تساؤلات حول أسباب تحول بعض معتنقي الإسلام إلى التطرف

خالد مسعود كان يهوى ممارسة رياضة كمال الأجسام وهناك سلسلة من الإدانات الجنائية بحقه... و {اسكوتلنديارد} توزع أول صورة رسمية له

ضابط شرطة من {اسكوتلنديارد} ومارة ينظرون إلى أكاليل الورود في موقع الهجوم على البرلمان البريطاني أمس
ضابط شرطة من {اسكوتلنديارد} ومارة ينظرون إلى أكاليل الورود في موقع الهجوم على البرلمان البريطاني أمس
TT

تساؤلات حول أسباب تحول بعض معتنقي الإسلام إلى التطرف

ضابط شرطة من {اسكوتلنديارد} ومارة ينظرون إلى أكاليل الورود في موقع الهجوم على البرلمان البريطاني أمس
ضابط شرطة من {اسكوتلنديارد} ومارة ينظرون إلى أكاليل الورود في موقع الهجوم على البرلمان البريطاني أمس

من عزام الأميركي، قيادي «القاعدة» البارز الذي قتل في غارة طائرة من دون طيار «درون» العام الماضي على الحدود الباكستانية الأفغانية، إلى ريتشارد ريد، مفجر الحذاء المفخخ الذي يقضي عقوبة السجن مدى الحياة، بعد إدانته بمحاولة تفجير طائرة مستخدما وسيلة غير مسبوقة، عن طريق إخفاء المتفجرات في حذائه، ثم خالد مسعود منفذ الهجوم على البرلمان البريطاني الأربعاء الماضي، يثار كثير من الأسئلة عن أسباب تحول بعض معتنقي الإسلام الجدد للتشدد.
وازدادت التساؤلات في أوروبا، أمس، حول ما إذا كان معتنقو الإسلام حديثا أكثر عرضة لقبول الأفكار المتطرفة من المسلمين الأصليين. والغالبية العظمى من المتحولين إلى الإسلام هم من المواطنين المحترمين والملتزمين بالقانون في بلادهم، ولكن هناك أمرا ما يتعلق بتجربة التحول إلى الإسلام، والذي قد يفسر لماذا هناك أقلية من المتحولين إلى الإسلام يجدون الدعاوى المتطرفة شديدة الجاذبية.
ويعتبر آدم غدن، المعروف بعزام الأميركي، أول مواطن أميركي توجه له تهمة الخيانة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد أضيف للائحة المطلوبين للاستجواب في قضايا تتعلق بالحرب على الإرهاب من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي عام 2004، حيث صرح مكتب الـ«إف بي آي»، بأنه «يجري البحث عن هذا الشخص بسبب علاقته المحتملة بتهديدات إرهابية ضد الولايات المتحدة، ولكن لا توجد معلومات عن ارتباط هذا الشخص بأنشطة إرهابية محددة».
وقبل أن يتمكن من قتل ما لا يقل عن 5 أشخاص في أعنف هجوم شهدته بريطانيا منذ تفجيرات لندن التي وقعت عام 2005، كان خالد مسعود يعتبر، من زاوية ضباط الاستخبارات، مجرد مجرم يشكل تهديدا ليس بالخطير.
وكان مسعود، وهو شخص اعتنق الإسلام يعتقد أنه مدرس من مواليد بريطانيا، قد ظهر على هامش التحقيقات السابقة في مجال الإرهاب، والتي جذبت إليه انتباه وكالة الاستخبارات البريطانية (MI5). ولكنه لم يكن قيد التحقيقات عندما اندفع عبر جسر وستمنستر يوم الأربعاء، داهسا المارة بسيارة مستأجرة، قبل أن يهرول إلى مبنى البرلمان البريطاني ويطعن الشرطي غير المسلح طعنة أودت فيما بعد بحياته، ليلقى مصرعه بعد قليل برصاص الشرطة البريطانية.
ويقول خبراء مكافحة الارهاب ان معتنقي الاسلام الجدد الذين تحولوا الى التطرف كان في داخل السجون شديدة الحراسة مثل بيل مارش البريطاني حيث يوجد وحدة خاصة وعنابر للمتشددين».
وعلى الرغم من أن بعضا ممن كان على ارتباط بهم كان يشتبه في حرصهم على السفر للانضمام إلى الجماعات المتطرفة العنيفة في الخارج، فإن مسعود نفسه لم يكن حريصا على ذلك، كما أفاد أحد المصادر الحكومية الأميركية الذي طلب عدم الكشف عن هويته لوكالة الصحافة الفرنسية.
وقالت شرطة لندن في بيان صادر عنها: «لم يكن مسعود خاضعا لأي تحقيقات جارية، وليست هناك أي معلومات استخبارية بشأن نيته لارتكاب أي أعمال إرهابية».
