د. حسن رشيد: المسرح لا ينمو إلا في ظل الحرية

الناقد المسرحي القطري يرى أنه لا خوف على «الهوية» من الانفتاح الثقافي

مسرحية «أهل الشرق» لفرقة «الدوحة» تأليف وإخراج عبد الرحمن المناعي
مسرحية «أهل الشرق» لفرقة «الدوحة» تأليف وإخراج عبد الرحمن المناعي
TT

د. حسن رشيد: المسرح لا ينمو إلا في ظل الحرية

مسرحية «أهل الشرق» لفرقة «الدوحة» تأليف وإخراج عبد الرحمن المناعي
مسرحية «أهل الشرق» لفرقة «الدوحة» تأليف وإخراج عبد الرحمن المناعي

عرف الناقد المسرحي والقاص والإذاعي القطري الدكتور حسن رشيد باشتغاله بقضية المسرح المحلي والخليجي، فقد واكب انطلاقة الحركة المسرحية في بلاده وفي دول الخليج، وشهد مراحل انتعاشها، وما آلت إليه اليوم. وهو يرى أن أزمة المسرح لا تقتصر فقط على ضعف الاهتمام الرسمي، أو شيوع ثقافة التلفزيون، ولكن أيضا وبشكل رئيس لانعدام هامش الحرية، حيث لا يترعرع المسرح أو ينمو إلا في مناخ الحرية. وهو يجد الحديث عن نهضة المسرح حديثا عبثيا أمام طوفان المآسي الذي يجتاح المدن العربية.
ولد الدكتور حسن عبد لله رشيد في الدوحة عام 1949، وشغل أستاذ النقد وأدب المسرح، ونائب رئيس الهيئة العربية للمسرح. وقد درس بالمعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة، وكان ضمن أول دفعة من المذيعين القطريين، وهو أول من قال: «هنا إذاعة قطر»، بتاريخ 25 يونيو (حزيران) 1968، وعمل مديرا عاما للبرامج ثم مساعد مدير الإذاعة، كما عمل في دائرة الثقافة والفنون، وله أيضا الكثير من الدراسات والبحوث حول المسرح.
وإلى الحوار معه..

* جرى تكريمكم في بداية العام الحالي في مهرجان المسرح العربي الذي تقيمه الهيئة العربية للمسرح في الدوحة.. هل ترى أن المسرح العربي قادر على النهوض من كبوته الراهنة؟
- هذا السؤال من الصعوبة بمكان الإجابة عنه بـ«نعم، أو لا»، ذلك أن واقع المسرح العربي المغيب الآن في أمس الحاجة إلى جهد الجهات الرسمية المعنية بالأمر وخلق وشائج حقيقية مع المسرح، ذلك أننا مع الأسف قد صدقنا بعض المقولات مثل: «إن المسرح مدرسة الحياة»، و«أعطني مسرحا أعطك جيلا مثقفا»، وهذا ما زرعه البعض في ذاكرتنا الجمعية.
المسرح العربي مقارنة بالمسارح في العالم، وأعنى الإغريق والإنجليز والفرنسيين والصينيين، عمره الافتراضي قصير، مقارنة بالآخرين، فقد ظهر ذات يوم في عام 1848 على يد مارون نقاش في بيروت عبر تمثيلية قصيرة مستلهمة من تاريخنا، ولدينا أيضا عبر بعض دول المنطقة تاريخ بسيط منذ بدايات العقد السابع من القرن الماضي، فعمر المسرح العربي إذن في حدود 160 عاما.

* 160 عاما هل هي قليلة على إنتاج حراك مسرحي في منطقتنا؟
- هذا المسرح ارتبط بالأفراد وليس بحراك مسرحي. بالنسبة لنا، أسهم البعض قبل ظهور التعليم الإلزامي في وجوده عبر لعبة قصيرة وهادفة، فالهدف استلهام تاريخ العرب وعدد من الشخصيات المؤثرة مثل: يوم ذي قار، صلاح الدين، وسرد نماذج من الحكايات مثل:هارون الرشيد. وطرح نماذج من العادات والتقاليد العربية. واستمر الحال لفترة لدينا هنا. وأعني في دول المنطقة.

