يقولون إن المنتصرين هم من يكتبون التاريخ، لكن الشيء الذي لا يذكرونه دائما هو أن الإحصائيات يمكنها أيضا أن تنصف الفرق الأقل نجاحا.
دافع المدير الفني لنادي آرسنال آرسين فينغر والمدير الفني لنادي مانشستر سيتي جوسيب غوارديولا عن نادييهما خلال الأيام القليلة الماضية، وأشارا إلى أن آرسنال ومانشستر سيتي لا يتمتعان بالخبرة الكبيرة في دوري أبطال أوروبا ولا يمكن مقارنتهما بأندية مثل ليفربول ومانشستر يونايتد. وقال فينغر عقب خسارة فريقه المهينة أمام بايرن ميونيخ الألماني بخمسة أهداف مقابل هدف وحيد في ذهاب دور الستة عشر لدوري أبطال أوروبا: «لا أظن أن آرسنال قد فاز بخمس كؤوس أوروبية قبل مجيئي».
أما غوارديولا، الذي لم يخرج من دوري أبطال أوروبا كمدير فني في أي مرحلة قبل مرحلة الدور نصف النهائي، فيبدو أنه كان لديه ما يكفي من المبررات والأعذار عندما أثار نقطة مشابهة قبل مباراة فريقه أمام موناكو الفرنسي، حيث قال: «تاريخنا الحديث جيد إلى حد بعيد، لكن على مدى التاريخ الطويل لم يصل مانشستر سيتي إلى هذه المرحلة لفترة طويلة». ودعم نجم الفريق كيفين دي بروين وجهة نظر غوارديولا عندما قال: «لا يمكنكم أن تعقدوا مقارنة بيننا وبين ليفربول أو مانشستر يونايتد والتاريخ الذي يملكه هذان الناديان. إنهما يشاركان في البطولات الأوروبية منذ سنوات كثيرة، أما نحن فنشارك منذ خمس أو ست سنوات».
هذا صحيح، ولكن ماذا في ذلك؟ فليفربول لا يشارك في المسابقات الأوروبية من الأساس هذا الموسم، كما لم يظهر بقوة في دوري أبطال أوروبا منذ ما يقرب من عشر سنوات. أما مانشستر سيتي فقد وصل لنصف نهائي دوري أبطال أوروبا الموسم الماضي. ويتأهل آرسنال لدوري أبطال أوروبا كل عام منذ فوزه بالثنائية لأول مرة تحت قيادة فينغر عام 1998، وحتى لو كان الفريق لم يفز بهذه المسابقة مطلقا، فإن نجاحه في الوصول لها على مدى تلك السنوات الطويلة يجعل سجل ليفربول ومانشستر يونايتد في الآونة الأخيرة من حيث الوصول إلى المراكز الأربعة الأولى في الدوري الإنجليزي والمؤهلة لدوري أبطال أوروبا، يبدو متقطعا على فترات ولا يتمتع بالثبات الذي يتمتع به سجل آرسنال.
في الحقيقة، يبدو كل من آرسنال ومانشستر سيتي في وضع مثالي لتحقيق نجاح كبير في البطولات الأوروبية، فآرسنال لديه خبرة كبيرة ومشاركة دورية في البطولات الأوروبية، بالإضافة إلى خبرة وحنكة مديره الفني الفرنسي، في حين أن مانشستر سيتي لديه إمكانات مالية كبيرة وقدرة على شراء لاعبين من العيار الثقيل، بالإضافة إلى وجود مدير فني له صولات وجولات في دوري أبطال أوروبا.
ويبدو هناك تناقض واضح بين آرسنال ومانشستر سيتي، فالأول يعتمد على التمويل الذاتي، حتى في بناء ملعبه، وهو الأمر الذي يجعل فينغر يستحق الإشادة والثناء على كل ما قدمه في ضوء تلك الإمكانات، في حين يعتمد مانشستر سيتي على إمكاناته المالية الهائلة التي تسعى للهيمنة على البطولات الأوروبية، ولذا لن يكون غريبا أن نرى مانشستر سيتي يطيح بغوارديولا من منصبه في حال فشله في دوري أبطال أوروبا، ويتعاقد مع مدير فني آخر قادر على الفوز بالبطولة الأوروبية.
