فيلم ستانلي كوبريك حول الحرب الباردة وخطر الإبادة الذي لا يغيب

خمسون سنة على أول قنبلة نووية فوق موسكو

ستانلي كوبريك
ستانلي كوبريك
TT

فيلم ستانلي كوبريك حول الحرب الباردة وخطر الإبادة الذي لا يغيب

ستانلي كوبريك
ستانلي كوبريك

الظروف التي أدّت إلى إلقاء قنبلة نووية على مدينة موسكو السوفياتية سنة 1964 ما زالت مثيرة للدهشة، خصوصا أن الصاروخ الفاتك خرج من مخزنه في الطائرة التي جرى إرسالها للمهمّة، وقد ركب عليها ملاح الطائرة. كان قد وصل إلى مشارف المدينة، وحاول إطلاق القنبلة، لكن زر الإطلاق لم يعمل. الطريقة الوحيدة التي بقيت أمام الملاح، وهو المايجور كينغ كونغ، كما اسمه، هو أن يخرج من الطائرة إلى حيث الصاروخ، ويطلقه يدويا. وها هو ينطلق فعلا باستثناء أن كينغ كونغ راكب فوقه.
اللحظة مخيفة، لكن كينغ كونغ لا يهاب، وها هو يرفع قبعته التكساسية العريضة ويطلق الصرخة «هييييي هااااا».
لبعض من وُلد بعد 1964، لا بد من الإسراع للقول إن هذه الحادثة وقعت في السينما فقط. في العام الذي سبق، أنجز المخرج الراحل ستانلي كوبريك (1928 - 1999) فيلمه العاشر «دكتور سترانجلوف: أو كيف توقّفت عن القلق وأحببت القنبلة»، الذي شهد عرضه الأول عالميا في الـ29 من شهر يناير (كانون الثاني)، الذي لا يزال يعني الكثير لمن شاهده في أي سنة تلت بعد ذلك، وإلى اليوم. خمسون سنة من عمر فيلم لاهٍ، ساخر، سوريالي المواقف، يحب زكزكة المواقف والوخز في الخواصر، والفيلم لا يزال حاضرا. لماذا يغيب والأوضاع التي استوجبته ما زالت بدورها حاضرة؟
ثم إنه ليس أي فيلم لاهٍ، ساخر، سوريالي المواقف ويحب الزكزكة والوخز، بل هو من إخراج واحد من كبار فناني العصر. قبله كان ستانلي كوبريك أسس نفسه تدريجيا، لكن بأفلام قليلة. حقق فيلمه الأول «الأب الطائر» سنة 1951، وكان تسجيليا قصيرا حول رحلة أب مكسيكي عائد إلى بلدته، وفيلمه الروائي الأول «يوم القتال». بعد عامين عاد بفيلم ركيك الصنعة لكنه يوفّر بعض ما ستقوم عليه سينماه، وهو «خوف ورغبة». مثل غالبية أفلامه اللاحقة، كان عن الفرد والحرب. في عام 1953 أيضا أخرج وصوّر «البحارون»، قبل أن ينتقل سنة 1955 إلى «قبلة القاتل» عن سيناريو كتبه. فيلمه الأهم في تلك الحقبة خرج سنة 1956، وتبلور بوصفه أحد أفضل أفلام العقد البوليسية بأسره، وهو «القتل» مع سترلينغ هايدن وزمرته من اللصوص الذين يحاولون درء الفقر والجريمة معا، عبر عملية سرقة غلّة سباق جياد. الكيفية التي اشتغل فيها المخرج على تقديم الأحداث من أكثر من وجهة نظر من دون أن نرى الحدث ذاته مكررا فعل فني سبقه إليه أكيرا كوروساوا في «راشومون» سنة 1950. على ذلك، هناك فرسخ بعيد بين الفيلمين. عودة إلى الحرب وموقف متشدد منها في «ممرات المجد» (1957)، ثم حرب في فترة مختلفة في غضون «سبارتاكوس» (1960)، وبعد «لوليتا» (1962) الهادر إثارة، أنجز «دكتور سترانجلوف». أفلامه الأخرى التي تعاملت والحرب على نحو أو آخر «باري ليندون» (1975) و«سترة معدنية واقية» (1987)، طبعا إلا إذا عددنا أن باقي أعماله («2001: أوديسا الفضاء» و«كلوكوورك أورانج» و«اللمعان»، ثم فيلمه الأخير «عينان مغمضتان باتساع»، هي أفلام حروب على مستوى شخصياتها الفردية على الأقل).

