الشاعر محمد الدميني: الحداثيون قاوموا إرادة المحو.. والمشهد الأدبي يعود لمساره التنويري

يرى أن إحدى فضائل الربيع العربي الكشف عن مدى تجذر القبلية والعصبية والطائفية

محمد الدميني
محمد الدميني
TT

الشاعر محمد الدميني: الحداثيون قاوموا إرادة المحو.. والمشهد الأدبي يعود لمساره التنويري

محمد الدميني
محمد الدميني

ظل الشاعر السعودي محمد الدميني منحازا لقضايا الإنسان، ومعبرا عن همومه، وكانت قصائده تنقّب عن انكسارات الإنسان وخيباته بأكبر قدر من الكثافة الانفعالية واللغوية. وبدأ الدميني حياته الشعرية «تفعيليا»، لكنه سرعان ما وجد ضالته في قصيدة النثر. وأصدر مجموعته الأولى «أنقاض الغبطة» (1989)، والثانية «سنابل في منحدر» (1995)، والأخيرة «أيام لم يدخرها أحد» (2014). وكان الانتقال من كتابة قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر «عسيرا بالنسبة لشاعر مبتلى بفضاءات الشعر القديم وهيمنته على القلب والذاكرة والمخيلة»، كما يقول.
ودرس الدميني، وهو الحداثي شعرا ومنهجا، في جامعة الإمام، لكنه لم يكن الوحيد، كما يقول، الذي درس في هذه الجامعة وتخرج فيها وهو «أكثر تشبثا بسارية التجديد والانحياز إلى أشكال الأدب الجديد». التقينا الشاعر السعودي محمد الدميني في الظهران، حيث يعمل في شركة «أرامكو السعودية»، ويسكن هناك، وأجرينا معه الحوار التالي:

* مرّ نحو ربع قرن منذ أصدرت ديوانك الأول «أنقاض الغبطة» (1989) حتى مجموعتك الأخيرة «أيام لم يدخرها أحد» (2014)، وبينهما صدرت مجموعتك «سنابل في منحدر» (1995).. هل هناك ثمة خيط يجمع هذه التجربة الشعرية؟
- يستطيع القارئ قراءة كل مجموعة مستقلة ومتصلة مع الأخرى. فاللحظة الشعرية التي رافقت كل إصدار مختلفة في زمنها وفي نواتجها الجمالية وفي صداها لدى القارئ. لكنني أحسب أن الخيط الذي يجمع أطراف هذه التجربة هو انخراطها في التنقيب عن انكسارات الإنسان وخيباته بأكبر قدر من الكثافة الانفعالية واللغوية، وإضاءة العنف الموجه إلى وجوده وعصبه وطاقته.
* هل للزمن تأثير على نتاجك الشعري.. بمعنى هل يمنحك مزيدا من الوقت للتأمل؟
- أعتبر نفسي كاتبا خاسرا على هذا الصعيد. لم أفهم طبيعة الزمن ولا تأثيراته على الكتابة ونموها وتوسعها. ورغم هذا فإن للزمن أثره على ما كتبت لا شعرا فقط بل ونثرا أيضا. التأمل هو أحد أسلحة الشاعر لصقل تجربته ونقدها، لكنه أيضا السبيل إلى قراءة مظاهر الحياة اليومية وتمثّلها والخروج على الأنساق الثقافية الكامنة بحثا عن أرض جمالية جديدة.
* كشاعر كانت تسكن قصائده تفاصيل القرية وسهولها.. هل تغيرت نظرتك وأنت تفتقد القرية الآن؟
- لا أستطيع الفرار من فضاء القرية وسلطتها الأولى. هناك تكوّنت طفولتي ولغتي ومشاهداتي الأولى وأحاسيسي المبكرة تجاه كل مفردات الحياة، تجاه المشاعر والأحلام. لقد بني الشغف بكل شيء هناك، ولعل في قصائدي طيفا من الرموز والصور والأمكنة التي عشت فيها، لكن الحديث هنا ليس نوستالجيا ولا رومانسيا، إذ توجب علي أن أدمج كل ذلك الماضي في عالم المدينة المتشابك والمضطرب. ورغم أن فضاء المدينة عندنا لا يزال مطوقا بقيم ومفاهيم قروية مكبرة فإننا نسير باتجاه صياغة المدن كما هو حال مدن العالم، فعالم القرية يتآكل تحت زحف العولمة بكل شرورها وحسناتها!
