انطلاق «جنيف 5» وسط أجواء مشحونة واختلاف على الأولويات

المعارضة تنتظر «مؤشراً حقيقياً» على التزام الحل السياسي... ورئيس وفد النظام يوزع الاتهامات يميناً ويساراً... ودي ميستورا الأحد في عمّان

لقطة من جنيف أمس حيث التقى وفد «الهيئة العليا للمفاوضات» بدي ميستورا (أ.ف.ب)
لقطة من جنيف أمس حيث التقى وفد «الهيئة العليا للمفاوضات» بدي ميستورا (أ.ف.ب)
TT

انطلاق «جنيف 5» وسط أجواء مشحونة واختلاف على الأولويات

لقطة من جنيف أمس حيث التقى وفد «الهيئة العليا للمفاوضات» بدي ميستورا (أ.ف.ب)
لقطة من جنيف أمس حيث التقى وفد «الهيئة العليا للمفاوضات» بدي ميستورا (أ.ف.ب)

خفض المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا سقف التوقعات المرتقبة لجولة المحادثات الجديدة في جنيف حول سوريا، مستبعدا حصول «معجزات»، ما يذكر بما قاله قبل انطلاق الجولة الرابعة منها. لكنه بالمقابل أكد، في المؤتمر الصحافي الذي ختم اجتماعات أمس المطولة في قصر الأمم، أن محادثاته مع وفد الحكومة ووفود المعارضة «تركزت على المسائل الجوهرية» ولم تعد لتناول موضوع أجندة المحادثات المتفق عليها.
كذلك شرح المبعوث الدولي مطولا «منهج» عمله والطريقة التي يتبعها للتوفيق بين مواقف ومتطلبات الوفود المختلفة بشأن مناقشة «السلال» الأربع، فأكد أنه يترك لكل طرف أن يحدد السلة التي يريد مناقشتها مع الالتزام بمناقشة الملفاتكافة مع الإبقاء على نظام المحادثات غير المباشرة. وأشار دي ميستورا إلى أنه سيلبي دعوة جامعة الدول العربية وسيتوجه إلى العاصمة الأردنية عمّان للالتقاء بوزراء الخارجية العرب الذين لديهم تأثير على الملف السوري، وذلك ليوم واحد على أن يتولى مساعده السفير رمزي عز الدين رمزي قيادة المحادثات في غيابه.
كانت الجولة الخامسة من محادثات جنيف قد انطلقت في أجواء متوترة بسبب الاتهامات المتبادلة وعودة كل طرف إلى التمسك بأولوياته. والتقى المبعوث الدولي دي ميستورا كل الوفود السورية في يوم ماراثوني طويل من المحادثات التي بينت عمق الهوة الفاصلة بين الجانبين. ورغم توصل دي ميستورا، في نهاية الجولة الرابعة إلى بلورة أجندة محادثات تنهض على أربع ملفات - أو «سلال» حسب تعبيره -، فإن اليوم الأول بيّن الفوارق في التفسير وفي الأولويات، ما يهدد ببقاء المحادثات تراوح مكانها، خصوصا أن التصعيد الميداني يهدد أكثر فأكثر اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي أصبح نظريا إلى حد بعيد.
كذلك، فإن مبدأ تناول «السلال» الأربع بـ«التوازي»، وهو «الإنجاز» الذي حققه دي ميستورا، أصبح اليوم مهددا لأن وفد الهيئة العليا للمفاوضات عاد للمطالبة بالتركيز أولا على عملية الانتقال السياسي، في حين يعتبر وفد النظام أن مناقشة ملف الإرهاب له الأولوية. ولقد سعى مساعد المبعوث الدولي السفير رمزي إلى الالتفاف على «المشكلة» باقتراح تناول الملفين الأول والرابع بداية، ثم الثاني والثالث بعد ذلك، ما يمكن أن يرضي النظام والمعارضة معا. وفضلا عن ذلك، فإن التطورات الحاصلة في الحرب على تنظيم داعش الإرهابي المتطرف، التي تؤشر على قرب انطلاق معركة تحرير الرقة، تزيد من خلط الأوراق، لا سيما، أن تركيا تشعر أنها «مستبعدة» منها لصالح ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» ذات الغلبية الكردية، التي تلقى دعما واضحا من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا على السواء.
