الأندلس... جزيرة أوروبا العربية

مناطق التقاء شكلت لحظات تماس ثقافية وتاريخية

قصر الحمراء في غرناطة  -  غلاف «إسبانيا في تاريخها»  -  غلاف «انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها»
قصر الحمراء في غرناطة - غلاف «إسبانيا في تاريخها» - غلاف «انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها»
TT

الأندلس... جزيرة أوروبا العربية

قصر الحمراء في غرناطة  -  غلاف «إسبانيا في تاريخها»  -  غلاف «انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها»
قصر الحمراء في غرناطة - غلاف «إسبانيا في تاريخها» - غلاف «انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها»

يقول المؤرخ الإسباني أميريكو كاسترو في كتابه «إسبانيا في تاريخها»: «لو كان جبل طارق عند مدينة مارسيليا لكانت فرنسا قد عاشت أحداثاً تاريخية مختلفة». وكم هي كبيرة تلك الـ«لو»، لأنها هنا لا تفتح سوى التاريخ، تفتحه على احتمالات من الوعي المعرفي لتغيرات حضارية، بعضها تحقق والبعض الآخر ظل في ضمير الممكن. الـ«لو» التاريخية «لو» حاسمة وخطيرة في الوقت نفسه. وهي في الوقت نفسه «لو» لا بد منها لقراءة التاريخ، قد يراها البعض ملتوية وبغيضة، في حين يراها البعض الآخر غنية بمعرفة الواقع بقدر ما هي زاخرة باحتمالات لم تقع «فمن دون (لو) وما يشبهها لم يكن للعلوم أن تتطور أو للكشوفات والاختراعات أن تحدث». المؤرخ الإنجليزي الشهير إدوارد غيبون وظف تلك الـ«لو» حين نظر فيما نسميه في التاريخ العربي للأندلس معركة بلاط الشهداء ويسميه الأوروبيون معركة بواتييه ومعركة تورز، فقال في كتابه الشهير: «انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها» إنه لو أن نتيجة تلك المعركة جاءت مختلفة «فلربما كانت تفاسير القرآن الآن تدرّس في مدارس أكسفورد، لتثبت المنابر لشعب مختن قدسية وحقيقة ما أنزل على محمد».
هذا النظر إلى تاريخ الأندلس من الزاوية الأوروبية يقابله النظر إلى تاريخ الأندلس من الزاوية العربية. يولّد الأول احتمالات لتاريخ أوروبا، بينما يكاد يقف الثاني حيث وقفت الدول العربية الإسلامية في توسعها الأوروبي. ينظر الأول فيما نال أوروبا من علاقتها بالعرب، ويكتفي الثاني بما أنتجه العرب لأنفسهم، أي بدراسة التاريخ والأدب الأندلسيين بوصفهما جزءاً من تاريخ العرب وأدبهم. ينتُج من الأول ما يمكن أن نسميه جزيرة أوروبا العربية، ومن الثاني جزيرة العرب الأوروبية. ويكمن الفرق في أن الأولى جزء من أوروبا، من ثقافتها، أنها مجموعة من النتائج أو العوامل أو الأحداث التي غيرت وجه الحضارة الأوروبية، في حين أن الثانية امتداد للأدب والثقافة العربية في أرض غريبة ليس إلا. ومع أن كلا الجانبين مهتم بما في الجانب الآخر فإن التركيز يقع عادة على أحدهما وعلى حساب الثاني.
في الملاحظات التالية سأقترح بعض مناطق الالتقاء منظوراً إليها من الجانب الأوروبي وليس العربي سعياً لتوسع المنطقة الوسطى من الالتقاء الحضاري، المنطقة التي يهتم بها المقارنون عادة، وإن اتسمت بالرمادي، واتشحت بالجدل والخلاف.