* احذر الماء

* ما جعل «دكتور سترانجلوف» مختلفا (ولا يزال) هو أنه لم يشبه فيلما آخر ولا يزال فريدا من نوعه إلى اليوم. هذا الفيلم الأبيض والأسود الخارج من ثنايا الحرب الباردة التي نعاود حضورها هذه الأيام، يدور حول جنرال جاك ريبر (سترلينغ هايدن) الذي أمر بإرسال طائرة B‪ - ‬52، وكان لها «طنة ورنّة» بين أسلحة الطائرات المختلفة، لكي تدك الاتحاد السوفياتي بقنبلة نووية. المشكلة هي أن مثل هذا الأمر لا يمكن رده. تحت أي ظرف لا يمكن لكينغ كونغ أن يتخلى عن مهمته حتى ولو كان ذلك بناء على طلب من رئيس الجمهورية بنفسه.
الخاطر مخيف، لكن القصة، كما كتبها بيتر جورج تحت عنوان «إنذار أحمر»، واقتبسها كوبريك وتيري ساذرن إلى سيناريو، تقوم على هذا الاحتمال وتداعياته. ها هي الطائرة ماضية في مهمتها لتقطع المسافة بين أميركا وروسيا في الحين الذي جمع رئيس الجمهورية (كما قام به بيتر سلرز) بمجلسه العسكري داعيا إليه الجنرال بك تورغدسون (جورج س. سكوت) والسفير الروسي أليكسي دي سادسكي (بيتر بول) ودكتور سترانجلوف (بيتر سلرز أيضا)، الاستراتيجي المقعد الذي بات أقرب إلى الروبوت نظرا لتعدد إصاباته التي سببت له أشكال شلل مختلفة.
في الوقت ذاته، هناك الكابتن ليونيل (بيتر سلرز أيضا وأيضا) الذي يطرق مكتب الجنرال ريبر ليتباحث وإياه عما قام به من فعلة. ريبر (يبيّن الفيلم) عسكري مهووس بالمؤامرة الشيوعية التي يراها استولت على القرار الإداري في البيت الأبيض (هناك من يتهم باراك أوباما بذلك اليوم). بل هو يؤمن بأن ماء الشرب مسممة بعنصر كيماوي من شأنه تحويل الشارب عن مبادئه الأميركية. حين يشن الجيش هجوما على مقر قيادة الجنرال للقبض عليه، يتأكد له أن نظرية المؤامرة التي يؤمن بها صحيحة.
الرئيس مافلي يتصل بالرئيس الروسي (نسمعه صوتا فقط) ويناديه بالصديق، ويبدأ قوله له بأن هناك خبرا غير سار عليه أن يطلعه عليه، ثم يختار العبارات الموجزة والدالة معا مبلغا إياه أن أحد قياداته العسكرية أعطى أمرا لطائرة محمّلة بالقنبلة بالتوجه إلى الأراضي الروسية وإلقائها. خلال ثورة الرئيس الروسي يؤكد الرئيس الأميركي له أنه لا يستطيع فعل أي شيء، لكنه يرجو منه أن يسقط الطائرة إذا ما استطاع.
كل هذا والمايجور كينغ كونغ (دور رائع لممثل أفلام الوسترن المساند سليم بيكنز) عازم على إنجاز المهمّة، غير آبه عندما يركب القنبلة، كما لو كان حصانا رابطا مصيره بمصيرها.

