الشاعر محمد الدميني: الحداثيون قاوموا إرادة المحو.. والمشهد الأدبي يعود لمساره التنويري

يرى أن إحدى فضائل الربيع العربي الكشف عن مدى تجذر القبلية والعصبية والطائفية

محمد الدميني
محمد الدميني
TT

الشاعر محمد الدميني: الحداثيون قاوموا إرادة المحو.. والمشهد الأدبي يعود لمساره التنويري

محمد الدميني
محمد الدميني

ظل الشاعر السعودي محمد الدميني منحازا لقضايا الإنسان، ومعبرا عن همومه، وكانت قصائده تنقّب عن انكسارات الإنسان وخيباته بأكبر قدر من الكثافة الانفعالية واللغوية. وبدأ الدميني حياته الشعرية «تفعيليا»، لكنه سرعان ما وجد ضالته في قصيدة النثر. وأصدر مجموعته الأولى «أنقاض الغبطة» (1989)، والثانية «سنابل في منحدر» (1995)، والأخيرة «أيام لم يدخرها أحد» (2014). وكان الانتقال من كتابة قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر «عسيرا بالنسبة لشاعر مبتلى بفضاءات الشعر القديم وهيمنته على القلب والذاكرة والمخيلة»، كما يقول.
ودرس الدميني، وهو الحداثي شعرا ومنهجا، في جامعة الإمام، لكنه لم يكن الوحيد، كما يقول، الذي درس في هذه الجامعة وتخرج فيها وهو «أكثر تشبثا بسارية التجديد والانحياز إلى أشكال الأدب الجديد». التقينا الشاعر السعودي محمد الدميني في الظهران، حيث يعمل في شركة «أرامكو السعودية»، ويسكن هناك، وأجرينا معه الحوار التالي:

* مرّ نحو ربع قرن منذ أصدرت ديوانك الأول «أنقاض الغبطة» (1989) حتى مجموعتك الأخيرة «أيام لم يدخرها أحد» (2014)، وبينهما صدرت مجموعتك «سنابل في منحدر» (1995).. هل هناك ثمة خيط يجمع هذه التجربة الشعرية؟
- يستطيع القارئ قراءة كل مجموعة مستقلة ومتصلة مع الأخرى. فاللحظة الشعرية التي رافقت كل إصدار مختلفة في زمنها وفي نواتجها الجمالية وفي صداها لدى القارئ. لكنني أحسب أن الخيط الذي يجمع أطراف هذه التجربة هو انخراطها في التنقيب عن انكسارات الإنسان وخيباته بأكبر قدر من الكثافة الانفعالية واللغوية، وإضاءة العنف الموجه إلى وجوده وعصبه وطاقته.
* هل للزمن تأثير على نتاجك الشعري.. بمعنى هل يمنحك مزيدا من الوقت للتأمل؟
- أعتبر نفسي كاتبا خاسرا على هذا الصعيد. لم أفهم طبيعة الزمن ولا تأثيراته على الكتابة ونموها وتوسعها. ورغم هذا فإن للزمن أثره على ما كتبت لا شعرا فقط بل ونثرا أيضا. التأمل هو أحد أسلحة الشاعر لصقل تجربته ونقدها، لكنه أيضا السبيل إلى قراءة مظاهر الحياة اليومية وتمثّلها والخروج على الأنساق الثقافية الكامنة بحثا عن أرض جمالية جديدة.
* كشاعر كانت تسكن قصائده تفاصيل القرية وسهولها.. هل تغيرت نظرتك وأنت تفتقد القرية الآن؟
- لا أستطيع الفرار من فضاء القرية وسلطتها الأولى. هناك تكوّنت طفولتي ولغتي ومشاهداتي الأولى وأحاسيسي المبكرة تجاه كل مفردات الحياة، تجاه المشاعر والأحلام. لقد بني الشغف بكل شيء هناك، ولعل في قصائدي طيفا من الرموز والصور والأمكنة التي عشت فيها، لكن الحديث هنا ليس نوستالجيا ولا رومانسيا، إذ توجب علي أن أدمج كل ذلك الماضي في عالم المدينة المتشابك والمضطرب. ورغم أن فضاء المدينة عندنا لا يزال مطوقا بقيم ومفاهيم قروية مكبرة فإننا نسير باتجاه صياغة المدن كما هو حال مدن العالم، فعالم القرية يتآكل تحت زحف العولمة بكل شرورها وحسناتها!