المناطق التي أشير إليها يمكن اختصارها فيما أسميه لحظات تماس ثقافية تاريخية، بما يحمله التماس أحياناً من توتر وقلق، فليس أصعب من أن تقول ثقافة لأخرى: لولا أنني أعطيتكم كذا وكذا لما وجدتم في ثقافتكم كيت وكيت، أو لو أنني لم آت إلى دياركم لما عرفتم ما عرفتموه. إنه ثقل المدينية الذي تعرفه الثقافة العربية منذ ما يقارب القرنين في علاقتها بأوروبا، مثلما عرفته ثقافات أخرى في فترات مختلفة من تاريخها: كوريا في علاقتها باليابان، واليابان في علاقتها بالصين وأوروبا في علاقتها بالحضارة العربية الإسلامية. المؤرخ الإسباني أميريكو كاسترو يقارن علاقة الإسبان الأوروبيين بالإرث الأندلسي العربي من ناحية بعلاقة الرومان بالإرث اليوناني من ناحية أخرى، وذلك ضمن حديثه عما حدث بعد ما يعرف بالاسترداد (الريكونكويستا) حين كان هدف الإسبان المسيحيين هو السيطرة على المسلمين وليس الإفادة منهم. يتساءل المؤرخ الإسباني: «ألم يكن ذلك يشبه بشكل ما الذي وقع بين روما واليونان؟ فقد فرض الرومان سيطرتهم وقوتهم السياسية، أما اليونانيون فقد ظلوا مع الفلسفة والعلوم، وكذا الكثير من الأنشطة النافعة التي لم يفكر المنتصرون في تقليدهم فيها، وعلينا أن نحاول تأمل هذه المشكلة التاريخية الحساسة من الداخل» (إسبانيا في تاريخها، ص62). غير أن عدم تفكير المنتصرين بتقليد المسلمين المهزومين آنذاك لم يعن عدم تأثرهم على نحو ما بما وجدوا من كنوز المعارف وأسباب التحضر، وهو ما يسرد كاسترو الكثير منه ابتداء بالآثار المعمارية وانتهاء بمفردات اللغة وآثار الأدب.
ذلك المنظور الأوروبي إلى الأندلس تبنته الباحثة الكوبية ماريا روزا مينوكال في كتابين معروفين، أحدهما ترجمه الدكتور صالح معيض الغامدي الأستاذ بجامعة الملك سعود حول «الدور العربي في تاريخ القرون الوسطى الأوروبية»، والثاني ترجم في المغرب بعنوان «الأندلس العربية»، وهو الذي أشير إليه هنا. في هذا الكتاب الذي نشر في الأصل بعنوان «زينة العالم: كيف صنع المسلمون واليهود والمسيحيون ثقافة من التسامح في إسبانيا العصور الوسطى؟» (2002). تتحدث مينوكال ضمن أشياء أخرى عن دور المسلمين في إحياء ثقافات كانت في حالة سبات أو موات. لم يقتصر دور المسلمين على تقديم عطاءاتهم الخاصة وإنما استطاعوا، كما تقول: «أنْ يمتصوا ويبثوا الحياة في المواهب الغنية لثقافات محلية سابقة»، وتضرب لذلك أمثلة كثيرة. سأشير هنا إلى بعض تلك الأمثلة ضمن ما أسميته لحظات تماس قد لا يعرفها البعض أو لا يتخيل أهميتها. تلك اللحظات هي التي تؤلف المنطقة البرزخية، المنطقة التي تنبعث منها ملامح الأندلس الأوروبية العربية.
ولعل من الطبيعي أن أختار من بين تلك اللحظات ما كان ثقافياً وأدبياً، ما كان لحظات ملحمية، فهي تتألف من ملحمتين ومجموعة حكايات ورواية. الملحمتان هما «أنشودة رولاند» و«السيد»، بينما مجموعة الحكايات هي التي عرفت بعنوان «قواعد كهنوتية» (Disciplina Clericalis)، وأما الرواية فليست غير رواية سيرفانتيس الشهيرة «دون كيخوتِه» (سأشير إليها مع الأعمال السردية في مقال قادم). في تلك الأعمال الأدبية الأوروبية نجد لحظات حاسمة من التمازج الثقافي يشبه ذلك الذي وصفته مينوكال في حديثها عن ولادة الأندلس العربية في ركن أوروبا الجنوبي الغربي: «إنها لحظة تأسيسية حقيقية للثقافة الأوروبية تستحق أن توصف بأنها من (الطبقة الأولى)».
هناك بالتأكيد تفاوت مهم بين هذه اللحظات. «أنشودة رولاند» الفرنسية ولدت في فترة مقاربة لولادة «السيد» (كلاهما في القرن الثاني عشر الميلادي)، لكنهما مختلفتان على نحو يعكس اختلاف التجربة الإسبانية عن التجربة الفرنسية، و«قواعد كهنوتية» (أيضاً في القرن الثاني عشر) لا تختلف زمنياً فحسب عن «دون كيخوتِه» (القرن السابع عشر)، وإنما على مستويات كثيرة، لكنهما تلتقيان في الجانب السردي، في ربط العرب بالحكايات وموروث السرد الذي كان يدور مشافهة قبل أن يجري تدوينه. الصورة لن تكتمل بطبيعة الحال إلا بالنظر إلى الجانبين معاً، جانب التشابه وجانب الاختلاف.
