فرض قيود على أساتذة جامعة دمشق بعد ندوة عن تلاشي الطبقة الوسطى

الحل «العسكري ـ الأمني» نجح في تشويه بنية المجتمع السوري

مشهد يعبر عن حياة الناس في مدينة الباب، التي حررتها قوات «درع الفرات» من تنظيم داعش الإرهابي (رويترز)
مشهد يعبر عن حياة الناس في مدينة الباب، التي حررتها قوات «درع الفرات» من تنظيم داعش الإرهابي (رويترز)
TT

فرض قيود على أساتذة جامعة دمشق بعد ندوة عن تلاشي الطبقة الوسطى

مشهد يعبر عن حياة الناس في مدينة الباب، التي حررتها قوات «درع الفرات» من تنظيم داعش الإرهابي (رويترز)
مشهد يعبر عن حياة الناس في مدينة الباب، التي حررتها قوات «درع الفرات» من تنظيم داعش الإرهابي (رويترز)

أصدرت وزارة التعليم العالي في حكومة النظام السوري قراراً يقضي بمنع أساتذة جامعة دمشق من المشاركة في أي نشاط علمي من ندوات ومؤتمرات وإلقاء محاضرات ووضع أوراق عمل وغيرها، من دون موافقة «الجهات المختصة حسب الأصول، وتدقيق مضمون ورقة العمل أو المحاضرة من قبل مجلس القسم والكلية».
جاء القرار في كتاب عممته أخيراً وزارة التعليم العالي على أعضاء الهيئة التدريسية في جامعة دمشق. وكان قد سبق التعميم قرار آخر مماثل الشهر الماضي يقضي بمنع أعضاء الهيئة التدريسية من الإدلاء بأي تصريحات لوسائل الأعلام. وأنشئ مكتب صحافي خاص بأساتذة جامعة دمشق يحتكر التعاطي مع وسائل الإعلام، وهذا المكتب هو وحده المخول بتلقي الأسئلة من قبل الصحافيين والإعلاميين، في حال احتاج عملهم الصحافي لرأي اختصاصي أو أكاديمي. وبموجب القرار (التعميم) يمنع أي أستاذ جامعي من الإدلاء بتصريحات فردية، لأن المكتب الإعلامي بات المسؤول عن تحديد نوعية التصريح، وهو الذي يحدد الأستاذ الجامعي المخوّل بالتصريح في كل موضوع، وذلك بعد التأكد من طبيعة المعلومات التي يريدها الصحافي، وكيفية استخدامها والغرض منها، وجهة نشرها.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن هناك عدداً محدداً من «الأساتذة» في الجامعة يحتكرون الظهور على شاشات وصفحات الإعلام الرسمي التابع للنظام، وهؤلاء فقط هم المخوّلون بالتعبير عن وجهات نظر تتطابق مع وجهات نظر المؤسسات الأمنية في النظام السوري. وللعلم، يربو عدد أعضاء الهيئة التدريسية في جامعة دمشق على ألفي أستاذ ومدرس، يتعرّض معظمهم لتضييق أمني يمنعهم من الإدلاء بآرائهم، وكذلك يمنعون من حرية التنقل والسفر من دون إذن إدارة الجامعة التي تمرّ غالبية قراراتها عبر قنوات المؤسسات الأمنية.
هذا، وجاءت القرارات الأخيرة بتشديد الخناق على الأكاديميين السوريين، أو على من تبقى منهم في سوريا، ضمن تداعيات ما حصل خلال ندوة دعت إليها خلال الشهر الماضي جمعية العلوم الاقتصادية، بالتعاون مع غرفة تجارة دمشق وجامعة دمشق، وكان موضوعها الطبقة الوسطى في سوريا ووضعها الراهن. ولقد قدم خلالها المشاركون وهم عدد من الباحثين في الاقتصاد والأساتذة في جامعة دمشق، أوراق عمل ومحاضرات حاولت مناقشة الوضع الراهن للمجتمع السوري في ظل الحرب بموضوعية.