* هل فكرت يوما في أن تكتب «رواية»؟
- الرواية هي حلم كل كاتب، وما زلت أعتبر الرواية العظيمة، والعمل السينمائي الفريد، المثالين الحقيقيين القريبين من روح إنسان هذا العصر، وأذكر أنني فكرت مع عبد العزيز مشري يوما ما أن نغامر برواية مشتركة على طريقة منيف وجبرا في روايتهما «البحث عن وليد مسعود»، لكن الفكرة تبخّرت سريعا كتبخّر النجاح الطفيف التي حققته تلك الرواية. بحكم قراءاتي المنتظمة للروائيين الكبار فقد كتبت اجتهادات سردية لكنني لم أقتنع بنشرها يوما.
* هل يحتاج الشاعر إلى «حافز» يشده، أو «وجع» يثيره.. هل تحتاج القصيدة إلى نار المعاناة فعلا؟
- أعتقد أن الناس شركاء في نار المعاناة، فأين هو الشخص السعيد اليوم؟ والأسوأ أن يصاب الجيل الجديد مبكرا بالتعاسة والنقمة، أي أن التطور العلمي والتقني والتواصلي لم يوسع أبواب السعادة كما كنا نحلم. القصيدة وكل قطعة أدبية أو فنية ستبقى وليدة الآلام والمشقات، لكنها لا تستهدف تدوير العذاب على الناس بل صناعة لحظة فرح أو توقد إنساني أداته اللغة والمعنى والمخيلة، وهنا تبدأ مهمة الشاعر.
التجربة الشعرية
* بدأت شاعرا تفعيليا، لكن سرعان ما أرسيت مراكبك في شاطئ قصيدة النثر.. ماذا وجدت في قصيدة النثر؟
- مناهجنا الدراسية في الثانوية والجامعة كانت تتمترس حول الدين واللغة والتراث الأدبي. لربما سهّل هذا طريقي إلى قصيدة التفعيلة، التي كتبتها كثيرا ثم استخلصت منها مجموعتي «أنقاض الغبطة». الانتقال من كتابة قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر لم يكن يسيرا. كان عسيرا بالنسبة لشاعر مبتلى بفضاءات الشعر القديم وهيمنته على القلب والذاكرة والمخيلة. إنها عملية تشبه إعادة البرمجة بالمفهوم الحاسوبي المعاصر.
* ماذا تعني لك قصيدة النثر؟
- قصيدة النثر كانت أحد المراكب التي جرّبت عبرها الخوض في بحر ما، ولم أكن أعرف ماذا سأصادف. كنت أجرّب خلاصا ما من اشتراطات الوزن والقافية، ومن هيمنة اللغة المعجمية، وأحاول اكتشاف أرض لم تدسها الخيول كثيرا، ووجدت هذا الطريق.
* في أي سياق تضع هذه التجربة؟
- أضع هذه التجربة في سياق إحياء قصيدتنا المحلية وإحالتها إلى الفضاء الحداثي العربي. لا أملك الحس العصابي تجاه أي شكل شعري. أزمتي الدائمة هي مع الشكل الذي لا ينتج شعرا، ولا يمنحنا صفة أخرى لنوقف مراكبنا في هوائها.
