لو لم يتحايل غاليليو لما بلغتنا كتبه ولأجهضت ثورة بكاملها

الفيلسوف يلبس قناعاً ليكتب في زمن الرقابة

لو لم يتحايل غاليليو لما بلغتنا كتبه ولأجهضت ثورة بكاملها
TT

لو لم يتحايل غاليليو لما بلغتنا كتبه ولأجهضت ثورة بكاملها

لو لم يتحايل غاليليو لما بلغتنا كتبه ولأجهضت ثورة بكاملها

لا تجد الفكرة الثورية قبولاً سريعاً عند الناس إلا بعد نضال طويل. فدائماً تكون الفكرة السابقة عليها مهيمنة ومتغلغلة في نسيج الذهن، إلى درجة أن اقتلاعها أو تغييرها يكون عسيراً جداً. ومن جهة أخرى، يكون ثمن ميلاد الأفكار الجديدة باهظاً على حامليها؛ إذ إن الجماعة العلمية المتشبثة بالأفكار القديمة، لها من السلطة والقوة بحيث تهاجم كل من يقول بعكس ما هو مألوف. لأن الأمر، أحيانا، يهدد مصالحها التي اكتسبتها عبر الزمن. لهذا نجدها تجيش الجمهور ضد كل من يقول بالجديد المشوش على السير المعتاد للأمور. وأحياناً تلجأ هذه الجماعة العلمية بدعم من السلطة، التي دائماً تتزاوج معها ما دامت تشكل الغلاف الآيديولوجي الذي تجري به تعبئة الناس، إلى توجيه الاتهامات إلى المجددين بـالمروق، والخيانة، وإفساد عقول الشباب، والطعن في ثوابت المجتمع، وغير ذلك. وكل هذا يضع ممثلي الأفكار الجديدة في مآزق كبرى. فهم يكونون بين المطرقة والسندان، بين جاذبية الجديد وسحره وإغرائه، باعتباره المثال والخلاص والأمل المنشود بعد طول احتقان، وبين المخاوف من الرقابة وتهديدها لحياتهم. فالمعركة فيها قطع رقاب وتهديد لحق البقاء. فيكون حامل الفكر الثوري ما بين ثلاثة اختيارات، أو لنقل إن هؤلاء الثوريين، هم ثلاث فئات، وهي:
الفئة الأولى: ترضخ للقديم وتقبل بالمعتاد، وتطيع الجماعة العلمية المهيمنة، طلباً للسلامة وإبعاداً للذات عن كل سوء.
الفئة الثانية: تدخل في المواجهة بشكل علني وتجعل الذات قرباناً للمثال المنشود.
الفئة الثالثة: تلجأ إلى التحايل وتمرير الخطابات بشكل سري، والتلميح عوضاً عن التصريح. بعبارة أخرى، يعمد حامل الثورة إلى التحرك بقناع، أي أنه يقوم بارتداء أزياء تنكرية مضمراً تصوراته، وآنذاك، ما على اللبيب إلا أن يقرأ ما تحت السطور ليفهم المقصود.
إذن في لحظات الذروة، حيث المنعطفات التاريخية والانقلابات في تصور الإنسان للعالم، تكون عيون الرقابة على أشدها، لأن الجماعة العلمية الحاضنة للآيديولوجية السائدة تكون خائفة، كما قلنا، على نفسها من الضياع والاندثار. ولمزيد من إلقاء الضوء على هذه اللحظات، سنحاول أن نقف عند نموذج صارخ من الفلاسفة، كتب والخوف يسكن قلبه، واختار أن يكون من الفئة الثالثة، أي من الذين لجأوا إلى التحايل والكتابة المقنعة، إنه «ديكارت» وهنا بيان ذلك:
الفيلسوف المقنع
نشر كوبيرنيكوس في سنة 1543 وهو على فراش الموت، كتاباً هو «في دوران الأجرام السماوية». وهو كتاب يضم نظريته المعروفة بمركزية الشمس. وهي الفكرة التي تم قبولها، بداية، من طرف الكنيسة، نظراً لطابعها الافتراضي، ولما ستسديه من ضبط في التقويم والحسابات الفلكية وتجاوز لعيوب الفلك القديم. لكن الأمر سيلتقطه مغامر وثائر وعبقري، هو مؤسس الفيزياء الحديثة غاليليو (1564 - 1642)، الذي دخل وبعناد شديد، في نزاع مع الكنيسة لمدة عشرين سنة دفاعاً عن الكوبرنيكية. بل