* مفاتيح

* إذ خرج الفيلم في أوج الأزمات الأميركية - السوفياتية حمل تحذيرا مخيفا في طيّات كوميديته؛ لو قامت الحرب (وكانت أصابع كل طرف مستعدة لكبس الزر أكثر من مرة) لانتهت الحياة، لا في أميركا وروسيا فقط، بل في الدول والمناخات المجاورة. براعة كوبريك أنه لم ينجز هذا التحذير خطابيا، بل صوّره كما لو كان مجموعة من رسومات الكرتون المسلسلة. ليس هناك من موقف اعتراف، ولا من موقف شعور بذنب (باستثناء قرار الجنرال ريبر الانتحار، وقد لا يرجع الأمر إلى هذا الشعور أساسا)، ولا حوار بين أي عدد من الأشخاص يتبادلون فيه الرأي. ما هو هناك حكاية تُتلى لتصوير خطر عاش الجميع مخاوفه وخاض التفكير في عواقبه.
يفتح الفيلم جبهة الحديث عن مبادئ السياسة القائمة على مفاهيم هي بمثابة مفاتيح يستخدمها المتطرّفون. هذه المفاتيح يمكن جمعها تحت مظلة «عمليات نشر الذعر الممنهج» و«سياسة الردع» و«الضربة الوقائية الضرورية». كون الفيلم أميركيا (كما مخرجه) جعله يتحدّث عن جانبه هو، لكنه لم يغفل (في الحوار) الجانب الآخر.
هناك حوار يقوم به السفير الروسي مبيّنا كيف أن سباق التسلح هو الذي أوصل القيادة إلى قرار سمّوه «برنامج يوم القيامة». ما يحدث أمامنا في الحظيرة السياسية الأميركية يحدث مقابله في تلك الروسية.
الجنرال ريبر (هايدن) ليس وحده في موقفه المعادي، بل يؤيده في ذلك (من دون مشهد يجمعهما) الجنرال بك (سكوت)، الذي يحاول دفع الرئيس إلى تبني الهجوم المسبق وإطلاق قنابل أخرى بقوله: «علينا على نحو متصاعد الحذر منهم. علينا، مستر برزيدانت، أن لا نسمح بثغرة متفجرة».
لحين قريب، كان يمكن القول إن الحرب الباردة انتهت، لكن حتى لو انتهت فإن خطر اشتعال الجبهة النووية ما زال في الخلفية. مع وجود أكثر من عشرين مليون قذيفة نووية لأرض يكفيها عشر لمحوها.. ما زلنا نعيش فيلم «دكتور سترانجلوف» لحظة بلحظة.



ريما المسمار: تنوُّع الأصوات شرط لتطوُّر السينما العربية

من «المحطة» (سكرين بروجكت)
من «المحطة» (سكرين بروجكت)
TT

ريما المسمار: تنوُّع الأصوات شرط لتطوُّر السينما العربية

من «المحطة» (سكرين بروجكت)
من «المحطة» (سكرين بروجكت)

أضافت ريما المسمار صوتاً ثقافياً لامعاً عندما بدأت كتابة النقد السينمائي في أواخر التسعينات ومطلع العشرية الأولى من هذا القرن. لم يكن صوتاً نسائياً فقط، بل كان صوتاً يعكس ثقافتها وحبَّها للسينما وجدِّية طرحها. هذا قبل أن تتسلَّم الإدارة التنفيذية للصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق» عام 2016. ومنذ ذلك الحين أصبح حضورها أكبر على مستوى العمل السينمائي. تركت النقد، وهي تدرك أهميته في تأسيس كيان سينمائي أشمل، وتصفه بأنه «جزء سياسي من ثقافة السينما».