* من أين بدأ التراجع؟
- في قطر كانت الكبوة الكبرى بإلغاء المسرح المدرسي، الرافد الحقيقي للمسرح. أما المسرح العربي ففي ظل الصراعات المحلية والإقليمية وسيطرة البطالة والكثير من المنغصات في حياة الفرد. فهل يترعرع المسرح؟ والآلاف يموتون عبر المتفجرات في الكثير من المدن؟ وهل بمقدور المسرح أن يطرح الفن والفكر والثقافة والمتعة؟ أشك كثيرا.. المسرح لا ينمو ولا يترعرع إلا في ظل الحرية، وحرية الكلمة، وحرية الإنسان. لذا فإن واقع المسرح العربي مأزوم، سواء في إطار الكوميديا أم التراجيديا. وإلا ماذا نقول عن غياب نجوم اللعبة حتى في إطار الكوميديا؟

* درست في المعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة وزاملت مسرحيين عربا بينهم هاني صنوبر، أحد مؤسسي المسرح السوري والمسرح القطري، كما زاملت الفنان القطري غانم السليطي، كيف تجد المسرح القطري اليوم؟
- زاملت المخرج الكبير هاني صنوبر، مؤسس المسرح السوري والأردني والقطري في الإذاعة.. كان أستاذا للمسرح بكل المقاييس وتخرج على يديه كوكبة من النجوم مثل «النوخذا» عبد الرحمن المناعي، وغازي حسين وعشرات الأسماء. أما زملاء الدراسة، فهناك الكثير من المسرحيين العرب: من قطر، الفنان غانم السليطي، سالم الماجد، محمد أبو جسوم، موسى عبد الرحمن، مرزوق بشير. ومن سوريا: جهاد سعد. من الكويت: الدكتور حسين المسلم، وعشرات الأسماء من كل الأقطار العربية بجانب الأشقاء المصريين مثل الدكتور سامي عبد الحليم، الدكتور محمد عبد الهادي، عادل النادي، عادل معاطي.
أما فيما يخص المسرح القطري، فإنني أشبهه بالمثل القديم «أسمع جعجعة ولا أرى طحنا». وذلك بعد إلغاء المسرح المدرسي، وعدم وجود كيان حقيقي للمسرح، وتقليص عدد المسارح من أربعة إلى مسرحيين، وعدم وجود مواسم مسرحية ثابتة، وقلة الخشبات سوى خشبة مسرح قطر الوطني، مع وجود أكثر من مسرح ولكنها تابعة لجهات أخرى مثل: مسرح الدراما، والأوبرا، والمسرح المكشوف التابع للحى الثقافي، مسرح الريان والتابع لإذاعة وتلفزيون الريان، مسرح البلدية التابع للبلدية.

المسرح القطري
* هل لديك مقترحات محددة لإعادة بعث المسرح القطري من جديد؟
- للخروج من كل هذا لا بد من إيجاد مراكز شبابية تملك قاعات للعرض ولإجراء البروفات، ومعهد متوسط يفرخ أجيالا إثر أجيال وتكون الدراسة فيه مسائية، ووجود قسم للمسرح في جامعة قطر، وإرسال البعثات لدراسة المسرح كما كان يحدث في السبعينات من القرن الماضي، وكذلك تعزيز المشاركات الخارجية بشكل مستمر كما هو حاصل في المملكة العربية السعودية، وفي الإمارات، والكويت، وسلطنة عمان، وكذلك تشكيل لجان تعي دور المسرح وأهميته. ذلك أن اللجنة الحالية وإن كانت تضم مسرحيين مثل موسى زينل، وسعد بورشيد، والفنان علي ميرزا محمود، إلا أن رئيس اللجنة موظف لا علاقة له بالمسرح من قريب أو بعيد. ولم أشاهده يحضر أي نشاط مسرحي في أي قطاع كان. من هنا أرى أن المسرح القطري، أسوة بغيره من المسارح العربية. يملك نفس الملامح الباهتة، على الرغم من الدعم اللامحدود من قبل وزارة الثقافة والفنون والتراث وإسهامات الوزير الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري، إلا أن الواقع بخلاف المأمول.