هو من زج بها بشكل علني، في الصراع، ببحثه عن الدلائل الملموسة وليس الرياضية فقط، لإثبات مركزية الشمس. ولم يكتف بذلك، بل عمد إلى الكتابة بالإيطالية بدل اللاتينية، لجعل أفكاره تصل إلى عامة الناس، ما كلفه محاكمة مست بكرامته وهو شيخ عجوز، وجعلته يقضي ما تبقى من عمره في إقامة جبرية. وهو ما أثر أيضاً على الفيلسوف ديكارت المعاصر له، الذي طارده شبح غاليليو؛ حيث كان يعتزم إصدار بحثه «العالم»، أو «بحث في الضوء» في سنة 1634. ولكنه بعد أن سمع ما حدث لغاليليو، بسبب تأييده العلني لكوبرنيكوس، قرر أن يحرق أوراقه كافة، أو الاحتفاظ بها لنفسه على الأقل، من دون أن يدع أحداً يطلع عليها. ففي كتابه هذا، يدافع عن دوران الأرض. كان ديكارت لا يريد البتة الدخول في نزاع مع الكنيسة. بل كان يتودد لها عله يربح رهان تعويض الفكر القديم الأرسطي، بفلسفة جديدة ملائمة. الأمر الذي جعله يمسك عن نشر الكتاب الذي لم ير النور إلا بعد وفاته بأكثر من ربع قرن. ولنترك ديكارت يعبر عن مخاوفه في رسالة نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 1633، إلى صديقه الأب مرسن:
يقول فيها: «... أرسلت من يتحرى لي عما إذا كان كتاب (نظام العالم) لغاليليو موجوداً في ليد وأمستردام، لما سمعت من أنه قد طبع في إيطاليا في السنة المنصرمة، جاءني الخبر بأن الكتاب طبع فعلا، ولكن جميع النسخ التي طبعت منه أحرقت في الوقت ذاته بروما، فيما حكم على غاليليو ببعض الغرامة. وهذا ما أدهشني كثيراً، إلى حد أني عقدت العزم أو أكاد على إحراق جميع أوراقي، أو عدم إطلاع أي شخص عليها على الأقل».
ويستمر ديكارت في حديثه: «إني لا أتصور كيف أمكن أن يحال غاليليو، وهو الإيطالي، بل والمرغوب من طرف البابا، على محكمة جنائية، لا لشيء سوى أنه أراد، من دون ريب، أن يثبت حركة الأرض...».
ليصرح ديكارت بعد ذلك، وبعبارة واضحة جدا: «إني لأعترف بأنه إذا كانت فكرة حركة الأرض خاطئة، فإن جميع أسس فلسفتي ستكون باطلة كذلك». ثم يضيف أيضا: «وبما أني لا أحب أن يصدر عني، بأي حال من الأحوال، خطاب به أدنى كلمة مما تستنكره الكنيسة، فإني لأفضل أن ألغي كتابي هذا، على أن أصدره (مبتوراً) معطوباً».
وفي نهاية رسالته، يرجو ديكارت صديق طفولته في مدرسة لا فليش «مرسن» قائلا: «أرجوكم أن تخبروني أيضاً عما تعرفونه عن قضية غاليليو».
وفي رسالة أخرى إلى مرسن، أيضا، في أبريل (نيسان) 1643، يقول: «إنك تعلم من دون شك، أن غاليليو قد أدين منذ وقت قصير، من قبل محكمة التفتيش، وحكم على رأيه المتعلق بحركة الأرض بأنه بدعة...».
ثم يقول أيضا: «ولكني سأقول لك إن كل الأشياء التي شرحتها بمصنفي، ومن بينها، أيضا، هذا الرأي المتعلق بحركة الأرض، يرتبط بعضها ببعض، إلى درجة يكفي معها أن تكون واحدة خاطئة حتى نعلم أن كل الحجج التي اعتمدتها فيه واهية. وعلى الرغم من اعتقادي بأن (هذه الحجج) ترتكز على براهين جد يقينية، وجد جليّة، فإني مع ذلك، لا أريد مهما كان الأمر، أن أؤكدها ضد سلطة الكنيسة...» وعندما قرر ديكارت معاودة الكتابة ثانيا، قال لأصحابه إنه سيتحرك مقنّعا.