* هل فكرت يوما في أن تكتب «رواية»؟
- الرواية هي حلم كل كاتب، وما زلت أعتبر الرواية العظيمة، والعمل السينمائي الفريد، المثالين الحقيقيين القريبين من روح إنسان هذا العصر، وأذكر أنني فكرت مع عبد العزيز مشري يوما ما أن نغامر برواية مشتركة على طريقة منيف وجبرا في روايتهما «البحث عن وليد مسعود»، لكن الفكرة تبخّرت سريعا كتبخّر النجاح الطفيف التي حققته تلك الرواية. بحكم قراءاتي المنتظمة للروائيين الكبار فقد كتبت اجتهادات سردية لكنني لم أقتنع بنشرها يوما.
* هل يحتاج الشاعر إلى «حافز» يشده، أو «وجع» يثيره.. هل تحتاج القصيدة إلى نار المعاناة فعلا؟
- أعتقد أن الناس شركاء في نار المعاناة، فأين هو الشخص السعيد اليوم؟ والأسوأ أن يصاب الجيل الجديد مبكرا بالتعاسة والنقمة، أي أن التطور العلمي والتقني والتواصلي لم يوسع أبواب السعادة كما كنا نحلم. القصيدة وكل قطعة أدبية أو فنية ستبقى وليدة الآلام والمشقات، لكنها لا تستهدف تدوير العذاب على الناس بل صناعة لحظة فرح أو توقد إنساني أداته اللغة والمعنى والمخيلة، وهنا تبدأ مهمة الشاعر.
التجربة الشعرية
* بدأت شاعرا تفعيليا، لكن سرعان ما أرسيت مراكبك في شاطئ قصيدة النثر.. ماذا وجدت في قصيدة النثر؟
- مناهجنا الدراسية في الثانوية والجامعة كانت تتمترس حول الدين واللغة والتراث الأدبي. لربما سهّل هذا طريقي إلى قصيدة التفعيلة، التي كتبتها كثيرا ثم استخلصت منها مجموعتي «أنقاض الغبطة». الانتقال من كتابة قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر لم يكن يسيرا. كان عسيرا بالنسبة لشاعر مبتلى بفضاءات الشعر القديم وهيمنته على القلب والذاكرة والمخيلة. إنها عملية تشبه إعادة البرمجة بالمفهوم الحاسوبي المعاصر.
* ماذا تعني لك قصيدة النثر؟
- قصيدة النثر كانت أحد المراكب التي جرّبت عبرها الخوض في بحر ما، ولم أكن أعرف ماذا سأصادف. كنت أجرّب خلاصا ما من اشتراطات الوزن والقافية، ومن هيمنة اللغة المعجمية، وأحاول اكتشاف أرض لم تدسها الخيول كثيرا، ووجدت هذا الطريق.
* في أي سياق تضع هذه التجربة؟
- أضع هذه التجربة في سياق إحياء قصيدتنا المحلية وإحالتها إلى الفضاء الحداثي العربي. لا أملك الحس العصابي تجاه أي شكل شعري. أزمتي الدائمة هي مع الشكل الذي لا ينتج شعرا، ولا يمنحنا صفة أخرى لنوقف مراكبنا في هوائها.