الحداثة والتجديد
* كيف رأيت ما واجهته الحداثة خلال الثمانينات من هجوم كاسح؟
- الهجوم الكاسح على الحداثة ومضامينها تبين أنه هجوم ذكي، بحيث إنه استثار الحساسية الدينية ضدها، لكنه ضالّ من حيث إنهم لم يدركوا أن الحاجة إلى التجديد والنهوض والحداثة لا في الأدب وحده هي حاجة فطرية، والآن يتعرف الناس على جناية التطرف الديني، لا على الأدب والفن اللذين خيّم فيهما لعقود طويلة، بل على مقوّمات المجتمع تعليما وفكرا ومعرفة. قاوم الحداثيون إرادة المحو تلك، ودفعوا ثمنا باهظا لتهم التكفير، لكن المشهد الأدبي يعود مرة أخرى إلى مساره التنويري.
* أليس غريبا أن تكون شاعرا حداثيا وأنت أحد طلاب جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض (حصل منها على بكالوريوس المكتبات 1980)؟
- لست وحدي من تخرج في جامعة الإمام وهو أكثر تشبثا بسارية التجديد والانحياز إلى أشكال الأدب الجديد، وإلى أطروحات النهوض الاجتماعي، وإعلاء الحريات. لي صديق يمازحني بهذه التهمة بين وقت وآخر لكنني أسرد له أسماء في القصة والشعر والنقد والصحافة تخرجت في تلك الجامعة ثم أصبحت نجوما لامعة في صحافتنا الثقافية في الشرقية والرياض وجدة. فضاء الجامعة ذو الصبغة الدينية الغالبة كان حاضنا لطلاب ذوي ميول شتى، بينهم المتشدد الأعمى الذي لا ينتمي إلى المملكة فقط بل إلى جنسيات آسيوية وأوروبية وأفريقية تلقت منحًا للدراسة، وبينهم قوميون وتنويريون، لكن هذه الجامعة ألقتنا دون أن تدري إلى الشاطئ الآخر!
* هل يمكن أن تنمو قصيدة النثر في مجتمع قبلي محافظ؟
- المجتمع القبلي ليس حكرا علينا، إحدى فضائل الربيع العربي هي الكشف عن مدى تجذر القبلية والعصبية والطائفية في بنية مجتمعاتنا. قصيدة النثر توجد في هذه المجتمعات، لكنه وجود نسبي يرتبط بمدى حرص الأجهزة الثقافية والتعليمية في تلك الدول على نشر مفاهيم التجديد والنهضة والحداثة. كتبتُ في مجلة «دارين» أن مواصلة عزل النصوص الأدبية الحديثة عن المناهج التعليمية التي تدرسها الناشئة ستؤدي إلى غربة قاسية بين الجيل الجديد وتذوقه الأدبي والجمالي. لو كان بعض أدب حمزة شحاتة ومحمد حسن عواد وغازي القصيبي ومحمد العلي يدرّس في فصولنا ألا يمكن أن نكون في صحة أدبية أفضل؟
* الناقد الدكتور سعد البازعي اعتبر أن عقد التسعينات الذي بزغت فيه تجربتك الشعرية كان «على المستوى الشعري عقد قصيدة النثر بامتياز».. كيف كان حضور هذه القصيدة في المشهد الشعري آنذاك؟
- هذه القصيدة بدأت بالحضور مبكرا في مشهدنا الشعري وتجسدت في تجربة فوزية أبو خالد الرائدة، وفي تجارب لاحقة كان أبرزها محمد عبيد الحربي. لكن فترة التسعينات كانت الأكثر احتضانا لتلك القصيدة، والسبب هو أن خارطة هذه القصيدة عربيا كبرت، فيما تحالفت مجموعة شعراء ضمنا وبلا تخطيط لمنح قصيدة النثر حقها في المشهد المحلي، وقد ترافق هذا مع فتور في قصيدة التفعيلة التي قدم أبرز رموزها تجاربهم الفارقة في الثمانينيات، ثم تنمطت تجاربهم أو عادت إلى الشكل التقليدي لاستمالة القارئ. لكن هذه المرحلة الشعرية لم تكن لتتقدم لولا إيمان عدد من النقاد بها، فكتبوا عنها بإخلاص وتحفيز، وأعتقد بصدق أن الأساتذة البازعي والسريحي ومعجب الزهراني قد منحوها ذلك الأفق.
