لو لم يتحايل غاليليو لما بلغتنا كتبه ولأجهضت ثورة بكاملها

الفيلسوف يلبس قناعاً ليكتب في زمن الرقابة

لو لم يتحايل غاليليو لما بلغتنا كتبه ولأجهضت ثورة بكاملها
TT

لو لم يتحايل غاليليو لما بلغتنا كتبه ولأجهضت ثورة بكاملها

لو لم يتحايل غاليليو لما بلغتنا كتبه ولأجهضت ثورة بكاملها

لا تجد الفكرة الثورية قبولاً سريعاً عند الناس إلا بعد نضال طويل. فدائماً تكون الفكرة السابقة عليها مهيمنة ومتغلغلة في نسيج الذهن، إلى درجة أن اقتلاعها أو تغييرها يكون عسيراً جداً. ومن جهة أخرى، يكون ثمن ميلاد الأفكار الجديدة باهظاً على حامليها؛ إذ إن الجماعة العلمية المتشبثة بالأفكار القديمة، لها من السلطة والقوة بحيث تهاجم كل من يقول بعكس ما هو مألوف. لأن الأمر، أحيانا، يهدد مصالحها التي اكتسبتها عبر الزمن. لهذا نجدها تجيش الجمهور ضد كل من يقول بالجديد المشوش على السير المعتاد للأمور. وأحياناً تلجأ هذه الجماعة العلمية بدعم من السلطة، التي دائماً تتزاوج معها ما دامت تشكل الغلاف الآيديولوجي الذي تجري به تعبئة الناس، إلى توجيه الاتهامات إلى المجددين بـالمروق، والخيانة، وإفساد عقول الشباب، والطعن في ثوابت المجتمع، وغير ذلك. وكل هذا يضع ممثلي الأفكار الجديدة في مآزق كبرى. فهم يكونون بين المطرقة والسندان، بين جاذبية الجديد وسحره وإغرائه، باعتباره المثال والخلاص والأمل المنشود بعد طول احتقان، وبين المخاوف من الرقابة وتهديدها لحياتهم. فالمعركة فيها قطع رقاب وتهديد لحق البقاء. فيكون حامل الفكر الثوري ما بين ثلاثة اختيارات، أو لنقل إن هؤلاء الثوريين، هم ثلاث فئات، وهي:
الفئة الأولى: ترضخ للقديم وتقبل بالمعتاد، وتطيع الجماعة العلمية المهيمنة، طلباً للسلامة وإبعاداً للذات عن كل سوء.
الفئة الثانية: تدخل في المواجهة بشكل علني وتجعل الذات قرباناً للمثال المنشود.
الفئة الثالثة: تلجأ إلى التحايل وتمرير الخطابات بشكل سري، والتلميح عوضاً عن التصريح. بعبارة أخرى، يعمد حامل الثورة إلى التحرك بقناع، أي أنه يقوم بارتداء أزياء تنكرية مضمراً تصوراته، وآنذاك، ما على اللبيب إلا أن يقرأ ما تحت السطور ليفهم المقصود.
إذن في لحظات الذروة، حيث المنعطفات التاريخية والانقلابات في تصور الإنسان للعالم، تكون عيون الرقابة على أشدها، لأن الجماعة العلمية الحاضنة للآيديولوجية السائدة تكون خائفة، كما قلنا، على نفسها من الضياع والاندثار. ولمزيد من إلقاء الضوء على هذه اللحظات، سنحاول أن نقف عند نموذج صارخ من الفلاسفة، كتب والخوف يسكن قلبه، واختار أن يكون من الفئة الثالثة، أي من الذين لجأوا إلى التحايل والكتابة المقنعة، إنه «ديكارت» وهنا بيان ذلك:
الفيلسوف المقنع
نشر كوبيرنيكوس في سنة 1543 وهو على فراش الموت، كتاباً هو «في دوران الأجرام السماوية». وهو كتاب يضم نظريته المعروفة بمركزية الشمس. وهي الفكرة التي تم قبولها، بداية، من طرف الكنيسة، نظراً لطابعها الافتراضي، ولما ستسديه من ضبط في التقويم والحسابات الفلكية وتجاوز لعيوب الفلك القديم. لكن الأمر سيلتقطه مغامر وثائر وعبقري، هو مؤسس الفيزياء الحديثة غاليليو (1564 - 1642)، الذي دخل وبعناد شديد، في نزاع مع الكنيسة لمدة عشرين سنة دفاعاً عن الكوبرنيكية. بل هو من زج بها