* لماذا انحسرت الفرق المسرحية في قطر من أربع فرق إلى فرقتين، هل للأمر علاقة بالذائقة الفنية للجمهور؟
- لا أعتقد. التقليص حدث بفعل فاعل. والآن من الصعوبة بمكان خلق نواة أخرى تمارس المسرح من أجل المسرح. هذا لا يعني أن الجيل الجديد لا يحلم بمسرح آخر. وأبرزهم مثلا: أحمد مفتاح، فيصل رشيد، فهد الباكر، طالب الدوس، عبد الواحد محمد، سالم المنصوري وغيرهم. وهؤلاء يحاولون إعادة (بعض) وأضع خطا تحت مفردة (بعض)، الجماهير للمسرح. كما أن جهة أخرى تقوم بدور مواز في خلق تفاعل جماهيري، وتتمثل في: غانم السليطي، ناصر عبد الرضا، عبد الرحمن المناعي وجهدهم واضح في هذا الإطار عبر المهرجان المسرحي الأول والثاني. أما الثالث ففي علم الغيب. لكن هل يحضر الجمهور حتى يشاهد الشكل وأعني المبنى، أم المضمون – العرض؟

* أمام زخم الاهتمام بالموروث الشعبي القطري، إلا أن المسرح بقي معزولا.. لماذا لم نشهد التحاما بين النص والتراث بما يمثله من مخزون ثقافي وذاكرة شعبية ورؤية بصرية؟
- المسرح يختلف عن كل الفنون. فلا يمكن أن نقول للكاتب عبد الرحمن المناعي، حمد الرميحي، غانم السليطي، أحمد مفتاح مثلا نريد مسرحية بمواصفات كذا لأن النهضة العمرانية قائمة على قدم وساق. هنا يتحول المسرح إلى بوق دعائي إعلاني. وهنا يموت الكاتب والنص بعد شهور. الكاتب المسرحي قد يعيش سنوات وسنوات حتى يكون شاهدا على عصره. كثير من الكتاب ماتوا وهم أحياء بعد انتهاء الاحتفائية بأمر ما. ولكن الرابط بين التراث والعرض موجود في كل أعمال الفنان القدير عبد الرحمن المناعي منذ عام 1975 و«أم الزين» حتى آخر الأعمال التي قدمت في العام الماضي. وأيضا في أعمال ناصر عبد الرضا مثل «مجاريح»، «البوشية». أما فيما طرحت، فالأمر في المسرح يحتاج إلى تأمل لفترة من عمر الزمن. والسؤال الأهم مع ذلك هو: أين المسرح؟

* شاهدنا في «سوق واقف»، على سبيل المثال، عروضا سينمائية.. لماذا لم نشهد عروضا مسرحية في الهواء الطلق؟
- قدم الفنان عبد الرحمن المناعي – على سيف البحر – العرض المسرحي «الدشة والقفال» وكانت تجارب لسعد بورشيد، جاسم الأنصاري، حمد الرميحي وغيرهم في «قلعة الكوت»، ولكن «سوق واقف» سوق سياحية لجمهور لا علاقة لها بالمسرح، ويكفي أن يشنف أذنيه بأغاني عبود الخواجة، سعد جمعة، مزعل فرحان، وكفى الله المؤمنين القتال!