* يقول الناقد محمد الحرز إن انحيازك لقصيدة النثر لم يشغلك بالشكل أو الصياغة «قدر الاشتغال بمراقبة القصيدة وهي تقول ما يقبض عليه الزمن تحت مخالبه».. بصراحة ماذا يبقى من الشعر إذا أهمل الشاعر الشكل والصياغة؟
- ليست لدي أي خصومة مع العصور الأدبية أو الأشكال الشعرية، فأنا أقرأها بكل غبطة منذ امرئ القيس وحتى عباس بيضون. هكذا تبقى القصيدة في مكانها كفنار يضيء خطوط الملاحة، رغم تبدل الأشكال، وانزياح اللغة، ولعل هذا ما قصده الصديق محمد الحرز. منذ «جلجامش» و«ألواح الموتى عند الفراعنة»، مرورا بالملاحم، والشعر يتعدد ويرحل عبر الزمن. هل يهمّ ما إذا كان أبو تمام أمينا لقصيدته العروضية، أو أن السياب غامر بقصيدته التفعيلية، أو أن أنسي الحاج تطرّف في قصيدته النثرية لكي نتعرف على ما صنعوه من ذائقة جمالية جديدة؟
مرثية الروح
* في مرحلة ما اتسمت قصائدك بنفس تشاؤمي فاقع، نلحظ ذلك في قصيدتك «ملاك الحسرة»، وقصيدتك «كتابة نهارية عن ليل نيويورك»، والعديد من القصائد الأخرى.. إلامَ تعزو ذلك؟
- كتبت «ملاك الحسرة» تحت دخان حرق الآبار النفطية في الكويت 1991، وكانت مرثية للروح والجسد والأحلام المغدورة في تلك اللحظة. كانت تلك الواقعة الضخمة مفصلا قاصما في رؤيتي الفكرية والسياسية وحتى الإبداعية، على غرار ما خلّفته نكسة 67 على الجيل الذي سبقني. أما قصيدة «كتابة نهارية عن ليل نيويورك» فكانت محاولة لقراءة هذه المدينة من الداخل، ومحاولة لاستنطاق تاريخها ورمزيتها، لكن زمن المناخ الغاضب على الرمزية الأميركية في تلك الحقبة، ولذا تناثرت عبارات الغضب المطعّم بنفحات آيديولوجية، لكنها المدينة الأكثر ترحيبا بكل أنواع القراءات. التشاؤم ليس موقفا يمكن تمثيله أو استعارته، هو حالة تكمن في النسيج النفسي لأي كاتب يحاول قراءة مجتمعه بأعلى قدر من الشفافية.
* انتقدت في مقال لك ما سميته «جنسنة الأدب والفكر وتقسيمه إلى إناث وذكور»، كأنك تدعو لحياة ثقافية مشتركة بين المبدعين.. في مجتمع قائم على الفصل الجسدي بين الجنسين..
- كتبتُ هذا في مقال غاضب «الأدب والحيطان» عن ولع بعض دوائرنا الثقافية والأكاديمية بتقسيم الأدب وفقا لجنس من يكتبه، وما يثير الحيرة هو دفاع بعض الأديبات والكاتبات عن الصالونات الأدبية النسائية التي سميتها «حلقات الذكر النسائية»، ومناداتهن بضرورة العزل في قاعات الأدب والفنون، وفي فصول الدرس الأكاديمي. ليس هذا سوى انفصام جامعي حين يسجن المحاضر في غرفة ليلقي محاضرته عبر كاميرا داخلية إلى صفوف من الدارسات، ويتلقى عبرها الأسئلة والملاحظات. إذا لم يكن الحرم الأكاديمي السامي حارسا للأستاذ وطالباته، والعكس، فإلى أين يتجه مجتمعنا؟ وفقا لهذا المسلك، فإن الأمهات والسيدات يسهمن عن علم أو جهل في صنع جيل يحارب الفنون والآداب.