إذن، وجراء الخوف من الاصطدام بالكنيسة والجماعة العلمية التي تشتغل في ظلها، والتي تدافع بقوة عن الأطروحة الفلكية القديمة، قرر ديكارت أن لا يكتب بصريح العبارة، بل قرر أن يلجأ إلى أسلوب التلميح. ولتوضيح ذلك، نعطي مؤشراً واحداً وقوياً وهو التالي:
إن القارئ لكتاب «تأملات ميتافيزيقية»، سيعتقد للوهلة الأولى، أن الكتاب يدافع عن الإيمان بالله وبخلود النفس من أجل أغراض لاهوتية. لكن ديكارت كان آخر همه ذلك. فبالنسبة له، فإن مسألة وجود الله وخلقه للعالم، ومسألة خلود النفس، هي مسائل عبارة عن تحصيل حاصل، وأمر مسلم به، ولا يستحق كل ذلك العناء الذي أنجز عبر التاريخ لإثباته، بينما في الحقيقة، كان أكبر همه هو إيجاد أرضية ميتافيزيقية للفيزياء الميكانيكية الناشئة آنذاك، والتي تزعمها غاليليو فلنشرح ذلك:
يصرح ديكارت لصديقه مرسن عن نواياه الحقيقية التي لم يكن يجهر بها: «أقول لك فيما بيننا إن هذه التأملات الستة تتضمن كل الأسس الفيزيائية، لكن يجب كتمان ذلك»، كما أن ديكارت سيعطي لكتابه عنوانين مختلفين. ففي الطبعة الأولى جاء العنوان: «تأملات في الفلسفة الأولى حيث البرهنة على وجود الله وخلود النفس»، وبه إهداء لعمداء اللاهوت بباريس يقول فيه: «وإن كان يكفينا التسليم نحن معشر المؤمنين، بأن ثمة إلهاً وبأن النفس البشرية لا تموت بموت الجسم، فمن غير الممكن أن نجعل الكافرين يسلمون بحقيقة دين ولا حتى بفضيلة أخلاقية، إذا كنا لا نثبت لهم أولا، هاتين المعضلتين بالعقل الطبيعي».
أما عنوان الطبعة الثانية، فكان: «تأملات في الفلسفة الأولى حيث البرهنة على وجود الله والتمييز بين النفس الإنسانية والبدن». وهو موجه للفلاسفة الجدد، أمثال صديقه إسحاق بيكمان، الذي كان يسعى إلى تأسيس الفيزياء على أساس رياضي.
من هذا التغيير، يظهر أن ديكارت لم يكن مهتماً بقضية خلود النفس، التي تعطي الأمل في حياة ثانية بعد الموت. فهذه القضية لم تعد تشغله أبداً. بل كان أكبر همه هو التأسيس لمبدأ «القصور الذاتي»، وإعلان التمايز بين الجسد والنفس، ليس لإغراض لاهوتية بل لأغراض علمية بحتة.
كان ديكارت مؤمناً، لكنه أراد أن ينشئ فلسفة جديدة تتلاءم والمتغيرات العلمية في زمانه. ولما أحس أن طريقته غير مسموح بها دينياً، اختار طريقاً متحايلاً وذكياً، فكتب بقناع وبمراوغة، واستطاع أن يمرر الكثير بغطاء يبدو أنه دفاع عن الدين ولكن هو في الحقيقة دفاع عن العلم الحديث. فعلاقته بالكنيسة كانت استراتيجية فقط. فالفلسفة عنده ليست خادمة للدين بل خادمة للعلم الناشئ.
لقد كان ديكارت يكتب وهو خائف، إلى درجة أنه أصدر كتابه «مقال في المنهج» من دون توقيعه. ومما يثبت أيضاً فزعه من الرقابة، أنه كان لا يفصح عن عنوانه، ويعطي فقط عنوان ناشره أو أحد أصدقائه. بل بعض كتبه لم تنشر إلا بعد موته، ونقصد كتاب «العالم» وكتاب «المحاورة». ناهيك عن أنه كان يحرص على أن يقرأ رجال الدين كتاباته قبل النشر. والأكثر من ذلك، نحن نعلم أنه هاجر إلى هولندا باعتبارها بلد الأمن والتسامح آنذاك، وعاش فيها خلوة لمدة عشرين سنة.
إن ممارسة ديكارت للتقية مع الكنيسة، كان هدفه إتمام مشروع علمي وفلسفي لا يريده أن يتعطل. نعم يتهم البعض ديكارت بالجبن، إلى درجة رواج قضية في العصر الراهن سميت «صمت ديكارت» على أساس عدم دفاعه عن غاليليو. لكن لو لم يتحايل فأكيد لما بلغتنا كتبه ولأجهضت ثورة بكاملها.



رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
TT

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب الكندي - الهاييتي تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابتها. وما لبث هذا الجدل أن تجاوز مصير الرواية نفسها ليطرح سؤالاً وجودياً: كيف نثبت أن نصاً أدبياً من صنع إنسان، حين تعجز الكاشفات الآلية عن الفصل بين إبداع الكاتب وصنيع الخوارزمية؟

الرواية التي فتحت باب الجدل صادرة عن دار «غراسيه»، حازت جائزة مكتبات «فناك»، ورُشّحت للقائمة الأولى لجائزتي «غونكور» و«رونودو». غير أن حساباً مجهولاً على منصة «إكس»، يحمل اسم «افضح مستخدمي كلود»، اتهم الكاتب بتأليفها كلياً تقريباً بواسطة الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى نتائج برنامج «بانغرام» المتخصص في كشف النصوص المولّدة آلياً. وفي ساعات قليلة، تحولت الشبهة إلى زلزال في موسم أدبي كان أوريليان أحد نجومه الصاعدين، فيما تجاوزت مبيعات الرواية 35 ألف نسخة في فرنسا. موقف الكاتب كان سريعاً وقاطعاً، حيث قال إنه يحب الإبداع والكتابة، ولا يرى سبباً يدفعه إلى الاستعانة بآلة خاصة، وإنه بدأ بالتحضير في هذه الرواية منذ 2017، معلناً، بالتعاون مع ناشريه، إعداد ملف يوثّق مراحل ولادة المخطوط. ودافعت دار «غراسيه» عن كاتبها، ووصفت الاتهامات بأنها «أخبار كاذبة»، مشككة في صلاحية أدوات الكشف التي قد تعطي نتائج خاطئة حتى عند اختبار نصوص قديمة.

على أن اختبارات أجرتها وسائل إعلام فرنسية، بينها «لوموند» و«فرانس إنفو»، أظهرت نتائج متناقضة. فبينما أشار برنامج «بانغرام» إلى احتمال يتجاوز 95 في المائة بأن تكون بعض المقاطع مولّدة بالذكاء الاصطناعي، خلصت أدوات أخرى إلى أن المقاطع نفسها كُتبت على الأرجح بواسطة إنسان. هذه المفارقة تكشف عن أن الرقم الذي يظهره الكاشف ليس حكماً نهائياً، بل مجرد تقدير احتمالي يتأثر بطول المقطع، وبطبيعة اللغة، وبدرجة انتظام الأسلوب.

جامير نازير

وتضع هذه التناقضات لجان الجوائز الكبرى أمام مأزق غير مسبوق. فقد أقرّ فيليب كلوديل، رئيس أكاديمية «غونكور»، بأن الأكاديمية لا تملك الوسائل التقنية أو البشرية أو الخبرة العلمية اللازمة للتحقق من استعمال الذكاء الاصطناعي في نص أدبي، داعياً إلى الحذر وعدم التعامل مع نتائج الكاشفات بوصفها أدلة قاطعة. أما الكاتب والعضو في لجنة «غونكور» بيير أسولين، فأكد أن القضية ستُناقش حتماً داخل الأكاديمية.

غير أن السؤال لا يتعلق فقط بإمكان اكتشاف استعمال الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً بحدود سلطة لجان التحكيم. هل يحق للجنة أن تستبعد رواية مرشحة بناء على تقرير آلي قابل للخطأ؟ وهل تُعامل الاستعانة بالآلة في البحث أو الترجمة أو تصحيح اللغة معاملة استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الفقرات والشخصيات والحبكة؟ إن غياب تعريف دقيق لهذه المستويات قد يحوّل الجوائز الأدبية إلى محاكم مفتوحة، يكون فيها الكاتب مطالباً بإثبات براءته بدلاً من أن تكون الجهة المتهمة مطالبة بتقديم الدليل.

وليست قضية أوريليان الأولى من نوعها. فقد وُجّهت، قبل أشهر، تهمة مماثلة إلى الكاتب جامير نازير، الفائز بجائزة أفضل قصة قصيرة في مسابقة تابعة لمؤسسة الكومنولث، قبل أن تبرّئه لجنة التحقيق بعد أسابيع من التدقيق. وفي الولايات المتحدة، دفعت فضائح مشابهة جمعية كتّاب الخيال العلمي والفانتازيا إلى تشديد قواعد جوائز «نيبولا»، وصولاً إلى منع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأعمال المرشحة.