المسرح الخليجي

* أنت متابع لحركة المسرح الخليجي، برأيك، لماذا تراجع المسرح الخليجي؟
- بعد الغزو العراقي للكويت تغيرت خريطة كل شيء.. تحول المسرح في الكويت كرائد لمسار المسرح خليجيا، وهنا تحولت جل العروض إلى الكوميديا. والكوميديا فن راق، ولكن ما حصل أن غلف التهريج على بعض العروض، وتحول الأمر إلى قاعدة. نعم هناك صراع بين جدية الجيل الجديد عبر المهرجانات العربية، وفعاليات مسرحية في الفجيرة مثلا عبر المونو دراما، وأيام الشارقة ومهرجانات الهيئة العربية للمسرح ومهرجان الكويت في إطار المعهد العالي للفنون المسرحية، أو مهرجان الخرافي، أو مهرجان المسرح عبر الوزارات والهيئات المعنية. ولكن كل هذه الفعاليات هي فعاليات آنية، ذلك أن مسرحنا مرتبط بالأفراد، مثلا مرحلة عبد الحسين عبد الرضا وخالد النفيسي، سعاد العبد الله، حياة الفهد، عبد الرحمن الضويحي، صقر الرشود، حمد الرميحي، غانم السليطي، عبد الرحمن المناعي، عبد الله السعداوي، عبد الكريم جواد، حسن رجب، إسماعيل عبد الله، سالم الحتاوي، عبد الله صالح، وغيرهم. والمسرح لم يرتبط بكيانات. والجهد الفردي مداه قصير. مثلا حسين المسلم يبذل كل طاقاته من أجل حراك مسرحي في الكويت. في السعودية فهد ردة الحارثي، سامي الجمعان، راشد الورثان وعدد آخر من الزملاء. الجهد الشخصي يعتمد على قدرات الفرد، وعشقه للإبداع المسرحي، ممثلا، مخرجا، مؤلفا، لذا فإن ظهور واختفاء المسرح مرتبط أيضا بصاحب القرار في المؤسسات الرسمية. هناك من يعشق المسرح ويبارك كل الخطوات، وهناك من يرى في المسرح رجسا من عمل الشيطان!

* ما المعضلة التي تواجه المسرحيين الخليجيين بشكل عام؟
- أخشى ما أخشاه أن يثور الجميع على هذا الرد؛ فالمعضلة الأهم هي في الجهاز السحري: «التلفزيون» وإغراءاته، كذلك نتساءل: هل هناك دعم مؤسساتي أو من شركات أو من الحكومة لدعم العروض؟ نعم هناك معضلات عدة أبرزها في تصوري يتمثل في: مكان العرض، ارتفاع أجور الفنانين، قلة أيام العرض، ولذا يهرب المنتج بجلده إلا في المناسبات في الأعياد أو يقدم بعض الكوميديا الرخيصة التي تعتمد على التهريج أو مسرحيات الأطفال.

* في قطر هناك جيل مسرحي جديد يعبر عن موهبته في مهرجان المسرح الشبابي، هل تعول على جيل الشباب في أن ينهض بالمسرح؟
- نعم.. البركة في الجيل المسرحي الشبابي، ولكن هؤلاء في أمس الحاجة إلى رعاية وأن تجري إقامة ورش لهم تحت إشراف متخصصين وليس (نصابين). نحن في حاجة إلى هاني صنوبر آخر وإلى عوني كرومي، وعبد المنعم عيسى، وصفوت الغشم، لأننا شبعنا من النصب والاحتيال، نريد ورشا ودورات حقيقية لهم، لأنهم يملكون الإرادة وحب المسرح ويجتهدون ويشكلون النواة الحقيقية للمسرح. أما الشباب فالمسرح الآن مرتهن بجهدهم. ولكن هناك من يهبط من عزائمهم. كانت المأساة مثلا أن يجري ترشيح اسم مكرم في المهرجان الشبابي الأخير في الكويت ويستبعد اسم فهد الباكر، أحمد مفتاح، على الخلف، محمد حسن المحمدي، فيصل رشيد وغيرهم هذا الأمر خلق فجوة حقيقية في ذاكرة الشباب. ومع هذا فإن هذا الأمر لم يوقف عزيمتهم.