ومع ذلك، فقد كان معروفا للشرطة البريطانية، ولديه مجموعة من الإدانات السابقة بارتكاب عدد من الاعتداءات، بما في ذلك إلحاق الأضرار الجسيمة، وحيازة الأسلحة الهجومية، وجرائم أخرى تتعلق بانتهاك النظام العام.
وأعلن تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليته عن الهجمات التي ارتكبها خالد مسعود، على الرغم من أنه من غير الواضح الروابط – إن وجدت – التي تربطه بالتنظيم الإرهابي الدولي.
ولد القاتل البالغ من العمر 52 عاما في «كنت» إلى الجنوب الشرقي من لندن، وانتقل عبر كثير من العناوين في إنجلترا، على الرغم من أنه كان معروفا عنه إقامته مؤخرا في منطقة برمنغهام في وسط الميدلاند.
وكان معروفا بأسماء مستعارة أخرى كثيرة، وهناك سلسلة من الإدانات الجنائية بحقه، ولكن لم تكن هناك جريمة واحدة منها تتعلق بالتطرف والإرهاب. وكانت مهنته غير واضحة. وكان قد استرعى انتباه السلطات للمرة الأولى في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1983، عندما أدين في جريمة التسبب في أضرار جنائية، بينما صدرت آخر الإدانات بحقه قبل 14 عاما في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2003 لحيازة سلاح أبيض من دون ترخيص.
ويقول الكوماندر مارك راولي، مسؤول فرقة مكافحة الإرهاب في اسكوتلنديارد: «الافتراض القائم لدينا الآن أنه استلهم جريمته من وقائع الإرهاب الدولي. حيث إن الإرهاب المتعلق بالإسلام هو أحد افتراضاتنا الحالية».
وقالت إحدى جيران خالد مسعود السابقين من برمنغهام: «عندما رأيت الصور في التلفاز والصحف للرجل الذي نفذ الهجوم الإرهابي، تعرفت فورا عليه بأنه الرجل الذي اعتاد أن يعيش في الجوار»، مضيفة: «كان لديه طفل صغير، يبلغ من العمر 5 أو 6 أعوام تقريبا. وكانت هناك امرأة تعيش معهما، وكانت امرأة آسيوية يعتقد أنها زوجته. وكان يبدو لطيفا وهادئا، وكان يحب الاعتناء بالحديقة والزهور»، كما قالت إيونا روميك، 45 عاما، للصحافيين في منزلها. وفي ديسمبر، كما قالت، انتقل من المكان على نحو مفاجئ.
وقالت صحيفة «ديلي ميل» إن خالد مسعود كان مولودا باسم أدريان راسيل، وكان تحت رعاية والدته الوحيدة في مدينة راي الواقعة على الساحل الجنوبي لإنجلترا، ثم اعتنق الإسلام في وقت لاحق، وغير اسمه إلى خالد مسعود. فيما قالت بعض التقارير الإخبارية الأخرى إنه تزوج وكان والدا لثلاثة أطفال، وكان يعمل مدرسا ويهوى ممارسة رياضة كمال الأجسام.
من جهته، يقول الشيخ حافظ إكرام الحق رباني، عضو جمعية علماء بريطانيا، إن الكشف عن جذور التطرف، والعنف والإرهاب ومعرفة أسبابه، في نظرنا من أشد الموضوعات خطورة وأثراً، وأجدرها بالدرس المتأني ذي النفس الطويل؛ ذلك لأن المسلمين اليوم وهم يواجهون مشكلات الحضارة وتحديات العصر ومعركة البقاء، لا يواجهون ذلك كله وهم على منهج واحد كما تواجهه الأمم الأخرى، بل هناك مناهج لدينا نشأت أو نبتت من الابتعاد عن المنهج الأمثل، المنهج الحق الذي ارتضاه لنا رب العالمين، يقول عز شأنه: (وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِه).
وأشار الشيخ رباني إلى بطالة وفقر الشباب المسلم من معتنقي الإسلام الجدد، حيث يعيشون في فراغ كبير ولا تتاح لهم أي فرص للمساهمة في معالجة مشكلات الخدمات والمرافق العامة المحلية المحيطة بهم، ويتعرضون بنفس الوقت لخطاب ديني متطرف، ولثقافة ترفض التسامح، فيجدون أنفسهم في حالة تدفعهم دفعا نحو التشدد والعنف. فثقافة عدم التسامح التي يتم اكتسابها أحياناً في المجتمعات الإسلامية في المنزل والمدرسة وأجهزة الإعلام والتواصل الاجتماعي والشارع، تتفاعل مع وجود خطاب ديني «مسيس» ومتطرف يقدمه بعض الوسطاء في المجتمع، ويتبنى رؤية خاصة وتفسيراً خاصاً للمشكلات الداخلية والخارجية، فيساعد على تنمية التطرف والعنف والإرهاب بينهم.