وتشير هذه السوابق إلى أن الجوائز الأدبية قد تتجه مستقبلاً إلى فرض إقرارات رسمية على المؤلفين، لتحديد الأدوات التي استعانوا بها، وطبيعة استخدامها، والمقاطع التي طالها ذلك الاستخدام. وقد تطلب لجان التحكيم، عند وجود شبهة جدية، الاطلاع على المسودات المتتابعة، والملاحظات الشخصية، وسجلّات العمل، والمراسلات مع المحرر. غير أن هذه الإجراءات قد تصطدم بسرّية العملية الإبداعية، وبحق الكاتب في الاحتفاظ بمختبره الداخلي بعيداً عن أعين المؤسسات.

أما دور النشر، فهي مرشحة بدورها لتغيير قواعد التعامل مع المخطوطات. فقد بدأت سياسات جديدة تظهر في قطاع النشر، تقوم على طلب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، والتمييز بين المساعدة التقنية المحدودة وتوليد النص نفسه. ومن بين الدور التي اتخذت خطوات في هذا الاتجاه «بنغوين راندوم هاوس» و«هاربر كولنز»، وهما من كبرى دور النشر الأنغلوسكسونية. وفي المقابل، لم تعتمد دور النشر الفرنسية الكبرى، مثل «غاليمار» و«غراسيه» و«سوي»، حتى الآن سياسات مماثلة معلنة على نطاق شامل، رغم أن الضغط المتصاعد قد يدفعها إلى ذلك قريباً.

وقد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميز المنتجات المصنوعة وفق شروط معينة. غير أن اعتماد مثل هذه الشهادة لن يحل المشكلة كلها. فهل ستقوم على تصريح المؤلف وحده؟ أم على فحص تقني؟ أم على سجل رقمي يرافق الرواية منذ مسودتها الأولى؟ إن الاتجاه الأكثر واقعية لا يبدو قائماً على البحث عن «بصمة آلية» داخل النص، بل على توثيق مسار الكتابة: من فعل ماذا، ومتى، وبأي أداة، وفي أي نسخة؟ وهذا ما يسميه بعض الباحثين «سلسلة حيازة النص»، أي الانتقال من سؤال ثنائي: «هل كتب الإنسان أم الآلة؟» إلى سؤال أكثر دقة: «ما حجم مساهمة كل طرف في كل مرحلة؟».

قد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميّز المنتجات المصنوعة

غير أن أخطر ما في الاعتماد على كاشفات الذكاء الاصطناعي هو احتمال إنتاج شكل جديد من التمييز يمكن تسميته «العنصرية الأدبية الخوارزمية». فهذه البرامج لا تقرأ الأدب كما يقرؤه الناقد، ولا تفهم التجربة التاريخية أو الثقافية التي أنتجت النص، بل تبحث عن مؤشرات إحصائية مثل انتظام الجمل، وتوقّع المفردات، وتكرار البنى، وانخفاض المفاجأة اللغوية. وقد تبدو هذه السمات، بالنسبة إلى البرنامج، علامات على تدخل الآلة، مع أنها قد تكون نتيجة طبيعية لتكوين الكاتب أو للغة التي يكتب بها.

وقد أظهرت دراسات على نصوص كتبها أشخاص غير ناطقين أصلاً بالإنجليزية أن كاشفات عدة صنّفت نسبة كبيرة منها على أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، رغم أنها نصوص بشرية خالصة. ويرتبط ذلك بكون الكاتب الذي تعلم اللغة لاحقاً يميل أحياناً إلى مفردات أكثر شيوعاً، وجمل أكثر انتظاماً، وتراكيب أقل انحرافاً عن القاعدة؛ وهي عناصر قد تفسرها الخوارزمية بوصفها «قابلية للتنبؤ»، لا بوصفها أثراً للتعلم أو لاختيار أسلوبي. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في حالتي جامير نازير، الذي يكتب بالإنجليزية وهو من ترينيداد، وتيليسون أوريليان، المولود في هايتي والذي يكتب بالفرنسية.