ريما المسمار المديرة التنفيذية للصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق» (غيتي)

«شورت شورتيز»

> إذا نظرنا إلى السنوات الخمس الماضية على الأقل، ما أبرز إنجازات «آفاق» من وجهة نظرك؟

- يتمثَّل أحد أبرز إنجازات «آفاق» في الاستمرار بدعم الفنون والثقافة في ظل ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية صعبة جداً، لضمان استمرار الفنانين وصانعي الأفلام في تطوير أعمالهم وسرد قصصهم ومشاركتها مع جماهير داخل المنطقة وخارجها. كما عملت «آفاق» على توسيع دورها من مؤسسة مانحة إلى جهة تبني منظومة ثقافية متكاملة تشمل التدريب والإرشاد والبحث والدعم المؤسسي. إضافة إلى ذلك، فقد ساهمت «آفاق» في تعزيز شراكات إقليمية ودولية لدعم الفنانين والممارسين الثقافيين في مختلف التخصصات، مما انعكس على ارتفاع حضور الأفلام والمبدعين العرب في المهرجانات والمنصات العالمية، وتعزيز حضور السرد العربي على المستوى الدولي.

> أخيراً، قدَّمت «نتفليكس» النسخة الثالثة من «نساء في عالم السينما» التي أنتجتها «آفاق». ما نتائج النسختين السابقتين التي أدَّت إلى استمرار هذا التعاون؟

- أظهرت نجاحات النسختين السابقتين وجود حاجة واضحة إلى دعم دائم لصانعات الأفلام العربيات الصاعدات. استفادت المشاركات ليس فقط من التدريب، بل أيضاً من الإرشاد المهني وتبادل التجارب والرؤى الإبداعية، والتعرُّف إلى شبكات المبدعين في المجال. كما واصل عدد من المشاركات تطوير مشروعاتهن بشكل احترافي بعد انتهاء البرنامج، مثل الأردنية عائشة شحالتوغ، مخرجة «ثورة غضب» الذي طُوِّر ضمن إحدى النسخ السابقة، واختير مؤخراً للعرض الأول في آسيا ضمن مهرجان «شورت شورتيز» السينمائي الآسيوي في اليابان. ويعكس استمرار التعاون بين «نتفليكس» و«آفاق» التزاماً مشتركاً بدعم المواهب النسائية العربية، وتمكين أصوات جديدة من الوصول إلى المشهد السينمائي.

> تبعاً لذلك، كيف ترين قدرة السينما العربية الجديدة على استيعاب المواهب النسائية أمام الكاميرا أو خلفها؟

- شهدت السينما العربية تقدماً ملحوظاً في السنوات الأخيرة من حيث الحضور والمشاركة، إذ أصبح مزيد من النساء يعملن في الإخراج والكتابة والإنتاج والمجالات التقنية التي كانت أقل إتاحة سابقاً. كما باتت السينما في المنطقة أكثر تقبلاً لوجهات النظر الجديدة والتجارب المختلفة، مما يخلق مساحة أكثر ملاءمة لقصصٍ تقودها النساء. مع ذلك، لا تزال هناك تحديات تتعلق بالتمويل والاستمرارية وفرص الإرشاد والتطوير المهني. ويبقى التغيير الحقيقي مرتبطاً بتمثيل النساء، ليس فقط إبداعياً، بل أيضاً على المستوى البنيوي داخل الصناعة.

> هل ترين أن دور «آفاق» مكرَّس لخدمة المرأة في السينما، أم أنه دور يهدف أيضاً إلى تعزيز حضور السينما العربية ككل؟

- تتجاوز رسالة «آفاق» دعم النساء فقط، فهي تهدف أساساً إلى تعزيز الفنون والثقافة بجميع أشكالها في العالم العربي. ويأتي دعم صانعات الأفلام ضمن رؤية أوسع لبناء منظومة ثقافية أكثر شمولاً وتنوعاً واستدامة. فالسينما العربية لا يمكن أن تتطوَّر بشكل كامل إذا بقيت بعض الأصوات غير ممثَّلة بالشكل الكافي. وبالتالي، تُسهم مبادرات مثل «مختبر الفيلم القصير» في تعزيز تمثيل النساء، وفي الوقت نفسه في تطوير السينما العربية ككل.