أما الشيء الذي يجمع بين الفريقين فهو عدم التطور داخل المستطيل الأخضر، فمانشستر سيتي لم يعد بالقوة التي كان عليها من قبل ولا يمكن النظر إليه على أنه منافس قوي قادر على بث الرعب في نفوس الفرق المنافسة في دوري أبطال أوروبا. ولن يكون من الصعب على مدير فني محبوب ومهذب مثل فينغر أن يفهم بكل سهولة أن جمهور آرسنال يشعر بالإحباط الشديد من خروج الفريق من دوري أبطال أوروبا من نفس المرحلة كل موسم، وربما أمام نفس المنافسين أيضا. ويمكن للمدير الفني الفرنسي أن يقول ما يشاء عن الماضي، لكن أعتقد أنه ذكي بالدرجة التي تجعله يدرك أن المستقبل هو الأهم وأنه يتعين عليه أن يحسّن فريقه ويطور من أدائه ليصبح أقوى وأفضل في دوري أبطال أوروبا، وهذا هو ما حدث بالفعل مع ليفربول خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي ومع مانشستر يونايتد في التسعينات، وهو الشيء الذي لا يحدث بالضبط في آرسنال.
ومن السهل أن ننسى الآن الحيرة التي كان يعاني منها المدير الفني الأسطوري لمانشستر يونايتد السير أليكس فيرغسون، عندما فاز فريقه بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز أربع مرات خلال خمس سنوات في منتصف التسعينات من القرن الماضي، في الوقت الذي كان يخرج فيه خالي الوفاض من دوري أبطال أوروبا أمام فرق متواضعة نسبيا مثل بروسيا دورتموند الألماني وموناكو الفرنسي. ولكن مع استمرار المشاركة وتطور المستوى نجح مانشستر يونايتد في الفوز بدوري أبطال أوروبا عام 1999، وحتى عندما واجه الفريق أندية قوية في طريقه نحو النهائي مثل إنترميلان ويوفنتوس وبايرن ميونيخ نجح في التغلب عليها بفضل قوته الذهنية والبدنية وحقق الثلاثية في ذلك العام. لقد تطور أداء الفريق وأصبح أكثر قوة، وهذا هو التطور الضروري الذي يسعى فينغر جاهدا لتحقيقه مع آرسنال.
وما زال مانشستر سيتي لديه متسع من الوقت، لا سيما أنه لم يشارك في دوري أبطال أوروبا سوى ست مرات. قد يقول البعض إن مانشستر يونايتد قد فاز بالبطولة الأوروبية خلال المشاركة الخامسة له في المسابقة، ولكن فيرغسون كان قد نجح في تثبيت أقدام الفريق بقوة في البطولات الأوروبية، ويكفي أن نعرف أنه هزم برشلونة الإسباني في كأس الكؤوس الأوروبية عام 1991، حتى قبل انطلاق مسابقة دوري أبطال أوروبا بشكلها الحالي. أما مانشستر سيتي فيبدأ من الصفر، لكن إمكاناته المادية الهائلة تضع عليه مزيدا من الضغوط لتحقيق نجاح فوري.
ورغم أن مانشستر سيتي قد وصل للدور قبل النهائي لدوري أبطال أوروبا الموسم الماضي، فإن ذلك لم يشفع لمانويل بيليغريني للبقاء في منصبه كمدير فيني للفريق. ودائما ما يلعب مانشستر سيتي بعصبية شديدة أمام برشلونة، وإن كان قد تغلب على هذا الأمر خلال الموسم الجاري، كما قدم مباراة ممتعة أمام موناكو الفرنسي ووضع لنفسه قدما في دور الثمانية لدوري أبطال أوروبا. صحيح أن هناك أندية قوية أخرى في المسابقة، ولكن الفريق الذي أحرز ثمانية أهداف في مباراتين أمام برشلونة وموناكو قادر على التقدم إلى الأمام.
