الأساطير الإغريقية تعود إلى النوم بعد رحيل والكوت

من جزيرة عزلاء منسية انطلق صاحب «أوميروس» ليقارع عمالقة الشعر

ديرك والكوت
ديرك والكوت
TT

الأساطير الإغريقية تعود إلى النوم بعد رحيل والكوت

ديرك والكوت
ديرك والكوت

ديريك والكوت، الهولندي والأسود والبريطاني معاً، اللاشيء أو الأمة الكاملة، أمير الشعراء وكبير المسرحيين، المفكّر الذي أعاد للكاريبي اعتباره، والأديب الذي وضع سانت لوسيا على خريطة جائزة نوبل، بدا وكأنه اكتفى من فترة حكمه المديد فغادر عالمنا عن 87 عاماً. كان لأكثر من نصف قرن وكأنه قوة احتلال كاريبيّة دخلت قلب الثقافة الغربية الأنجلوفونية، فأحكم سيطرته على لغتها، وحوّلها إلى ما يشبه مملكته الخاصة، جالساً فيها على عرش الشعر أميراً دون منازع، حتى إنه لمّا مات لم يترك وريثاً بنفسِ قماشته ليتولى المنصب من بعده.
من جزيرة عزلاء منسيّة، من سانت لوسيا - التي لم يسمع بها أحد تقريباً في العالم القديم - انطلق والكوت ليقارع عمالقة الشعر: شكسبير وتشوسر ودانتي وهوميروس وإليوت معاً. كان أكثرنا إدراكاً لحقيقة أن هؤلاء سادة أبديون للقصائد، لكن طموحه لم يكن أقل من أن يقف معهم على الصّعيد ذاته، فصنع من جزيرته الصغيرة عاصمة للكلاسيكيات، وتولى بموهبته الفذّة إمارة الشعر التي اعترفت بها الأكاديمية السويدية ذاتها، فمنحته جائزة نوبل للآداب عام 1992 عن قصيدته الملحمية النفس: أوميروس، التي عارض فيها إلياذة هوميروس جاعلاً من أخيل وهيلينا ابنين لصيادي جزر الأنديز الغربية.
انحدرت أسرته من العبيد الخلاسيين الذين حكَمَ عليهم الغرب بدفعِ ثمنِ نهضته، فورث تاريخ الكولونيالية كلّه دماً في عروقه. تلقى صغيراً تعليماً كولونيالياً (كلاسيكياً)، لكن موهبته منعته من أن يذوب في الآخر، وأطلقته عبر فضاء الأدب مغامرةً نقديّةً ثريّةً لتجربة الهويّة القوميّة كلّها. نشر أول دواوينه في التاسعة عشرة بمائتي دولار استدانتها والدته مديرة المدرسة التي رَبَّته بعد وفاة والده، وأدخلته إلى كوكب الأدب الكلاسيكي الرّحيب وآمنت به دوماً.
بعدها بعام كان يُخرج أولى مسرحياته قبل مغادرته لدراسة الأدب الإنجليزي والفرنسية واللاتينية في الكلية الجامعية بجامايكا ليتخرّج فيها عام 1953.
مشروع والكوت الشعري عَنَى أن يستولي المُستَعمَر على تراث المُستعمِر الحضاري ولغته كأدوات يعيد من خلالها الاعتبار الإنساني لما انتهت إليه التجربة الكولونيالية في الكاريبي من تكوين بشري هجين دماً ولغة وثقافة معاً. وهو في ذلك المشروع استدعى أرواح كبار الشعر الإنجليزي شكسبير ووردزوورث وييتس وإليوت بقصائد ترددت أصداؤها فيما يشابه «بانثيون» أفريقياً وإغريقياً معاً. قصائده كانت مليئة بالألوان والتفاصيل أنجبتها مسارح أرض المعاناة والألم الكاريبي على هيئة بصريات تشكيلية فاتنة في قوالب أقرب ما تكون للأشكال التقليدية للشعر. وحتى عندما غادر والكوت سانت لوسيا إلى رحاب العالم بدا من شعره أنه حمل الكاريبي كله معه، ولذا بقيت قصائده مزروعة دائماً في مسقط رأسه، مهما تقاذفته الأمواج بعيداً.
انتقد كثيرٌ من المثقفين والحراكيين السود في السبعينات اندماج والكوت باللغة الإنجليزية، واتهموه بالتبعية الثقافية لكنه أجابهم شعراً: «أنا لا أنتمي لأي أمة سوى الخيال، فبعد الرجل الأبيض، لفظني السود أيضاً، أولهما وضع أصفاداً في يدي معتذراً بـ(التاريخ)، والآخر قال إنني لم أكُ أسود بما يكفي». لكن وللحقيقة - ورغم موقفه النقدي الصارم من الإمبراطوريّات الغربيّة - فإن للولايات المتحدة الفضل الأكبر في تقديم بيئة النجاح التي أزهرت فيها موهبته. فهو حاز منحةً أولى عام 1957 ثم حصل على فرص للتدريس في جامعات النخبة الأميركية بوسطن وكولومبيا وروتجرز وييل ولاحقاً في كندا والمملكة المتحدة قبل أن تتسبب له منهجيته الحميمية بالتدريس بمشكلات في جامعتين منهما لاحقاً بعد اتهامات له بالتلاعب بالنتائج من قبل فتيات رفضن (فيما قيل) محاولاته لإغوائهن، وهي التهمة التي لاحقته إلى أكسفورد واضطرته لسحب ترشيحه لمقعد أستاذ الشعر في جامعتها المرموقة، وهو منصب أشبه بعمادة الشعر الإنجليزي كلّه، ولم يكن ليستحقه وقتها سواه.