الحداثة والتجديد
* كيف رأيت ما واجهته الحداثة خلال الثمانينات من هجوم كاسح؟
- الهجوم الكاسح على الحداثة ومضامينها تبين أنه هجوم ذكي، بحيث إنه استثار الحساسية الدينية ضدها، لكنه ضالّ من حيث إنهم لم يدركوا أن الحاجة إلى التجديد والنهوض والحداثة لا في الأدب وحده هي حاجة فطرية، والآن يتعرف الناس على جناية التطرف الديني، لا على الأدب والفن اللذين خيّم فيهما لعقود طويلة، بل على مقوّمات المجتمع تعليما وفكرا ومعرفة. قاوم الحداثيون إرادة المحو تلك، ودفعوا ثمنا باهظا لتهم التكفير، لكن المشهد الأدبي يعود مرة أخرى إلى مساره التنويري.
* أليس غريبا أن تكون شاعرا حداثيا وأنت أحد طلاب جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض (حصل منها على بكالوريوس المكتبات 1980)؟
- لست وحدي من تخرج في جامعة الإمام وهو أكثر تشبثا بسارية التجديد والانحياز إلى أشكال الأدب الجديد، وإلى أطروحات النهوض الاجتماعي، وإعلاء الحريات. لي صديق يمازحني بهذه التهمة بين وقت وآخر لكنني أسرد له أسماء في القصة والشعر والنقد والصحافة تخرجت في تلك الجامعة ثم أصبحت نجوما لامعة في صحافتنا الثقافية في الشرقية والرياض وجدة. فضاء الجامعة ذو الصبغة الدينية الغالبة كان حاضنا لطلاب ذوي ميول شتى، بينهم المتشدد الأعمى الذي لا ينتمي إلى المملكة فقط بل إلى جنسيات آسيوية وأوروبية وأفريقية تلقت منحًا للدراسة، وبينهم قوميون وتنويريون، لكن هذه الجامعة ألقتنا دون أن تدري إلى الشاطئ الآخر!
* هل يمكن أن تنمو قصيدة النثر في مجتمع قبلي محافظ؟
- المجتمع القبلي ليس حكرا علينا، إحدى فضائل الربيع العربي هي الكشف عن مدى تجذر القبلية والعصبية والطائفية في بنية مجتمعاتنا. قصيدة النثر توجد في هذه المجتمعات، لكنه وجود نسبي يرتبط بمدى حرص الأجهزة الثقافية والتعليمية في تلك الدول على نشر مفاهيم التجديد والنهضة والحداثة. كتبتُ في مجلة «دارين» أن مواصلة عزل النصوص الأدبية الحديثة عن المناهج التعليمية التي تدرسها الناشئة ستؤدي إلى غربة قاسية بين الجيل الجديد وتذوقه الأدبي والجمالي. لو كان بعض أدب حمزة شحاتة ومحمد حسن عواد وغازي القصيبي ومحمد العلي يدرّس في فصولنا ألا يمكن أن نكون في صحة أدبية أفضل؟
* الناقد الدكتور سعد البازعي اعتبر أن عقد التسعينات الذي بزغت فيه تجربتك الشعرية كان «على المستوى الشعري عقد قصيدة النثر بامتياز».. كيف كان حضور هذه القصيدة في المشهد الشعري آنذاك؟
- هذه القصيدة بدأت بالحضور مبكرا في مشهدنا الشعري وتجسدت في تجربة فوزية أبو خالد الرائدة، وفي تجارب لاحقة كان أبرزها محمد عبيد الحربي. لكن فترة التسعينات كانت الأكثر احتضانا لتلك القصيدة، والسبب هو أن خارطة هذه القصيدة عربيا كبرت، فيما تحالفت مجموعة شعراء ضمنا وبلا تخطيط لمنح قصيدة النثر حقها في المشهد المحلي، وقد ترافق هذا مع فتور في قصيدة التفعيلة التي قدم أبرز رموزها تجاربهم الفارقة في الثمانينيات، ثم تنمطت تجاربهم أو عادت إلى الشكل التقليدي لاستمالة القارئ. لكن هذه المرحلة الشعرية لم تكن لتتقدم لولا إيمان عدد من النقاد بها، فكتبوا عنها بإخلاص وتحفيز، وأعتقد بصدق أن الأساتذة البازعي والسريحي ومعجب الزهراني قد منحوها ذلك الأفق.