هذا، وعلم من مكتب دي ميستورا في جنيف، أمس، أن الأخير ينوي التوجه غداً الأحد إلى عمّان للمشاركة في اجتماع وزراء الخارجية العرب التمهيدي للقمة؛ وذلك بغرض «استكمال» المشاورات بشأن الملف السوري، والاطلاع على المواقف العربية. وسبق للمبعوث الدولي أن زار كلاً من الرياض وموسكو وأنقرة، وسعى لزيارة دمشق، لكن النظام السوري رفض استقباله. وقبل ذلك ذهب إلى نيويورك التي انتقل منها إلى واشنطن للقاء المسوؤلين في الإدارة الأميركية الجديدة.
وكما كان متوقعا منذ أن نجحت الضغوط السورية والروسية في الجولة الرابعة من جنيف بفرض ملف الإرهاب، إلى جانب الملفات الثلاثة الأخرى المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 (الحوكمة والدستور والانتخابات)، لجأ وفد النظام السوري برئاسة السفير بشار الجعفري إلى التركيز على الإرهاب، والمطالبة بأن يكون على رأس جدول المحادثات، وذلك في أول لقاء رسمي له مع المبعوث الدولي في مقر الأمم المتحدة في جنيف. واعتبر الجعفري، عقب لقائه دي ميستورا أن «التطورات الحاصلة على الأرض - في إشارات إلى العمليات العسكرية بشرق دمشق وفي محافظة حماة - تستدعي أن نبدأ غدا بسلة مكافحة الإرهاب». وأردف أن الأخير «أبدى تفهما ووافقنا الرأي». لكن الجعفري استدرك الأمر بالقول إن هذا «لا يعني أننا نهمل بقية السلال» لأنها، وفق ما قال: «تتساوى من حيث القيمة».
بيد أن اللهجة الهجومية لرئيس وفد النظام لم تقتصر فقط على أولوية الملفات، بل تعدتها لشن هجوم عنيف على وفد الهيئة العليا للمعارضة الذي دأب على تسميته بـ«منصة الرياض» واعتبار أطرافه «إرهابيين» لأنهم «يتعاملون» مع تنظيم «النصرة» الذي يصنفه مجلس الأمن الدولي إرهابيا. وفي نظره، فإن منصات كهذه «ليست منصات معارضة وطنية بل منصات تخريبية ترعى الإرهاب». وهذا ما يعيد «جنيف 5» إلى ما كان يقوله الجعفري في الجولات السابقة ويطرح علامات استفهام على مدى استعداده للتفاوض مع منصات يصفها بأنها «إرهابية» حسب زعمه. لكن رغم ذلك، أكد رئيس وفد النظام السوري أن وفده لن ينسحب ولا يهدد بالانسحاب؛ لأن «كل الهجمات الإرهابية يجمعها هدف واحد وهو تقويض المحادثات»، إن في آستانة أو في جنيف.
وأبعد من ذلك، وسع الجعفري ما سماه «دائرة الإرهاب» ليضم إليها سبع دول غربية وعربية وإقليمية، هي فرنسا وبريطانيا وتركيا والأردن وقطر والمملكة السعودية وإسرائيل. وخص بريطانيا وفرنسا اللتين اعتبرهما دولتين «ترعيان الإرهاب وتستخدمانه سلاحا سياسيا». بالمقابل، حرص على عدم التطرق للدور الأميركي إلا من زاوية الحط مما تقوم به القوات الأميركية في الحرب على «داعش». وفي هذا السياق، وبينما تشهد جبهة الحرب على «داعش» في الطبقة والرقة تطورات ميدانية بالغة الأهمية تؤشر لانطلاق معركة طرد «داعش»، رأى رئيس وفد نظام بشار الأسد أن الوسيلة الوحيدة الجدية لمحاربة الإرهاب هي «التعاون مع الجيش العربي السوري» (أي جيش نظام الأسد) واصفا القوات الأميركية - وغير الأميركية بأنها «غازية» وأن محاربتها الإرهاب «ادعاء غير صحيح». وفي نظره، فإن من يحارب حقيقة «داعش» هو «الجيش السوري بمساعدة الحلفاء الروس والإيرانيين». وكرر القول، إنه في أي حال، حكومة النظام ترى أن أي هجوم تدعمه الولايات المتحدة أو تركيا «لن يكون مشروعا» ما لم يجر بالتنسيق مع الأسد. بالإضافة إلى ذلك، عدد الفصائل المشاركة في العمليات العسكرية شرق دمشق وفي ريف حماة، التي زعم أنها كلها تأتمر بأوامر «جبهة النصرة»، غالبيتها ممثلة في جنيف وسبق أن حضر بعضها اجتماعي «آستانة 1 و2». وبنظره، فإن كل الفصائل المشاركة في حماة «تأتمر بأوامر المخابرات التركية». ومن جانب آخر، ادعى، بشكل غير مباشر، وجود خلاف بين دمشق ودي ميستورا حال دون توجه الأخير إلى دمشق، ولكن من غير أن يكشف عن طبيعة الخلاف، مكتفيا بالقول إنه «عندما يخرج (دي ميستورا) عن ولايته، فإننا نلفت عنايته بشكل لبق إلى ارتكابه خطأ».