«ثورة غضب» (نتفليكس)

منظومة نسائية

> هل تشجيع الخبرات والمواهب النسائية، في نظرك، مسألة منفصلة عن وضع السينما العربية عامة؟

- من وجهة نظري، هما مترابطان بشكل عميق. فدعم صانعات الأفلام جزء من تعزيز صحة وتنوع المنظومة السينمائية بأكملها. فكلما زاد تمثيل الأصوات المختلفة، أصبحت الصناعة أكثر ثراءً وديناميكية، وأكثر تعبيراً عن المجتمع. كما أن تشجيع مشاركة النساء يُسهم في توسيع نطاق سرد القصص وإثراء السرديات الثقافية.

> من هنَّ مخرجات وكاتبات المستقبل من خلال متابعتك لنشاطاتهن في السنوات الأخيرة؟

- هناك جيل لافت من صانعات الأفلام الصاعدات في المنطقة اليوم، لا يتميز فقط بجودة الأعمال، بل أيضاً بتنوع الأصوات والموضوعات والأساليب السينمائية. ومؤخراً، في مهرجان «كان» العام الحالي، عُرضت 3 مشروعات كانت قد تلقَّت الدعم من «آفاق» بقيادة نسائية، من بينها المخرجة سارة ريما التي عُرض فيلمها «مقنين» (À quoi rêvent les Maknines) بوصفه الفيلم الجزائري الوحيد المشارك في مهرجان «كان» هذا العام. كما شاركت سارة إسحاق بفيلمها «المحطة»، وهو أول فيلم يمني يُعرض في مهرجان «كان». وقد برز أيضاً عدد من المخرجات اللواتي يقدمن أعمالاً جريئة ومختلفة. لكن الأهم من ذكر أسماء محددة هو الإقرار بأن ظهور هذا الجيل بأكمله يُعيد تشكيل مستقبل السينما العربية بشكل جماعي.

> نشأتِ ناقدة سينمائية معروفة قبل دخولك هذا المعترك. هل هناك من حنين إلى ممارسة النقد السينمائي بوصفه جزءاً أساسياً من الثقافة السينمائية؟

- يظل النقد السينمائي جزءاً أساسياً من ثقافة السينما، لأنه يخلق مساحة للتأمل والحوار والتفاعل العميق مع الأفلام. كما يُساعد النقد في وضع السينما ضمن سياقات اجتماعية وسياسية وفنية أوسع. ورغم أن دوري اليوم مختلف، فإن هذا البعد النقدي ما زال يؤثر في طريقة تفكيري تجاه السينما والسرد والإنتاج الثقافي.

تؤكد ريما أن 3 مشروعات مدعومة من «آفاق» بقيادة نسائية شاركت في مهرجان «كان» هذا العام


4 أفلام أنيميشن من مهرجان «أنيسي» الفرنسي

«عازفة الكمان» (ملف مهرجان أنيسي)
«عازفة الكمان» (ملف مهرجان أنيسي)
TT

4 أفلام أنيميشن من مهرجان «أنيسي» الفرنسي

«عازفة الكمان» (ملف مهرجان أنيسي)
«عازفة الكمان» (ملف مهرجان أنيسي)

THE VIOLINIST

• إخراج: راؤول غارسيا، وإرفين هان

(جيد)

• إسبانيا، سنغافورة (2026) | جائزة أفضل فيلم أنيميشن طويل في مهرجان «أنيسي»

على عكس ما تعرضه صالات السينما من أفلام «الأنيميشن» تكاد تتساوى في السقوط بين القبول والركاكة، تزخر أفلام مهرجان «أنيسي»، المتخصص في سينما «الأنيميشن»، بعدد وفير من الأعمال التي تقوم على تفاعل لافت بين الرسم والتسجيل، وبين الرسم والدراما. وهي ليست أفلاماً للتسلية؛ ولذلك تتحرر من هاجس الترفيه.

يُعد «عازفة الكمان» أحد أفضل هذه الأفلام. فهو فيلم درامي يدور حول امرأة تُدعى (فَي) وصبي يُدعى (كاي)، ويتتبع تاريخهما المتشابك مع فترة الغزو الياباني لسنغافورة. الموسيقى والاحتلال هما وجها هذه الحكاية: الأول يمثل الأمل وما يرافقه من حزن، والآخر يكشف عن أثر الغزو في المجتمع عموماً، وفي حياة «فَي» على وجه الخصوص.