وتكتسي هذه المسألة حساسية أكبر في الأدب الفرنكفوني، حيث يكتب كثير من الروائيين بالفرنسية بوصفها لغة ثانية أو ثالثة، ويحملون إلى النص إيقاعات العربية أو الكريولية أو اللغات الأفريقية والكاريبية. فهل يمكن أن يُعاقب الكاتب لأنه يكتب فرنسية معيارية؟ أو لأن أسلوبه لا يشبه الأساليب المكرّسة في المركز الأدبي الباريسي؟ وهل تصبح اللغة الأدبية المقبولة هي تلك التي تبدو «أكثر بشرية» في نظر برنامج صُمّم غالباً على عينات محدودة ومتحيزة؟

يدافع أوريليان عن أسلوبه باعتباره امتداداً لتقاليد سردية هايتية وكاريبية، تتسم بالتكرار والإيقاع والعودة إلى الصور ذاتها. وقد تُقرأ هذه الخصائص، خارج سياقها الثقافي، باعتبارها دليلاً على تدخل آلة تعيد الصياغة أو تكرر الأنماط. هنا لا يعود الخطر تقنياً فقط، بل هو ثقافي أيضاً: فقد تتحول الخوارزمية إلى حارس صامت، يفضّل النصوص التي تقترب من نموذج لغوي واحد، ويشكك في النصوص الهجينة والمهمشة والمكتوبة من أطراف المجال الأدبي.


الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية
TT

الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً. هذا بالضبط ما حدث مع بطلة رواية «أجمل من نجلاء»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب والمخرج الوثائقي المصري شريف سعيد.

تحمل البطلة، وهى صحافية، اسماً لافتاً «نجلاء بهاء الوطن»، وبينما كانت واقفة في مطبخها الصغير وسط باريس تطالع قناة «فوكس نيوز»، وإعلانها عن حوار خاص مع جندي سابق شارك في حرب الخليج الثانية عام 1991 تحت عنوان «أسرار جديدة من حرب عاصفة الصحراء»، حينئذ وجدت نفسها أمام العالم بعد كل هذه السنوات وهي حافية باكية بملابس البيت في طرقات البلدة الحدودية الصحراوية «رفحاء».

على هذه الخلفية الصادمة يسعى المؤلف للغوص عميقاً في دهاليز النفس الإنسانية بتعقيداتها وإشكالياتها من خلال نموذج البطلة الحسناء نجلاء، مقتفياً تحولاتها الجغرافية والثقافية وهى تنتقل من الحارة الشعبية في القاهرة إلى الحدود السعودية العراقية، ثم إلى العاصمة الفرنسية، عبر العديد من الحكايات والقصص التي لا تخلو من مفاجآت مدهشة.

بدا شريف سعيد في هذا النص متأثراً بخلفيته مخرجاً وثائقياً يسعى لأن تروي الصورة البصرية ما لا تستطيع أن تعبر عنه الكلمات، كما يبدي اهتماماً شديداً بالتفاصيل، سواء على مستوى الأماكن أو التكوين النفسي للشخصيات.

من أجواء الرواية نقرأ:

«استطاعت العلامات الموسيقية المتصاعدة من فوق الرصيف وسط رذاذ المطر أن تختطفها من ذكريات طفولتها، وأن تقفز بها سنوات كثيرة إلى الأمام تحديداً نحو ذاك المساء الذي استحالت فيه مطلقة، في هذا اليوم كانت عقارب الساعة تشير إلى انتصاف ليل القاهرة حين دردشتْ معه أول مرة وقد تعاهدا منذ البداية على السرية والخفاء.

منذئذ حرصت نجلاء على ألا تجهر باسمه لأحد فوق هذا الكوكب. قبل هذه اللحظة كانت قد مرت عليها شهور وهي تتابع عن كثب منشوراته عبر حسابه على تطبيق (فيسبوك)، وكثيراً ما حرصت على إبداء إعجابها بما يدونه ولكن في وقار ساتر، كانت تضغط فوق علامة أعجبني على نحو منتظم حتى لا تبدو أمامه مثل دلو حمام مسكوب، في حين أنه كان أكثر رزانة منها ولم يبادلها شيئاً من هذا القبيل ثم تجاسرت وهنأته ذات مرة بعيد ميلاده.

فض الرسالة الإلكترونية ولأيام متتالية لم يرد عليها، فقد كان بالغ الحرص في سلوكه بالواقع الافتراضي، لم لا وهو في ذلك الوقت كان يستهدف ترقية جديدة في سلكه الدبلوماسي بوزارة الخارجية. ويدرك أن أحدهم في مؤسسة أمنية داخل أو خارج البلاد ربما ينصت إلى مكالمات هاتفه أو يقلب معه في صناديق رسائله لهذا لم يرغب في أن يُكتب عنه بين قوسين كبيرين في أي تقرير سري أنه متعدد العلاقات ومنخرط حالياً في علاقة مع صحافية مصرية تكتب بالفرنسية».


ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد
TT

ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد

على الرغم من أن الأكاديمية الملكية بلندن سعت إلى استعادة الفنان ريتشارد داد (1817 ــ 1886) من غير الخوض موسعاً في حياته الشخصية بكل ما انطوت عليه من امتزاج بين المرض النفسي الذي أصيب به وجرائم القتل التي ارتكبها، فإن عنوان المعرض الذي يستمر حتى 25 أكتوبر (تشرين الأول) كان مدخلاً غير موفق لذلك المسعى. «ريتشارد داد: ما وراء المصحة» عنوان ينفتح على سرديات غير سارة؛ ذلك لأن المصحة العقلية التي شهدت عودته إلى الرسم بحماسة استثنائية ستكون بالنسبة للآخرين مناسبة للتنقيب في تفاصيل حياته التي يُعاد رسمها بطريقة تسلط الضوء على العلاقة المفترضة شعبياً بين الفنون والجنون.

في الخامسة والعشرين من عمره، كُلِّف بالسفر مع السير توماس فيليبس عبر أوروبا والشرق الأوسط، ورسم الأماكن التي زاروها. مع اقتراب نهاية الرحلة التي استمرت عشرة أشهر ظهرت عليه أعراض اضطراب عقلي حاد، فكان يعاني من أوهام ارتيابية عند عودته إلى الوطن. كان يعتقد أنه مُضطهد من قِبل الشياطين، وأنه يتلقى رسائل من الإله المصري أوزوريس. في 28 أغسطس (آب) 1843، طعن والده حتى الموت في حديقة كوبام، بالقرب من روتشستر في مقاطعة كينت، معتقداً أنه الشيطان متنكراً.

حين اعتُقل بعد فراره إلى فرنسا ومحاولته قتل أحد المسافرين نعته مجلة «آرت يونيون» تحت عنوان مؤثر «الراحل ريتشارد داد» بقولها: «الرجل اللطيف والودود ظاهرياً والذي كان قبل عام أو نحوه نجماً صاعداً في الأكاديمية الملكية بلندن. اليوم يُعرف داد، إن عُرف أصلاً، بقتله والده وهو يعاني من نوبة ذهانية حادة أُدخل على أثرها إلى مستشفى بيثليم، ثم إلى مصحة برودمور للمجرمين والمجانين، حيث مكث بقية حياته». خلصت «آرت يونيون» بعد ذلك إلى قولها: «مع أن القبر لم يُغلق عليه فعلياً، فإنه يُصنف بين الأموات».

من أعمال داد

نزهات المجنون في عالم شكسبير

في السنوات الأولى من حياته طالباً في مدارس الأكاديمية الملكية وعضواً مؤسساً لمجموعة من الفنانين الأصدقاء تُعرف باسم «الزمرة»، أحيط ريتشارد داد بهالات نجاحٍ تقليدي لفنان بريطاني موهوب. كان داد في أوائل أربعينات القرن التاسع عشر قد بدأ يرسخ مكانته رساماً لمشاهد خيالية مستوحاة من مسرحيات شكسبير، لتليها رحلته عبر شرق البحر الأبيض المتوسط، التي ظلت مصدر إلهام له طوال حياته. بعدها انطفأ داد عقلياً. ما بين عامي 1843 و1886 عاش نزيلاً ما بين مستشفيي بيثليم وبرودمور، هناك أنتج معظم لوحاته الزيتية والمائية التي لا تعكس حالته المرضية لما تميزت به تلك اللوحات من دقة بصرية ووضوح في الرؤية والتعبير. فعلى الرغم من العزلة التي عاشها في نظام المصحات العقلية الفيكتوري، فإن داد استطاع أن يستلهم من ذاكرته وخياله وشغفه الدائم بالأدب والأساطير ليُبدع عوالم خيالية زاخرة بالتفاصيل الدقيقة. وليس مفاجئاً أن تعدُّ تلك اللوحات من بين أكثر الأعمال الفنية البريطانية أصالةً وإبداعاً. ولو لم تكن كذلك لما ألهمت لوحاته عدداً من الفنانين والكتّاب والموسيقيين، بمن فيهم فرقة «كوين» التي أطلقت اسم إحدى أشهر لوحات داد «ضربة قاضي الجنية» على إحدى أغانيها.