هذا الطرح من قبل النظام قابلته مواقف واضحة وقاطعة للمعارضة السورية ممثلة في وفد الهيئة العليا للمفاوضات الذي يديره نصر الحريري. وقال الناطق باسم الوفد سالم المسلط إن المعارضة تطالب بأمرين: الأول، تناول موضوع الانتقال السياسي «الذي لم يجر التطرق إليه جديا في الجولات السابقة» بشكل مباشر، وهو ما وعد به دي ميستورا الذي طالبه بالوفاء بتعهداته. والثاني، الانطلاق فورا في محادثات «مباشرة» تلافيا لإضاعة الوقت. واعتبر الدكتور يحيى العريضي، مستشار الوفد المعارض المفاوض، أن المطالبة بالتركيز أولا على الانتقال السياسي «منطقي لأنه المظلة التي تحتضن الملفات الأخرى» ولأنه «لا نجاعة في محاربة الإرهاب من غير الانتقال السياسي».
وتجدر الإشارة إلى أن عددا من السفراء الغربيين المكلفين بمتابعة الملف السوري نصحوا وفد الهيئة العليا بقبول الملفات الأربع ومبدأ التوازي ومناقشة ملف الإرهاب واستخدامه من أجل التنديد بالأعمال الإرهابية التي يقوم بها الطرف الآخر والميليشيات التي تدعمه. وقال مصدر فرنسي رسمي رفيع المستوى لـ«الشرق الأوسط»، إن الاجتماع الذي حصل في واشنطن وضم وزراء خارجية فرنسا والسعودية والأردن والإمارات وتركيا تناول هذه النقطة واعتبر أنها «توفر ممسكا» للمعارضة للتنديد بإرهاب الطرف الآخر، أكان على شكل استخدام السلاح الكيماوي أو البراميل المتفجرة أو ما تقوم به الميليشيات المدعومة إيرانيا في سوريا.
وفي كلامه إلى الصحافة عقب اجتماعه بالوفد الذي يرافقه إلى المبعوث الدولي وفريقه، وصف الحريري، رئيس وفد الهيئة العليا، اللقاء بأنه كان «مثمرا» وأنه تركز على موضوع الانتقال السياسي. وقال إن الوفد عرض أفكاره حول تشكيل هيئة الحكم الانتقالي والمؤسسات المرتبطة به. وردا على تركيز الجعفري على «سلة» الإرهاب، رد الحريري بأن سوريا «لن تتخلص من الإرهاب ما لم تتحرر من إرهاب الدولة وإرهاب بشار الأسد». وأفاد الحريري بأنه قدم تقريرا للمبعوث دي ميستورا عن الوضع الإنساني بيّن وقوع 586 قتيلا منذ انتهاء جولة «جنيف 4» واستهداف 9 مدارس و5 أسواق واعتقال 647 شخصا، بينهم 43 سيدة وعشرات الأطفال. وإذ جدد الحريري التزام وفد الهيئة العليا بالحل السياسي، ومفتاحه عملية الانتقال السياسية، أفاد بأنه ينتظر «مؤشرا حقيقيا» على أن الطرف الآخر «النظام» «يشاركنا هذا الالتزام».
في هذه الأثناء، قالت مصادر أوروبية مواكبة لما يجري في جنيف اتصلت بها «الشرق الأوسط» من باريس إن ما جرى في اليوم الأول «ليس سوى مقدمات»، وإن الاختبار الحقيقي سيكون عند البحث في العمق في الملفات الأربع، التي حولها اختلافات عميقة في الفهم والرؤية. واعتبرت المصادر المناقشات ستزداد صعوبة يوما بعد يوم. كذلك نقلت عن المبعوث الدولي أنه يسعى لتحقيق «اختراق» وليس «البقاء على الهامش»، معتبرة أن هذه الجولة ستكون مؤثرة على دور دي ميستورا المستقبلي في الملف السوري. وللعلم، اليوم يلتقي المبعوث الدولي مجددا الأطراف السورية، في حين الاختلاف واضح بين ما يريده وفد النظام وما يشدد عليه وفد الهيئة العليا للمعارضة. وينتظر أن يجتمع دي ميستورا مع ممثلي منصتي القاهرة وموسكو الذين حضروا أيضا إلى جنيف كما فعلوا المرة السابقة.



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.