لكن الفيلم ليس على المستوى نفسه طوال مدته. فمن ناحية، يقدّم معالجة بصرية جيدة للفترة التاريخية، ومن ناحية أخرى يتراجع مستواه عندما يحاول التوسع في الشخصيات الثانوية؛ إذ يعاملها باهتمام وإتقان أقل.

A NEW DAWN

• إخراج: يوشيتوشي شينوميا

• اليابان (2026)

دراما عن شاب يواجه التقدُّم

(وسط) شهد هذا الفيلم عرضه العالمي الأول في مهرجان برلين الأخير. وهو دراما تتخللها مقاطع غنائية كثيرة، فضلاً عن أحداث تتمحور حول بطله كيتارو، الذي يفاجأ بقرار حكومي يقضي بهدم مصنع للألعاب النارية توارثته عائلته جيلاً بعد جيل. والغاية من ذلك شق طريق يربط هذه المدينة الصغيرة بمدن أخرى. يقرر كيتارو مقاومة القرار.

وسرعان ما يطرح المخرج يوشيتوشي شينوميا، في أول أفلامه الروائية الطويلة، العلاقة بين تمسّك الشاب بإرثه التاريخي، وبين فكرة الانتقال إلى المستقبل. وعلى المشاهد أن يكون محباً للغناء الياباني حتى يتفاعل مع هذا الجانب من الفيلم؛ إذ يشكّل الغناء عنصراً رئيسياً يكاد، إلى جانب الرغبة في توفير أجواء جمالية، يحوّل الحكاية نفسها عنصراً ثانوياً.

«فجر جديد» (ملف مهرجان أنيسي)

THE OBSESSED

• إخراج: واتارو تاكاهاشي

• اليابان (2026)

فانتازيا توفِّر أقل مما تطمح إليه

(وسط)

تتكرر في هذا الفيلم بعض المشكلات التي شابت «فجر جديد» (أعلاه)، مع أنه يمتلك حكاية أكثر إثارة للاهتمام. يدور «الاستحواذ» حول شاب ياباني يُدعى جوزيبي، مهووس بعادات واهتمامات متباينة؛ فهو محقِّق خاص حين يشاء، وجامع فراشات حين يرغب، ومغنٍ في سائر الأوقات. ولو أن المخرج أحسن الموازنة بينها، ورسم خيطاً درامياً واضحاً يربط هذه الاهتمامات ويبررها نفسياً أو درامياً، لبلغ الفيلم مستوى أعلى من مجرد إثارة الغموض حول بطله.

وكما في «فجر جديد»، تطغى الرغبة في إبراز الجماليات البصرية وتنفيذ الأفكار، على الحكاية التي تتحول عنصراً ثانوياً مقارنة ببناء الأجواء. أما الرسم، فيخفق، بحد ذاته، في تقديم إنجاز فني متكامل.

«الـ58» (ملف مهرجان أنيسي)

58th

• إخراج: كارل جوزيف إ. بابا

• الفلبين (2026)

تاريخ سياسي يعود رسماً

(جيد)

في 22 نوفمبر (تشرين الثاني)، وقعت، نتيجة خلاف بين سياسيين في مقاطعة ماغوينداناو بالفلبين، مجزرة مروعة ذهب ضحيتها 58 شخصاً، معظمهم من الصحافيين الذين كانوا يغطون الانتخابات المحلية. يعود الفيلم إلى تلك الحادثة ليركز على ابنة أحد الضحايا، وهي تستعيد ذكرى والدها، ومن خلاله تلك الأحداث.