وإذا كان مانشستر سيتي لم يحقق النجاح المرجو في البطولات الأوروبية، فإنه يسير في الاتجاه الصحيح. لقد تمكن تشيلسي من الفوز بلقب دوري أبطال أوروبا في مشاركته العاشرة بالمسابقة، وهو ما يعني أن مانشستر سيتي ما زال لديه الوقت الكافي للتطور. لم يكن هذا كل ما في الأمر، فتشيلسي هو أهم محور في هذا الإطار، لا سيما أنه كسر القاعدة التي تقول إنه لا يمكن لأي ناد صاحب خبرات محدودة في دوري أبطال أوروبا أن يفوز باللقب ويصبح أحد الأندية الكبيرة. فقد كان الفريق الذي كونه المدير الفني البرتغالي جوزيه مورينيو بأموال رئيس النادي رومان أبراموفيتش على وشك الوصول للمباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا للمرة الأولى عام 2005 لولا هدف لويس غارسيا غير الصحيح الذي أطاح بالبلوز وصعد بليفربول للنهائي. كما كانت تشكيلة تشيلسي بقيادة غوس هيدنيك قادرة على الوصول للمباراة النهائية أيضا عام 2009 لولا القرارات التحكيمية الغريبة من الحكم النرويجي توم هينينغ أوفريبو. وحتى الفريق الذي فاز أخيرا بدوري أبطال أوروبا عام 2012 كان تحت قيادة المدير الفني السادس خلال خمس سنوات منذ رحيل مورينيو عن تشيلسي، لكن الفريق قدم أداء قويا، محطما بذلك النظرية التي تقول إن أي فريق يجب أن يكون لديه خبرات هائلة لكي يكون له فرصة في الفوز بلقب دوري أبطال أوروبا.
وبصفة إجمالية، شارك تشيلسي في دوري أبطال أوروبا 14 مرة، وأصبح أول ناد من العاصمة البريطانية لندن يفوز باللقب، وخسر النهائي مرة بركلات الترجيح، كما وصل للدور نصف النهائي سبع مرات. ويعني ذلك أن تشيلسي حقق نجاحا يعادل ما حققه مانشستر يونايتد في دوري أبطال أوروبا، ولولا تعثر جون تيري في ركلة الجزاء أمام مانشستر يونايتد في نهائي البطولة في موسكو عام 2008، لكان من الممكن أن يكون سجل تشيلسي أفضل من سجل مانشستر يونايتد في هذه البطولة.
وحتى بالمقارنة بما حققه ليفربول في مسابقة كأس أوروبا بمسماها القديم، كان نجاح تشيلسي في دوري أبطال أوروبا أكبر، وحتى عندما شارك البلوز في الدوري الأوروبي قبل أربع سنوات تمكنوا من الفوز باللقب. لذا فإن السؤال هو: لماذا لم يُذكر تشيلسي عند الحديث عن التاريخ؟ فتشيلسي لديه تاريخ حافل وأظهر ما يمكن تحقيقه في وقت قصير نسبيا في حال وجود دعم مالي مناسب. قد لا يروق هذا للبعض، لكن الحقيقة هي أنه يجب الإشادة بتشيلسي وبما حققه. وحتى جمهور ليفربول قد توقف عن ترديد كلمات الأغنية التي تقول إن تشيلسي ناد بلا تاريخ، لسبب وجيه للغاية، وهو أن تشيلسي قد تمكن من وضع معايير جديدة لدوري أبطال أوروبا في الألفية الجديدة.
إنجازات تشيلسي في دوري الأبطال تضع معايير جديدة للأندية الإنجليزية
الفريق اللندني حطم النظرية القائلة بأن الفرق المشاركة حديثاً في البطولة الأوروبية لا يمكنها تحقيق نجاح سريع
تشيلسي أصبح عام 2012 أول ناد من العاصمة البريطانية يفوز بلقب دوري أبطال أوروبا («الشرق الأوسط»)
إنجازات تشيلسي في دوري الأبطال تضع معايير جديدة للأندية الإنجليزية
تشيلسي أصبح عام 2012 أول ناد من العاصمة البريطانية يفوز بلقب دوري أبطال أوروبا («الشرق الأوسط»)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