يقول الناقد والمؤرخ الأدبي الفرنسي فردينان برونتيير إن «اللحظة الدقيقة» لولادة الملحمة الفرنسية «هي المواجهة أو الصدمة التي حدثت بين الشرق والغرب، بين الإسلام والمسيحية، بين العربي والفرنسي...». تلك اللحظة كانت معركة بلاط الشهداء التي أوقفت المد الإسلامي في حدود شبه الجزيرة الأيبيرية، اللحظة التي اختارها الشاعر المجهول خلف تلك الملحمة الفرنسية ليرسم المعالم المبكرة للهوية الفرنسية. لقد قام ذلك الشاعر بمزج حدثين تاريخيين منفصلين وقع كلاهما في القرن الثامن الميلادي، كان أحدهما معركة بلاط الشهداء بين جيش عبد الرحمن الغافقي وجيش شارل مارتيل، والآخر هجوم جماعة من الباسك على جيش شارلمان، ليحول الباسك إلى مسلمين يهجمون على شارلمان بدلاً من مارتيل. أما الدلالة فتكمن في أن المسلمين وليس الباسك هم الذين رآهم الشاعر عدواً جديراً بالمنازلة مع الجيش الفرنسي وكأنه بذلك يستعيد، في القرن الثاني عشر، لحظات الصدام المتكررة سواء بين طارق بين زياد والقوط أو ما تلاها من حروب توسعية أدت إلى إيجاد الأندلس العربية الإسلامية على أرض أوروبا المسيحية. كان من الضروري إذن أن يحدث ذلك الصدام بين ثقافتين أو أمتين لكي يولد الشعر الملحمي في فرنسا، لكي يكتشف الفرنسيون أنهم بحاجة إلى شعر ملحمي مثل اليونان والرومان من قبل ومثلما حدث بعد ذلك في الملاحم الإيطالية على يد أريوستو وتاسو وغيرهما من شعراء عصر النهضة الذين صوروا الحروب الصليبية بعد انتهائها بفترة طويلة. وبالطبع فقد كان ضرورياً أن يمتلئ ذلك الشعر بالكثير من الآيديولوجيا أو «البروباغندا» التي تخدم المحاربين المسيحيين كوصف المسلمين بالوثنيين والكفار وما إلى ذلك.
من الضروري تذكر تلك الآيديولوجيا لمقارنة الملحمة الفرنسية بالملحمة الإسبانية «السيد» التي حملت الاسم الذي أطلقه العرب الموريسكيون على البطل الذي عرفه الإسبان بـ«الكامبيادور» وهو الفارس رودريغو دياز دي فيفار، ولكن الملحمة استمرت بالاسم العربي «أنشودة سيدي»، لتتحول إلى أعمال أدبية في مراحل متأخرة. ففي القرن السابع عشر كتب الإسباني غيان دي كاسترو مسرحية بعنوان «أفعال السيد» بنى عليها المسرحي الفرنسي الشهير كورني مسرحيته «السيد» (Le Cid) التي عدت فيما بعد فتحاً في المسرح الفرنسي؛ لكسرها الوحدات الثلاث (المكان والزمان والحدث) التي أسسها المسرح اليوناني، ولكن أهل القرن السابع عشر في فرنسا عدّو كسرها معيباً لما اكتسبته تلك الوحدات مما يشبه القدسية في عصر عرف بأنه عصر الاتباعية الجديدة (النيو كلاسيك).
كل ذلك يلفت انتباهنا إلى الدور الأدبي الثقافي الذي لعبه الالتحام السياسي العسكري في تاريخ أوروبا عن طريق إسبانيا في عهدها الأندلسي، وتحول ذلك إلى ذاكرة شعبية استمدت بعض مكونات هويتها من ذلك التلاحم، لتسهم بدورها في تشكيل الهوية الثقافية لفرنسا وإسبانيا. فقد ولدت الملاحم من خلال ذلك التلاحم أو الالتحام التصادمي الذي حمل على الرغم من وجوه العداء وجوهاً من الانسجام الذي فرضته اللغة والثقافة حين تستعير ممن يعدون أعداءً اسماً لأشهر أبطالها «السيد»، ليشتهر بدلاً من الاسم الإسباني «كامبيادور». وسأشير في مقال قادم إلى دور الحكايات في تحقيق ذلك الالتحام الحضاري البعيد عن الصراع.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.