخدام الغاز والهراوات ضدهم، وردت الشرطة بأنها تعاملت وفق القانون بعد إغلاق الشارع. بعد ذلك، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة معركة كلامية ضد «أجهزة التنسيق الأمني» من جهة، وضد «المرتزقة المدعومين من جهات خارجية» من جهة ثانية. وجاء تقرير اللجنة غير متوقع. وقالت اللجنة، إن الوقفة أمام مجمع المحاكم في البيرة كانت وقفة لقادة الأجهزة الأمنية ومرضيا للمتظاهرين سلمية، وإن إجراءات استخدام القوة هي مخالفة صريحة لقرار وزير الداخلية رقم «211»، المتعلق بمدونة قواعد استخدام القوة والأسلحة النارية.
ورأت أنه «لم تكن هناك ضرورة لاستخدام القوة بهذا الشكل، ولم يكن هناك تدرج أو إعطاء تحذيرات واضحة مسبقة لجميع المشاركين، ولم تكن القوة متناسبة مع طبيعة الحدث أو المشاركين، ولم يتم التمييز بين مشارك أو غير مشارك». وأضافت: «لم تتم مراعاة الظرف السياسي وطبيعة موضوع الوقفة وطبيعة وتنوع المشاركين ووجود أقارب (الشهيد) بمن فيهم والده ضمن المتجمهرين».
ورفضت اللجنة «الاعتداء على الصحافيين، سواء كانوا مصورين أو مراسلين». وقالت إنه «لم يكن له أي مبرر أو حاجة، ولا يمكن قبوله تحت أي ظرف. وقد شارك مدير شرطة المحافظة شخصيا، في سحب الكاميرات من أحد الصحافيين». كما رفضت تدخل رجال الأمن بلباس مدني في الأحداث. وانتقت اللجنة أداء الناطق الرسمي لأجهزة الأمن، قائلة: «إنه زاد من حالة الاحتقان والتوتر، وأضعف مصداقية الرواية الرسمية من خلال المبالغة في إنكار التجاوزات الموثقة». وفي المقابل، رفضت اللجنة استخدام المتظاهرين في بيت لحم في اليوم نفسه، العنف وإلقاء الحجارة والزجاجات الفارغة، ولاحقا الزجاجات الحارقة والأكواع المتفجرة، على مقر الشرطة. لكنها أشادت بالمستوى العالي من ضبط النفس والمهنية للأجهزة الأمنية في بيت لحم.
وانتقدت اللجنة القضاء الفلسطيني، وقالت إنها «ترى أن محكمة الصلح لم تراع طبيعة ملف القضية وحساسيته، وتوقيت الجلسة التي جرت بعد نحو أسبوع من (استشهاد) باسل الأعرج، وتمسّكت بإجراءات شكلية».
وأوصت اللجنة بمراجعة اللائحة التنفيذية لقانون الاجتماعات العامة، ومتابعة إصدار قانون للشرطة، يتواءم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، مع التأكيد على طبيعة جهاز الشرطة كجهاز مدني نظامي، وإصدار تعميم فوري وواضح باحترام الصحافيين في الميدان.
وجاء في التوصيات: «ترى اللجنة أن مدير شرطة محافظة رام الله والبيرة، وقائد وحدة الشرطة الخاصة في الميدان، قد ارتكبا مخالفة انضباطية من الدرجة الأولى. وعليه، توصي اللجنة باتخاذ الإجراء القانوني الملائم بحقهما».
وطالبت اللجنة باتخاذ إجراءات انضباطية حسب الأصول بحق عدد من الضباط والأفراد. وأوصت بـ«تكليف رئيس دائرة التفتيش القضائي بالتحقيق في إجراءات وظروف جلسة محاكمة (الشهيد) باسل الأعرج وزملائه المعتقلين لدى سلطات الاحتلال». كما أوصت بالتحقيق في أحداث بيت لحم، خصوصا ما يتعلق بقيام بعض المتظاهرين بإلقاء أكواع متفجرة وزجاجات حارقة على مركز شرطة المحافظة، وإحالة من يثبت تورطه إلى القضاء حسب الأصول.
ولقيت التوصيات ترحيبا واسعا ومطالبات بترجمة التقرير فورا، مقابل غضب عناصر في الأجهزة الأمنية، رأت في التقرير بعض التحامل على الأجهزة، وإسقاط طبيعة الهجوم اللفظي الذي مارسه متظاهرون.
وطالبت شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، بترجمة ما جاء في استنتاجات لجنة التحقيق وتوصياتها، إلى إجراءات ملموسة وخطوات فعلية على أرض الواقع.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.