معادٍ لثقافة الاختلاف».
وأضاف رباني أن هناك وسطاء يقومون بنشر الخطاب الآيديولوجي والديني المسيس الذي يحض بشكل مباشر وغير مباشر على التطرف والإرهاب، من علماء الدين وأئمة المساجد، والأساتذة والإداريين ومسؤولي النشاط الرياضي والاجتماعي والثقافي، في المدارس والنوادي.
وقبل 8 سنوات على الأقل، كانت هناك تحذيرات صادرة عن بعض السياسيين النافذين، من أن المتحولين حديثا إلى الإسلام يشكلون تهديدا خاصا على أمن بريطانيا. وعند استعراض سياسات مكافحة الإرهاب، كانت هناك إشارات خاصة إلى المتحولين إلى الإسلام بأنهم أكثر عرضة للتطرف.
ولقد ساعد المتحولون المسلمون المعروفون بتأكيد الانطباع القائل إن المتحولين حديثا إلى الإسلام يظهرون في الدوائر المتطرفة وبصورة غير متكافئة، فهناك المتحدث باسم تنظيم القاعدة آدم غدن (عزام الأميركي)، وصاحب قنبلة الحذاء ريتشارد ريد، وهناك جيرمين ليندسي أحد الانتحاريين في أحداث 7 يوليو (تموز) في بريطانيا، ونيكي رايلي الذي حاول تنفيذ عملية انتحارية إرهابية في عام 2009. وفي الآونة الأخيرة، هناك ريتشارد دارت الذي أدين باتهامات تتعلق بالإرهاب. ومن المهم التأكيد على أنه من بين نحو 5000 متحول إلى الإسلام في كل عام، اعتنق أغلبهم دين الإسلام بعد استلهام واضح لعقيدة التوحيد، وتوجيهاتها الأخلاقية، وإطارها الشامل.
وتم اكتشاف 3 من معتنقي الإسلام ضمن الانتحاريين الـ24 الذين اعتقلتهم السلطات البريطانية في مؤامرة «الإرهاب السائل» لتفجير 10 طائرات عبر الأطلسي 2006. وكان الرجال الثلاثة، إلى جانب 5 آخرين، وجميعهم مسلمون من أصول آسيوية، قد اعتقلوا في أغسطس (آب) 2006 بتهمة التخطيط لتفجير طائرات خلال رحلتها من لندن إلى كل من الولايات المتحدة الأميركية وكندا، وسط تساؤلات لمحاولة معرفة الغموض الذي يدفع بعض من تعرف على الإسلام خلال فترة وجيزة إلى التيار الأصولي.
ودون ستيوارت وايت الذي تحول إلى عبد الواحد (21 عاما) أحد الذين اعتقلوا في خلية «الإرهاب السائل»، دخل الإسلام قبل 6 أشهر فقط، عن طريق اثنين من زملائه في الدراسة، وهما أيضا الآن ضمن المعتقلين.
ويبحث المحققون اليوم في شرطة اسكوتلنديارد عن الأسباب التي دفعت عبد الواحد إلى قلب الخلية الباكستانية ومعظم عناصرها من أصول كشميرية، التي خططت لتفجير 10 طائرات عبر الأطلسي. وسلط المخطط الأضواء مجددا على معتنقي الإسلام الجدد وعلاقة بعضهم بمخططات إرهابية.
وتتخوف الشرطة البريطانية من تطرف معتنقي الإسلام الجدد؛ لأنها لا تستطيع رصدهم بسهولة؛ لأنهم من أهل هذه البلاد، وكذلك لأن الشرطة ليست لديها ملفات عن الذين دخلوا إلى الإسلام. وأيضا لأن الأصوليين الذين يحملون جوازات سفر بريطانية يمكنهم التنقل بين الدول الأوروبية ودخول الولايات المتحدة من دون الحاجة للحصول على تأشيرة.
وضمن الذين اعتنقوا الإسلام وأدينوا في مخططات إرهابية، زكريا موساوي (فرنسي من أصل مغربي) المتهم الوحيد في هجمات سبتمبر (أيلول) الذي يقضي عقوبة السجن حاليا مدى الحياة، في سجن سوبر ماكس بولاية كولورادو الأميركية.
وتتخوف شرطة اسكوتلنديارد من نموذج ريتشارد ريد، البريطاني الملقب بـ«صاحب الحذاء المتفجر»، الذي اعتنق الإسلام بينما كان يقضي حكما بالسجن، وكذلك من نموذج ديفيد هيكس الذي يعرف باسم «الطالباني الأسترالي» المعتقل حاليا في معسكر غوانتانامو. ويقضي ريد حاليا عقوبة السجن مدى الحياة لإدانته بمحاولة تفجير رحلة طيران عبر الأطلسي، بواسطة قنبلة كانت مخبأة في حذائه عام 2001.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.