* يقول الناقد محمد الحرز إن انحيازك لقصيدة النثر لم يشغلك بالشكل أو الصياغة «قدر الاشتغال بمراقبة القصيدة وهي تقول ما يقبض عليه الزمن تحت مخالبه».. بصراحة ماذا يبقى من الشعر إذا أهمل الشاعر الشكل والصياغة؟
- ليست لدي أي خصومة مع العصور الأدبية أو الأشكال الشعرية، فأنا أقرأها بكل غبطة منذ امرئ القيس وحتى عباس بيضون. هكذا تبقى القصيدة في مكانها كفنار يضيء خطوط الملاحة، رغم تبدل الأشكال، وانزياح اللغة، ولعل هذا ما قصده الصديق محمد الحرز. منذ «جلجامش» و«ألواح الموتى عند الفراعنة»، مرورا بالملاحم، والشعر يتعدد ويرحل عبر الزمن. هل يهمّ ما إذا كان أبو تمام أمينا لقصيدته العروضية، أو أن السياب غامر بقصيدته التفعيلية، أو أن أنسي الحاج تطرّف في قصيدته النثرية لكي نتعرف على ما صنعوه من ذائقة جمالية جديدة؟
مرثية الروح
* في مرحلة ما اتسمت قصائدك بنفس تشاؤمي فاقع، نلحظ ذلك في قصيدتك «ملاك الحسرة»، وقصيدتك «كتابة نهارية عن ليل نيويورك»، والعديد من القصائد الأخرى.. إلامَ تعزو ذلك؟
- كتبت «ملاك الحسرة» تحت دخان حرق الآبار النفطية في الكويت 1991، وكانت مرثية للروح والجسد والأحلام المغدورة في تلك اللحظة. كانت تلك الواقعة الضخمة مفصلا قاصما في رؤيتي الفكرية والسياسية وحتى الإبداعية، على غرار ما خلّفته نكسة 67 على الجيل الذي سبقني. أما قصيدة «كتابة نهارية عن ليل نيويورك» فكانت محاولة لقراءة هذه المدينة من الداخل، ومحاولة لاستنطاق تاريخها ورمزيتها، لكن زمن المناخ الغاضب على الرمزية الأميركية في تلك الحقبة، ولذا تناثرت عبارات الغضب المطعّم بنفحات آيديولوجية، لكنها المدينة الأكثر ترحيبا بكل أنواع القراءات. التشاؤم ليس موقفا يمكن تمثيله أو استعارته، هو حالة تكمن في النسيج النفسي لأي كاتب يحاول قراءة مجتمعه بأعلى قدر من الشفافية.
* انتقدت في مقال لك ما سميته «جنسنة الأدب والفكر وتقسيمه إلى إناث وذكور»، كأنك تدعو لحياة ثقافية مشتركة بين المبدعين.. في مجتمع قائم على الفصل الجسدي بين الجنسين..
- كتبتُ هذا في مقال غاضب «الأدب والحيطان» عن ولع بعض دوائرنا الثقافية والأكاديمية بتقسيم الأدب وفقا لجنس من يكتبه، وما يثير الحيرة هو دفاع بعض الأديبات والكاتبات عن الصالونات الأدبية النسائية التي سميتها «حلقات الذكر النسائية»، ومناداتهن بضرورة العزل في قاعات الأدب والفنون، وفي فصول الدرس الأكاديمي. ليس هذا سوى انفصام جامعي حين يسجن المحاضر في غرفة ليلقي محاضرته عبر كاميرا داخلية إلى صفوف من الدارسات، ويتلقى عبرها الأسئلة والملاحظات. إذا لم يكن الحرم الأكاديمي السامي حارسا للأستاذ وطالباته، والعكس، فإلى أين يتجه مجتمعنا؟ وفقا لهذا المسلك، فإن الأمهات والسيدات يسهمن عن علم أو جهل في صنع جيل يحارب الفنون والآداب.