هذا الأمر أثار استياء معاون وزير الكهرباء - وهو أستاذ في الجامعة - الذي رد على الدكتور زياد زنبوعة - وهو أحد المحاضرين - بشدة لم تخل من تخوين، واتهامات بالعمالة، وذلك لأن زنبوعة أشار إلى دور العسكري - الأمني في تشويه الطبقة الوسطى وتطفيش نخبة لا بأس بها من المثقفين السوريين، وتحييد الشريحة الأكبر والأهم المؤهلة للمساهمة في حل الأزمة السورية. صحيفة محلية ذكرت أنه «نشب تقاذف بألفاظ غير لائقة بين الدكتور زياد زنبوعة، من كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، والدكتور حيّان سلمان، معاون وزير الكهرباء، وصلت إلى درجة الشتائم».
وقالت مصادر كانت في الندوة إن عراقيل عدة وضعت أمام إقامة الندوة، التي غيّر مكان انعقادها قبل ساعة واحدة فقط. إذ كان مقرراً عقدها في قاعة بوسط دمشق. ثم نقل المكان دون سابق إنذار إلى مقر غرفة التجارة في المدينة القديمة، ما أدى إلى تخلف كثير من المهتمين عن الحضور. وعندما عقدت الندوة سادت أجواء من التوتر بسبب الحضور الأمني داخل القاعة، إلى أن نشبت مشادة كلامية بين معاون وزير الكهرباء حيّان سلمان، المعروف بتشدّده بالولاء للمؤسسات الأمنية في النظام، والذي برز في الأوساط السورية خلال السنوات الأربع الماضية لكثافة حضوره على شاشات الإعلام الرسمي والموالي. وأشارت المصادر إلى أهمية ما طرحه الباحثون المشاركون في أوراقهم «رغم محاولتهم عدم المساس أو الاقتراب من الخطوط الحمراء، لكن الأرقام والمعطيات التي قدموها ربما كانت مزعجة».
أما الدكتور زياد زنبوعة، الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، فرأى أنه مع «بداية الأزمة بدأ انهيار الطبقة الوسطى، وصاحبه أمر آخر لا يقل خطورة هو حدوث تحول نوعي في الطبقة الوسطى» وصفه بالتشوه، وذلك بملء فراغ هذه الطبقة من قبل «فئات مجتمعية أخرى غريبة عنها مثل انتهازيي الأزمات والحرب والمحتكرين ومرتزقة الحرب والمتاجرين بدماء المواطنين أو لقمة عيشهم، وصعود العسكر على حساب المدنيين». وتساءل زنبوعة: «متى كنا نرى العسكريين يجوبون شوارع دمشق بأحدث السيارات التي لا يعلم أحد مصدرها؟!».
وتابع الأكاديمي السوري أن الحل «العس - أمني» (العسكري - الأمني) المطبق في سوريا «نجح في لجم الطبقة الوسطى من الانخراط في معالجة الأزمة وتطفيش نخبة لا بأس بها من المثقفين السوريين بمختلف مشاربهم العلمية والفكرية والاجتماعية. وبالتالي، تم تحييد الشريحة الأكبر والأهم من المساهمة في الحل». ورأى أن «عملية إفقار الطبقة الوسطى تترافق مع تزايد منافع شريحة الطفيليين وأمراء الحرب المستفيدين من الأوضاع الراهنة، والذين أصبحوا يحوزون جل مقدرات وثروات الشعب السوري ويسخرونها لمصالحهم». هذا، وبحسب تقارير دولية أشار إليها الدكتور زنبوعة: «أصبحت نسبة 20 في المائة من السكان والمتسلقين الجُدد يحوزون على أكثر من 85 في المائة من الدخل القومي». ولفت إلى أن الأسرة المتوسطة (خمسة أفراد) كانت تحتاج إلى 13000 ل.س. شهرياً قبل عام 2011. أصبحت حالياً تحتاج إلى 147 ألف ليرة سوريا شهرياً لتكون عند خط الفقر العالمي، علماً بأن متوسط رواتب العاملين في سوريا كان يبلغ 16000 ل.س. والآن أصبح يبلغ نحو 28 ألف ليرة سورية فقط. وبعدما كانت هذه الأسرة أعلى من خط الفقر بـ3000 ل.س. أصبحت الآن تحت هذا الخط بـ119 ألف ليرة سورية.