في هذا المعرض الذي يضم أكثر من مائة عمل فني، يتمكن المشاهد من متابعة تفاصيل حياة غامضة عاشها رجل انفصل عن الواقع، غير أنه رسمه بطريقة ثورية كما لو أنه كان يتخيله. كان المرض حبل نجاة لداد من مواجهة عقوبة أقسى نظراً لتاريخه الإجرامي غير أنه في الوقت نفسه كان مبعث إلهام فريد من نوعه؛ ذلك لأنه فتح أمامه خيال عوالم، كان قد عاشها مباشرة أو عن طريق الأدب. ما بين رؤى شكسبير والمشاهد التي رآها في أثناء رحلته الشرق الأوسطية تجول المجنون وهو يتصفح أوراق ذاكرته.

سردية المصحة

في تقديمها للمعرض الذي يُقام بعد غياب أعمال الفنان عن العرض خمسين سنة، توضح القيّمة الفنية سيلفي بروسين أنه «بعد التحرر من سردية المصحة يُمكن النظر إلى مسيرة داد الفنية ككل متكامل»، وتضيف: «إن سردية ما قبل المصحة وما بعدها تُبسّط الأمور. فأسلوبه كان قد تغير، ولكن هذا أمر طبيعي لدى العديد من الفنانين في ظروف مختلفة. ويبقى عدد من موضوعاته كما هي».

تنفي بروسين بذلك التوضيح إمكانية أن يكون لانفصال داد عن الواقع، وهو تعبير مخفف عن مرضه، أي تأثير لما حدث من تغيرات في ميول الرسام فيما يتعلق بموضوعاته. فهي ترى أن اهتمام داد الدائم بشكسبير والذي نسج قصصه في خيالات مُتقنة كان بمثابة إشارة تمهيدية مبكرة لتفرغه لرسم موضوعات خيالية في أثناء حبسه في المصحة. ذلك ما تؤكده تجربة النظر مباشرة إلى لوحات داد وبالأخص لوحته «تيتانيا النائمة»، التي يقول دليل المعرض إنها عُرضت في الأكاديمية الملكية أول مرة عام 1841. تلك لوحة لا يرسمها إلا شخص يملك السيطرة الكاملة على حواسه، وبشكل أساس، على خيال يديه البارعتين. فهل يعني ذلك أن هناك قناعة لدى البعض بأن داد كان قد نجح في أثناء إقامته في المستشفى في الفصل بين فنه وجنونه؟ وهو ما لا يفعله إلا رجل عاقل. ما هذا التناقض؟

عندما أُعيد اكتشاف داد لأول مرة في منتصف القرن العشرين، عُومِلَ كحالةٍ طبيةٍ أكثر منه فناناً، وذلك في إطار اعتقادٍ كان سائداً آنذاك بأن الفن أداةٌ تشخيصيةٌ فعّالة. لم يُمعن أحدٌ التفكير في هذا الموضوع بعمقٍ وعمقٍ أكثر من نيكولاس ترومانس أحد أبرز خبراء داد والقيّم المشارك على المعرض. وقد نأى ترومانس بنفسه عن هذا النهج الذي فقد مصداقيته الآن في مقدمة كتابه الصادر عام 2011 بعنوان «ريتشارد داد: الفنان والمصحة»، حيث كتب «لم أدّعِ، كما لم أدّعِ عند الكتابة عن جيه إم دبليو تيرنر أو كلود مونيه، أنني أعرف تماماً ما كان يفكر فيه ويشعر به في أثناء رسم لوحاته».

بعكس ما انتهت إليه سيلفي بروسين، يؤكد ترومانس أن مرض الرسام لعب دوراً مهماً في خياراته الأسلوبية بقوله: «أودّ أن أشير إلى أن شخصياته لا تتفاعل أبداً. فشخصياته لا تتحدث مع بعضها ولا تنظر إلى بعضها ولا تتبادل أي كلمة. من المستحيل ألا نرى في ذلك انعكاساً لما نعرفه عنه، وهو أنه كان منعزلاً جداً ولا يميل إلى التحدث مع الآخرين كثيراً». لم يفقد ريتشارد داد ذاكرته البصرية في أثناء إقامته في مستشفى المجانين، بدليل لوحتيه «فانتازيا مصرية» و«نُزُل على جانب الطريق» غير أن ما لا ينكر في أسلوبه أنه قد تغير بتأثير من المرض.