هذه الاستقلالية الفكرية عن اتخاذ موقف مطلق من الأشياء والأحداث في التراث الكولونيالي لبلاده ورفض العدميّة وسعت من نطاق جمهور والكوت إلى ما بعد الكاريبي، وجعلته وجهاً مقبولاً للنضال ضد الكولونيالية، وتراثها المقيت. وعن ذلك كان يقول إنه لا ينبغي رفض الأشياء لأنها أتت من الجانب الآخر، «فمن الغباء مثلاً ألا نقرأ شكسبير لمجرد أنه من ذوي البشرة البيضاء». وكان دائم الانتقاد تجاه إصرار مدرسي الشعر على الأصالة والتفرد، إذ إنه يعتبر «إن الشعراء العظام ليس لديهم وقت لهراء الأصالة هذا»، فالتجربة البشرية في النهاية واحدة. لكنه عام 2012 تحدث خلال مقابلة صحافية عن أن «المؤسسة الثقافية في الولايات المتحدة وبريطانيا بعد كل هذه السنوات والجوائز ما زالت تراني مجرد كاتبٍ أسودَ آخر. ذلك أمر سخيف فعلاً، وأنا أرفض ذلك التقسيم بين مسرح للسود وآخر للبيض، ولا أريد أن أكون طرفاً فيه. أنا كاتب أنتمي للكاريبي، وذلك فقط».
يكاد نجمُ والكوت المسرحي يخفت أمام سطوع نجمه الشعري، إذ إنه كتب وقدّم أكثر من ثمانين عملاً مسرحيّاً لكن غالبها بقي رهينة محلية بينما انطلق شعره في الفضاء العالمي، وهو ما كان يزعجه على الدوام متهماً عواصم الثقافة الغربيّة في لندن ونيويورك بالانتقائية في الأخذ من ثقافة الكاريبي. لكنه حقيقةً أخرج أعمالاً مسرحية وأوبرات مهمة في لندن وميلان بالإضافة إلى الكاريبي بالطبع، مقدِّماً خلطات عجيبة رائقة من ثقافات الكاريبي المحليّة والكلاسيكيات الإغريقية في نصوص مبهرة. عندما سُئل والكوت عن جرأته في اللعب على النصوص الكلاسيكيّة قال إنه «كي تكتسب الأسطورة معنى حقيقياً يجب أن نصدقها»، وبالتالي فإن توظيفه للهجات والتعابير المحلية يُكسِب تلك الأساطير بُعداً واقعياً يقربها من الناس، وهكذا تحيا الأسطورة الإغريقيّة ذات البعد الإنساني في ثياب كاريبية محلية.
والكوت استلهم هذه المعالجة من زيارة له إلى جمهورية الدومينيكان حيث كان رافائييل تروخيو يحكمها بالحديد والنار لثلاثين عاماً لحين مقتله، فكانت استعارة رمز الديكتاتور في كريون الإغريقي لتقريب الصورة إلى ذهن الجمهور الكاريبي. عن ذلك يقول والكوت: «لقد كان ذلك ما يفعله سوفوخليس الإغريقي تماماً: يعيد تقديم الأسطورة القديمة بأدوات معاصرة».
ليس الشعر وحده قد خسر أميره بغياب والكوت، بل خسرت اللغة أيضاً عاشقاً مولعاً. فقد كان دائماً مسحوراً باللغة وقدرتها الفائقة على التطور والتحول والذوبان، فكأنها مخلوق حي يتشكل وفق بيئته وتقلبات الأيام من حوله. وقد نُقِلَ عنه قوله: «أنت لا تصنع من نفسك شاعراً، بل أنت تجد نفسك في حالٍ حيث هناك شعرٌ تلتقطه» واصفاً قصيدته الطويلة «منتصف صيف» بأنها امتداد طبيعي للّغة من حوله، وكان حينها يدّرس في جامعة بوسطن ذات الأجواء الخلابة والجدالات الطازجة.
بإغماض والكوت عينيه، ستعود الأساطير الإغريقية إلى النوم، وسترفرفُ على روح شكسبير وحدة قاتلة، وستتراجع قوات الاحتلال الكاريبية التي حكمت لغة الإنجليز نصف قرن لتسكن في قبرٍ صغير مقابل البحر في سانت لوسيا.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.