من ناحية ثانية، قال الدكتور أكرم حوراني، وهو أيضاً أستاذ في كلية الاقتصاد بالجامعة نفسها إننا «لا نرى أبناء الطبقة الوسطى... لا أرقام تدل عليهم، فهم إما غادروا إلى هوة الفقر أو إلى خارج البلاد، وإما بقوا يجاهدون للحفاظ على الحد الأدنى من متطلبات الحياة». وأشار إلى أن نسبة السكان توزّعت في عام 2010 على 15 في المائة في حالة فقر مدقع، و20 في المائة من طبقة المستورين، و60 في المائة من الطبقة الوسطى و5 في المائة من ذوي الدخول العالية (أي الأثرياء). بينما في 2016 تضررت الطبقة الوسطى ووقعت في المستويين الفقر المدقع والمستورين، وتراجع الدخل القومي 60 في المائة، وارتفعت الأسعار 700 في المائة، وتغيرت حاملة التنمية وركيزة الاستقرار، وظهرت أشكال اجتماعية اقتصادية جديدة، وركبت موجة الحرب والأزمة واتخذت صورة الكسب غير المشروع جراء الاحتكار، إضافة إلى أعمال الخطف والابتزاز والسرقة والتسلط على العباد التي دفعت الكثير من التجار وأصحاب الأعمال للهبوط من الطبقة الوسطى إلى الفقر أو للسفر خارج البلاد».
أما الدكتور كريم أبو حلاوة، فقدم تصنيف الطبقة الوسطى في «ثلاثة مستويات: عليا ووسطى ودنيا»، مبيناً أن الشريحة الأخيرة هبطت إلى الفقر بشكل سريع، وهي الشريحة الأكثر تضرراً. وأوضح أن «التعريفات عاجزة عن توصيف وفهم ما يجري على صعيد خسارتها لمدخراتها ومستوياتها وافتقارها»، لافتاً إلى أن النمو في سوريا «لم يكن مستداماً ولم يصل إلى كل شرائح المجتمع ولم ينعكس إيجاباً على مستوى حياتهم». ثم شرح أن الطبقة الوسطى بدأت تعاني من الضعف والانحسار قبل الأزمة بسبب «عجز التعليم عن تحقيق مستوى عيش أو عمل لائق للفئات الأوسع، والفجوة بين مخرجات التعليم وحاجات سوق العمل».
ودعا أبو حلاوة إلى ضرورة استعادة الاستقرار الأمني والمجتمعي وإنهاء الحرب لإتاحة الفرص للمشاركة الواسعة من الطبقة الوسطى في إعادة إعمار سوريا وفق أسس تنموية جديدة وليس بالطريقة القديمة المعتادة.
ومع أن ما قاله أساتذة الجامعة في الندوة الاقتصادية كان - حسب تعبير المصادر التي حضرت الندوة تحت «سقف الوطن ومن أجل الوطن» - فإنهم استفزوا بما قدموه (المدافعون عن النظام الأمني من زملائهم الجامعيين)، مؤكدين بذلك أن «إصلاح النظام أمر ميؤوس منه».
وبالفعل، سارعت الجهات المختصة في جامعة دمشق ووزارة التعليم العالي إلى اتخاذ سلسلة من القرارات والإجراءات التي تخمد أو تحد من عمل واجتهاد من تبقى من باحثين سوريين في الداخل، لأن من شأن أي رأي أو معلومة أن تثير بلبلة لا يحمد عقباها ليس أقلها التوقيف عن العمل أو الاعتقال التعسفي.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.