بشكل علني، في الصراع، ببحثه عن الدلائل الملموسة وليس الرياضية فقط، لإثبات مركزية الشمس. ولم يكتف بذلك، بل عمد إلى الكتابة بالإيطالية بدل اللاتينية، لجعل أفكاره تصل إلى عامة الناس، ما كلفه محاكمة مست بكرامته وهو شيخ عجوز، وجعلته يقضي ما تبقى من عمره في إقامة جبرية. وهو ما أثر أيضاً على الفيلسوف ديكارت المعاصر له، الذي طارده شبح غاليليو؛ حيث كان يعتزم إصدار بحثه «العالم»، أو «بحث في الضوء» في سنة 1634. ولكنه بعد أن سمع ما حدث لغاليليو، بسبب تأييده العلني لكوبرنيكوس، قرر أن يحرق أوراقه كافة، أو الاحتفاظ بها لنفسه على الأقل، من دون أن يدع أحداً يطلع عليها. ففي كتابه هذا، يدافع عن دوران الأرض. كان ديكارت لا يريد البتة الدخول في نزاع مع الكنيسة. بل كان يتودد لها عله يربح رهان تعويض الفكر القديم الأرسطي، بفلسفة جديدة ملائمة. الأمر الذي جعله يمسك عن نشر الكتاب الذي لم ير النور إلا بعد وفاته بأكثر من ربع قرن. ولنترك ديكارت يعبر عن مخاوفه في رسالة نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 1633، إلى صديقه الأب مرسن:
يقول فيها: «... أرسلت من يتحرى لي عما إذا كان كتاب (نظام العالم) لغاليليو موجوداً في ليد وأمستردام، لما سمعت من أنه قد طبع في إيطاليا في السنة المنصرمة، جاءني الخبر بأن الكتاب طبع فعلا، ولكن جميع النسخ التي طبعت منه أحرقت في الوقت ذاته بروما، فيما حكم على غاليليو ببعض الغرامة. وهذا ما أدهشني كثيراً، إلى حد أني عقدت العزم أو أكاد على إحراق جميع أوراقي، أو عدم إطلاع أي شخص عليها على الأقل».
ويستمر ديكارت في حديثه: «إني لا أتصور كيف أمكن أن يحال غاليليو، وهو الإيطالي، بل والمرغوب من طرف البابا، على محكمة جنائية، لا لشيء سوى أنه أراد، من دون ريب، أن يثبت حركة الأرض...».
ليصرح ديكارت بعد ذلك، وبعبارة واضحة جدا: «إني لأعترف بأنه إذا كانت فكرة حركة الأرض خاطئة، فإن جميع أسس فلسفتي ستكون باطلة كذلك». ثم يضيف أيضا: «وبما أني لا أحب أن يصدر عني، بأي حال من الأحوال، خطاب به أدنى كلمة مما تستنكره الكنيسة، فإني لأفضل أن ألغي كتابي هذا، على أن أصدره (مبتوراً) معطوباً».
وفي نهاية رسالته، يرجو ديكارت صديق طفولته في مدرسة لا فليش «مرسن» قائلا: «أرجوكم أن تخبروني أيضاً عما تعرفونه عن قضية غاليليو».
وفي رسالة أخرى إلى مرسن، أيضا، في أبريل (نيسان) 1643، يقول: «إنك تعلم من دون شك، أن غاليليو قد أدين منذ وقت قصير، من قبل محكمة التفتيش، وحكم على رأيه المتعلق بحركة الأرض بأنه بدعة...».
ثم يقول أيضا: «ولكني سأقول لك إن كل الأشياء التي شرحتها بمصنفي، ومن بينها، أيضا، هذا الرأي المتعلق بحركة الأرض، يرتبط بعضها ببعض، إلى درجة يكفي معها أن تكون واحدة خاطئة حتى نعلم أن كل الحجج التي اعتمدتها فيه واهية. وعلى الرغم من اعتقادي بأن (هذه الحجج) ترتكز على براهين جد يقينية، وجد جليّة، فإني مع ذلك، لا أريد مهما كان الأمر، أن أؤكدها ضد سلطة الكنيسة...» وعندما قرر ديكارت معاودة الكتابة ثانيا، قال لأصحابه إنه سيتحرك مقنّعا.
إذن، وجراء الخوف من الاصطدام بالكنيسة والجماعة العلمية التي تشتغل في ظلها، والتي تدافع بقوة عن الأطروحة الفلكية القديمة، قرر ديكارت أن لا يكتب بصريح العبارة، بل قرر أن يلجأ إلى أسلوب التلميح. ولتوضيح ذلك، نعطي مؤشراً واحداً وقوياً وهو التالي:
إن القارئ لكتاب «تأملات ميتافيزيقية»، سيعتقد للوهلة الأولى، أن الكتاب يدافع عن الإيمان بالله وبخلود النفس من أجل أغراض لاهوتية. لكن ديكارت كان آخر همه ذلك. فبالنسبة له، فإن مسألة وجود الله وخلقه للعالم، ومسألة خلود النفس، هي مسائل عبارة عن تحصيل حاصل، وأمر مسلم به، ولا يستحق كل ذلك العناء الذي أنجز عبر التاريخ لإثباته، بينما في الحقيقة، كان أكبر همه هو إيجاد أرضية ميتافيزيقية للفيزياء الميكانيكية الناشئة آنذاك، والتي تزعمها غاليليو فلنشرح ذلك:
يصرح ديكارت لصديقه مرسن عن نواياه الحقيقية التي لم يكن يجهر بها: «أقول لك فيما بيننا إن هذه التأملات الستة تتضمن كل الأسس الفيزيائية، لكن يجب كتمان ذلك»، كما أن ديكارت سيعطي لكتابه عنوانين مختلفين. ففي الطبعة الأولى جاء العنوان: «تأملات في الفلسفة الأولى حيث البرهنة على وجود الله وخلود النفس»، وبه إهداء لعمداء اللاهوت بباريس يقول فيه: «وإن كان يكفينا التسليم نحن معشر المؤمنين، بأن ثمة إلهاً وبأن النفس البشرية لا تموت بموت الجسم، فمن غير الممكن أن نجعل الكافرين يسلمون بحقيقة دين ولا حتى بفضيلة أخلاقية، إذا كنا لا نثبت لهم أولا، هاتين المعضلتين بالعقل الطبيعي».
أما عنوان الطبعة الثانية، فكان: «تأملات في الفلسفة الأولى حيث البرهنة على وجود الله والتمييز بين النفس الإنسانية والبدن». وهو موجه للفلاسفة الجدد، أمثال صديقه إسحاق بيكمان، الذي كان يسعى إلى تأسيس الفيزياء على أساس رياضي.
من هذا التغيير، يظهر أن ديكارت لم يكن مهتماً بقضية خلود النفس، التي تعطي الأمل في حياة ثانية بعد الموت. فهذه القضية لم تعد تشغله أبداً. بل كان أكبر همه هو التأسيس لمبدأ «القصور الذاتي»، وإعلان التمايز بين الجسد والنفس، ليس لإغراض لاهوتية بل لأغراض علمية بحتة.
كان ديكارت مؤمناً، لكنه أراد أن ينشئ فلسفة جديدة تتلاءم والمتغيرات العلمية في زمانه. ولما أحس أن طريقته غير مسموح بها دينياً، اختار طريقاً متحايلاً وذكياً، فكتب بقناع وبمراوغة، واستطاع أن يمرر الكثير بغطاء يبدو أنه دفاع عن الدين ولكن هو في الحقيقة دفاع عن العلم الحديث. فعلاقته بالكنيسة كانت استراتيجية فقط. فالفلسفة عنده ليست خادمة للدين بل خادمة للعلم الناشئ.
لقد كان ديكارت يكتب وهو خائف، إلى درجة أنه أصدر كتابه «مقال في المنهج» من دون توقيعه. ومما يثبت أيضاً فزعه من الرقابة، أنه كان لا يفصح عن عنوانه، ويعطي فقط عنوان ناشره أو أحد أصدقائه. بل بعض كتبه لم تنشر إلا بعد موته، ونقصد كتاب «العالم» وكتاب «المحاورة». ناهيك عن أنه كان يحرص على أن يقرأ رجال الدين كتاباته قبل النشر. والأكثر من ذلك، نحن نعلم أنه هاجر إلى هولندا باعتبارها بلد الأمن والتسامح آنذاك، وعاش فيها خلوة لمدة عشرين سنة.
إن ممارسة ديكارت للتقية مع الكنيسة، كان هدفه إتمام مشروع علمي وفلسفي لا يريده أن يتعطل. نعم يتهم البعض ديكارت بالجبن، إلى درجة رواج قضية في العصر الراهن سميت «صمت ديكارت» على أساس عدم دفاعه عن غاليليو. لكن لو لم يتحايل فأكيد لما بلغتنا كتبه ولأجهضت ثورة بكاملها.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».