إنها رينافي موماي، ابنة المصور الصحافي رينالدو موماي، الشخص الوحيد بين الضحايا الـ58 الذي ما زالت جثته مفقودة. ويتخذ الفيلم من رينافي، إلى جانب شخصية مخرج يظهر داخل الأحداث، مدخلاً للعودة إلى الماضي. ولا يخوض في التفاصيل أو يحلل ملابسات الواقعة، لكنه لا يحيد عن هدفه في استحضارها وتسليط الضوء عليها.

وقد أُولي هذا الفيلم عناية كبيرة على صعيد رسم الشخصيات والبيئة المحيطة. استخدم المخرج التصوير الحي، ثم حوّل مشاهده إلى رسوم متحركة، على غرار فيلمي المخرج الأميركي ريتشارد لينكليتر «حياة يقظة» (2001) و«سكانر داركلي» (2006).

ويمنح هذا الأسلوب العمل صلة بالواقع، لكنه يبقى غير مبرر فنياً، ولا ينتمي انتماءً كاملاً إلى فن الرسوم المتحركة. وإلى جانب ذلك، فإن الفيلم منفذ بواقعية شديدة، وتتناسب حكايته مع فيلم روائي مصور بالكاميرا الحية. ومع ذلك، فإن اختيار المخرج تقديمه في قالب أنيميشن يُعد خطوة جريئة، تضاهي في جرأتها أهمية الموضوع الذي يتناوله.


10 أفلام ميَّزت النصف الأول من العام الحالي

رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)
رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)
TT

10 أفلام ميَّزت النصف الأول من العام الحالي

رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)
رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)

حسبة سريعة لأفضل 10 أفلام (من وجهة نظر كاتب هذه السطور) تمّت مشاهدتها منذ مطلع العام. تكشف هذه القائمة، إلى حدٍّ ما، عن استمرار الثراء في تناول الموضوعات الهادفة بأساليب فنية تستحق التقدير، رغم تحديات الذكاء الاصطناعي وطغيان أفلام الأبطال الخارقين وأشكال الترفيه الخالية من القيمة.

الأب وابنه في «الجكارندا» (لو فيلم بيلبوكيه)

1- «الجاكراندا»

إخراج: حسن فرحاني (الجزائر)

رحلة وثائقية يقوم بها المخرج في ذاكرة وحياة والده الكاتب الجزائري أمزيان فرحاني. العنوان هو اسم تلك الأشجار الجميلة التي يحنّ إليها الأب ضمن ما يفتقده من عالم مضى في مدينة تغيّرت عمّا كانت عليه. ليس الفيلم نوستالجيا تكتفي بالمشاعر وتتجنّب العمق، بل هو مزج بين حياة الكاتب ومدينته، يحمل كلٌّ منهما تاريخه ويمضي في مساره.

2- «خروج آمن»

إخراج: محمد حمّاد (مصر)

دراما تدور حول شاب يعمل حارساً لمبنى سكني، محاطاً دوماً بالمشاغل والمشكلات التي يفرضها عليه محيطه. سمعان (يؤديه بإتقان مروان وليد) يعيش مخاوف ووحدة قاسيتين في واقع لا يقل قسوة. لا بطولات ولا انتصارات، ولا حتى إنجازات، في عالم صغير مغلق. يعتمد المخرج إيقاعاً لا يخون رتابة البيئة وطبيعتها، ويعالج بمهارة مخاوف بطله من البيئة الاجتماعية التي تثقل كاهله.

3- «لمن يجرؤ»

إخراج: دانيال عربيد (لبنان، فرنسا)

هذا أفضل فيلم أخرجته دانيال عربيد إلى اليوم. امرأة تنقذ شاباً سودانياً يصغرها بسنوات عدة من اعتداء بدني. تنمو العلاقة العاطفية بينهما سريعاً، إذ يحتاج كلٌّ منهما إلى الآخر في مواجهة رفض المجتمع من منطلق عنصري. هيام عبّاس ما زالت تقدّم جديداً جيداً مع كل دور تؤديه. هي امرأة قوية وعنيدة في مواجهة محيطها الاجتماعي.