* انتقدت اشتغال وزارة الثقافة بالنشر وتساءلت «لماذا نحاول أن نعرض على شعوب الدول الأخرى بضاعة لا ترقى أن تكون تمثيلا ثريا لمعطانا الأدبي والفكري؟».. لكن هناك من ينتقد الوزارة لتقصيرها في دعم المنتج الفكري والأدبي السعودي وتعريفه للعالم..
- أحسد أحيانا وزارة الثقافة على اتساع هامشها للنقد، لكنني أعرف أن هناك إنجازات أدبية وفنية محلية لم تكرس لها الوزارة بعض الوقت والضوء، وهي لم تقدمها كما يليق إلى الخارج. وكان هناك مسؤول في الوزارة يعتقد أن خصوصية ثقافتنا الوطنية لا تجسدها سوى فرق العرضات الشعبية وإيقاعات الطبول وبعض الأزياء التي يجوب بها عواصم العالم، هل حاسبه أحد على تلك السياسة؟ برامج الوزارة للأسف تعيش في عزلة عن جيل جديد ومتغير يحقق وجوده عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال العالم الرقمي الذي بلا حدود. كل من زار معرض الرياض للكتاب فوجئ باستخفاف الوزارة بإصدارات الأندية الأدبية التي كدستها في جناح صغير تعمه الفوضى وتصيب الزائر بالنفور.
* خلال عضويتك في نادي الشرقية الأدبي، كيف تقيم تجربة الانتخابات في الأندية الأدبية.. ما الذي كان ينقص هذه التجربة لكي تنجح؟
- الانتخابات تجربة فاشلة، وقد أسست لهذا التخبط الذي تعيشه الأندية الأدبية كلها منذ سنوات. معايير الانضمام لهذه الأندية كانت فضفاضة وغير مقننة منذ البداية، ولا تقبل بها أي مؤسسة منظمة ومنضبطة. فغياب المعايير سمح بدخول من لا صفة أدبية له إلى رحاب الأندية، وهكذا قادت التكتلات ذات المنزع الديني المؤدلج إلى احتلال عضوية الأندية وشل أنشطتها أو تحويلها إلى قاعات لدروس الوعظ الديني أو الاستعادات التراثية. أما الأسوأ فهو إحالة جملة من مشكلات الأندية وشخوصها إلى ساحات القضاء.

* سيرة ذاتية

* مواليد قرية محضرة، منطقة الباحة.
* يحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات من جامعة الإمام محمد بن سعود، وقضى سنة في دراسة اللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة.
* يعمل في «أرامكو السعودية». وأسهم مسؤولا ومحررا في مطبوعات الشركة الأسبوعية والشهرية والفصلية، وتولى تحرير مجلة «القافلة».
* عمل في تحرير ملحقي «المربد» ثم «اليوم الثقافي» اللذين كانت تصدرهما جريدة «اليوم».
* نشر مجموعة من نصوصه الأدبية ومقالاته في عدد من الصحف والمجلات المحلية والعربية. وشارك في عدد من الأمسيات الأدبية في المملكة ومهرجانات شعرية في ألمانيا وفرنسا.
* يعمل نائبا لرئيس نادي المنطقة الشرقية الأدبي، وهو رئيس تحرير مجلة «دارين» التي يصدرها النادي.
* صدرت له ثلاث مجموعات شعرية هي:
- «أنقاض الغبطة» دار «الشروق»، عمان – الأردن 1989.
- «سنابل في منحدر»، دار «السراة»، لندن – بريطانيا 1994.
- «أيام لم يدخرها أحد»، عن دار «أثر» للنشر والتوزيع - السعودية (2014).
* ترجم عددا من قصائده إلى الإنجليزية والألمانية والفرنسية.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».