* انتقدت اشتغال وزارة الثقافة بالنشر وتساءلت «لماذا نحاول أن نعرض على شعوب الدول الأخرى بضاعة لا ترقى أن تكون تمثيلا ثريا لمعطانا الأدبي والفكري؟».. لكن هناك من ينتقد الوزارة لتقصيرها في دعم المنتج الفكري والأدبي السعودي وتعريفه للعالم..
- أحسد أحيانا وزارة الثقافة على اتساع هامشها للنقد، لكنني أعرف أن هناك إنجازات أدبية وفنية محلية لم تكرس لها الوزارة بعض الوقت والضوء، وهي لم تقدمها كما يليق إلى الخارج. وكان هناك مسؤول في الوزارة يعتقد أن خصوصية ثقافتنا الوطنية لا تجسدها سوى فرق العرضات الشعبية وإيقاعات الطبول وبعض الأزياء التي يجوب بها عواصم العالم، هل حاسبه أحد على تلك السياسة؟ برامج الوزارة للأسف تعيش في عزلة عن جيل جديد ومتغير يحقق وجوده عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال العالم الرقمي الذي بلا حدود. كل من زار معرض الرياض للكتاب فوجئ باستخفاف الوزارة بإصدارات الأندية الأدبية التي كدستها في جناح صغير تعمه الفوضى وتصيب الزائر بالنفور.
* خلال عضويتك في نادي الشرقية الأدبي، كيف تقيم تجربة الانتخابات في الأندية الأدبية.. ما الذي كان ينقص هذه التجربة لكي تنجح؟
- الانتخابات تجربة فاشلة، وقد أسست لهذا التخبط الذي تعيشه الأندية الأدبية كلها منذ سنوات. معايير الانضمام لهذه الأندية كانت فضفاضة وغير مقننة منذ البداية، ولا تقبل بها أي مؤسسة منظمة ومنضبطة. فغياب المعايير سمح بدخول من لا صفة أدبية له إلى رحاب الأندية، وهكذا قادت التكتلات ذات المنزع الديني المؤدلج إلى احتلال عضوية الأندية وشل أنشطتها أو تحويلها إلى قاعات لدروس الوعظ الديني أو الاستعادات التراثية. أما الأسوأ فهو إحالة جملة من مشكلات الأندية وشخوصها إلى ساحات القضاء.

* سيرة ذاتية

* مواليد قرية محضرة، منطقة الباحة.
* يحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات من جامعة الإمام محمد بن سعود، وقضى سنة في دراسة اللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة.
* يعمل في «أرامكو السعودية». وأسهم مسؤولا ومحررا في مطبوعات الشركة الأسبوعية والشهرية والفصلية، وتولى تحرير مجلة «القافلة».
* عمل في تحرير ملحقي «المربد» ثم «اليوم الثقافي» اللذين كانت تصدرهما جريدة «اليوم».
* نشر مجموعة من نصوصه الأدبية ومقالاته في عدد من الصحف والمجلات المحلية والعربية. وشارك في عدد من الأمسيات الأدبية في المملكة ومهرجانات شعرية في ألمانيا وفرنسا.
* يعمل نائبا لرئيس نادي المنطقة الشرقية الأدبي، وهو رئيس تحرير مجلة «دارين» التي يصدرها النادي.
* صدرت له ثلاث مجموعات شعرية هي:
- «أنقاض الغبطة» دار «الشروق»، عمان – الأردن 1989.
- «سنابل في منحدر»، دار «السراة»، لندن – بريطانيا 1994.
- «أيام لم يدخرها أحد»، عن دار «أثر» للنشر والتوزيع - السعودية (2014).
* ترجم عددا من قصائده إلى الإنجليزية والألمانية والفرنسية.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».