الهوية الثقافية
* هناك عشرات الفعاليات تقدم في الدوحة، من الأوبرا إلى فنون الاستعراض لفرق عالمية، إلى الفن التشكيلي، والمسرحي، لكن إزاء ذلك لا نجد حراكا ثقافيا يعبر عن الشخصية القطرية؟
- الثقافة في مجملها كم تراكمي.. هناك جهات عدة تحاول خلق وشائج مع الثقافة مثل نادي الجسرة الثقافي الاجتماعي، كما أن وجود الإخوة العرب من شعراء وفنانين يخلق حالة. وهي تجسد حالة قطرية. أما عن الشخصية القطرية فإن هناك باحثين في كل المجالات. يخلقون تواصلا لنبش الماضي في كل فنون الإبداع، شعرا ونثرا، من أمثال علي شبيب المناعي، وعلي فياض، والشعراء محمد خليفة العطية، محمد المرزوقي، علي عبد الله الأنصاري.. في الفن التشكيلي لدينا كوكبة من أبرز الفنانين وهم يوسف أحمد، سلمان المالك، علي حسن، وفيقة سلطان، هنادي الدرويش، أمل العاثم، محمد عتيق، وحسن الملا، وغيرهم.. هل هؤلاء لا يعبرون عن الحراك الثقافي وعن الشخصية القطرية في جل أعمالهم بجانب الكاتبات مثل الدكتورة هدى النعيمي، دلال خليفة، مريم آل سعد، نورة آل سعد، جمال فايز، محسن الهاجري وعشرات الأسماء؟ ولكن هؤلاء محصورون في الإطار المحلي. ولا ينفض الغبار عن هذه الأسماء في الملتقيات الفكرية خارج الحدود لأن تلك الرحلات الصيفية والشتوية يتزعمها رفقاء ذلك المسؤول الذي لا يربطه بالثقافة سوى اسمه!

* أصبحت قطر تحتضن مؤسسات ثقافية ذات طابع عالمي، مثل مشروع الحي الثقافي (كتارا) مع الانفتاح على الثقافة والفنون العالمية، هل تشعر أن قطر يمكنها أن تصيغ معالم هوية ثقافية عالمية؟
- بالكم التراكمي نعم، نحن في عصر آخر، الوسائط تدفع بكل الفنون باتجاه بعضها البعض، وكما حققت قطر تقدما عربيا خليجيا في المجال الاقتصادي والسياسي والرياضي، فإن تحقيق الأمر في هذا الإطار ليس بمستبعد، ولكن هذا يحتاج إلى سنوات وسنوات، ولكن البنية التحتية المتمثلة في الحي الثقافي والمتحف الإسلامي والجامعات المختلفة تسهم الآن في خلق وشائج مع الفنون والإبداع عبر خريطة العالم المتحضر. ولا أعتقد أن هذا الأمر مستبعد في ظل تلاقي وتلاقح الحضارات عبر الكثير من العواصم الخليجية الأخرى، ولكن كما أسلفت، الأمر لا يمكن أن يتحقق بين ليلة وضحاها، لأن الثقافة في شمولية المفردة مجالها أكبر بكثير من التصور الآني. كما أن الاتفاقيات مع دور النشر العالمية والمتاحف الكبيرة. ودعوة الفعاليات الفنية جزء من رسالة الثقافة القطرية المحلية.

* على ماذا تتكئ كل هذه الفعاليات المعبرة عن هويات وجنسيات عالمية، إذا كان نصيب الإنتاج القطري ما زال محدودا؟
- هل نتوقف ونتجمد ونبكي على اللبن المسكوب؟! الفن والإبداع لا وطن له، والعالم تحول إلى قرية، أنت تقرأ ماركيز الآن، وتشاهد أوبرا عايدة وكنت تستمع إلى بافاروتي، وترى وتشاهد الاستعراضات الهندية وفرق أفريقيا والباليه الروسي.. فهل علينا أن نبتعد عن مشاهدة لوحات رفائيل وسلف دور دالي وموسيقى خاتشو دريان ونكره بتهوفن وباخ وشوبان وأم كلثوم وقارئة المقام فريدة وحسين الأعظمي؟ الفنون حلقات.. دعنا نرَ ونشاهد الآخر، دعنا نقلد، وكما أسلفت ذات يوم، سيتحول الأمر إلى واقع ملموس.. هل لدينا سينما خليجية؟ مع هذا، هناك مهرجانات في مسقط ودبي، أبوظبي، البحرين، الكويت، ولدينا فعاليات سينمائية وأنتجنا فيلما بإخراج قطري وممثلين قطريين. مشوار الألف ميل كما قيل يبدأ بخطوة.. دعنا نخطُ هذه الخطوة، لعلنا ذات مساء نصل إلى مبتغانا. دعنا نعمل، نجتهد. قد نخطئ، ولكن لا بد من المحاولة، لقد جرب أديسون ألف مرة، ونجح أخيرا، ومحاولاتنا لاكتساب الخبرات مستمرة.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».