فيكتوريا لوينغو وخافيير باردم في «المحبوبة» (كاباللو فيلمز)

4- The Beloved

إخراج: رودريغو سوروغويَن (إسبانيا)

دراما عن مخرج سينمائي صارم (خافيير باردم)، يطلب من ابنته الممثلة أداء بطولة فيلمه المقبل. تنتقل العلاقة المتوترة بينهما في الحياة إلى الفيلم داخل الفيلم الذي نشاهده. يحمل عمل المخرج سوروغويَن سمات موهبة بصرية لافتة؛ فمشاهده حادّة لكنها صادقة، وخافيير باردم يوفّر، بحد ذاته، متعة فنية جمّة.

5- Fatherland

إخراج: بافل بافليكوفسكي

جزء من سيرة حياة الروائي توماس مان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ومحاولته الخروج من أزمات البحث عن الهوية والمكان معاً. يحيط الفيلم بالتوتر القائم بين مان (هانز زيشلر) وبين ابنته (ساندرا هولر). ‬ قد لا يصل الفيلم إلى مستوى أعمال بافليكوفسكي السابقة، لكنه يقترب منها.

6- Flies

إخراج: فرناندو إيميك (المكسيك)

دراسة لشخصية امرأة تجاوزت سن الشباب (ترستينا سانشير)، تعيش وحيدة وتعتمد على نفسها في كل شيء. تضطر إلى تأجير غرفة في منزلها لرجل ترقد زوجته في مستشفى قريب. وتشترط عدم وجود أطفال في الغرفة، لكن الرجل يضطر إلى جلب طفله معه. عندئذٍ تكتشف المرأة معنى لحياة افتقدتها طويلاً. حوار مقتصد وإخراج يعتمد أساساً على دلالات الصورة.

7- In Waves

إخراج: فيونغ ماي نغيووِن (فرنسا)

رسوم متحركة متقنة تقنياً وثريّة الألوان، تنساب بسلاسة لتحكي قصة شاب لا يجيد رياضة ركوب الأمواج، إلى أن تساعده فتاة على اكتسابها. تتغيّر حياته كما لو كان بحاجة إلى يد ترفعه من البراءة إلى الثقة بالنفس. يختلف الفيلم لا في حكايته فحسب، بل أيضاً في أسلوبه الموجّه إلى الراشدين.

تعكس القائمة تنوعاً جغرافياً وفنياً لافتاً يمتد من الجزائر إلى تشيلي

8- The Loneliest Man in Town

إخراج: راينر فريمل وتيزا فيكو (النمسا)

بطل هذا الفيلم رجل تأثر بأغاني «البلوز» التي أدمن سماعها، ويغني ما يحفظه منها في حانة صغيرة أمام جمهور محدود. يعيش وحيداً بلا عائلة ولا أهل ولا أصدقاء، إلى أن يقرر الهجرة إلى أميركا في نهاية الفيلم. إخراج مقتصد لمشاهد لا تؤلف حكاية متكاملة بقدر ما ترسم ملامح حياة رجل وحيد.

9-Project Hail Mary

إخراج: فيل لورد وكريستوفر ميلر

(الولايات المتحدة)

فيلم خيال علمي عن رحلة فضائية يقودها رايان غوسلينغ لمنع جرمٍ كوني يهدد بحجب أشعة الشمس عن الأرض. يجمع الفيلم بين التشويق والمؤثرات البصرية المتقنة وحكاية مؤثرة عن الصداقة، مقدّماً متعة لهواة الخيال العلمي ومعالجة قادرة على استقطاب جمهور أوسع.

10- The Red Hangar

إخراج: خوان بابلو سالاتو (تشيلي)

ضابط مشرف على حظيرة طائرات في تشيلي عام 1973، يجد نفسه تحت سلطة قيادة عسكرية تشن حملة اعتقالات واسعة إثر الانقلاب الذي أطاح بالسلطة السابقة. يتحوّل المكان إلى سجن ومركز للتعذيب، ما يضع الضابط أمام خيارات صعبة. يلتقط المخرج هذه اللحظة المفصلية ويبني عليها ما يدور في أعماق شخصيته.