حينما يتحول الشعر إلى طيف لوني

الفنان العراقي ساطع هاشم في معرض فردي بلندن

من المعرض
من المعرض
TT

حينما يتحول الشعر إلى طيف لوني

من المعرض
من المعرض

كيف لا يتأثر صاحب الألوان بالشعر، خصوصًا إذا كان الشعر صديقه ورفيق عمره؟ هذا ما حصل مع الفنان العراقي المغترب ساطع هاشم في معرض منفرد له تحت عنوان «لا شيء غير جميل»، على قاعة المركز البولوني في همرسميث في لندن، ويستمر حتى منتصف الحالي، خصوصًا في لوحته المعنونة «بلادي» المؤرخة 2009، وهو العام الذي أطل فيه الفنان على عقده الخامس، التي تبدو كأنها استرجاع موجز لنصف قرن مضى من حياته.
في النصف الأعلى من اللوحة يسيطر لون واحد هو «التركواز»، وهو خلفية لقصيدة الشاعر العراقي رشدي العامل «وطني» الذي كتبها الشاعر حين دخل عامه الخمسين أيضا:
هزمتني الأحلام،
تقصي ما أرادوه وتدني
تعبت مزاميري،
فبعت أصابعي، وكسرت دني
ورجعت ملتحفًا ضباب الليل
في وطني، كأني في الفجر، ما ناغيت غبشته
ولا أبصرت مرأى
القصيدة في هذه اللوحة هي دلالة انتماء الفنان لمرحلة اجتماعية ثقافية معينة في تاريخ العراق. يكرر الفنان بعض أبيات القصيدة بخط مموَّه إلى أن تتلاشى في النصف السفلي من اللوحة الذي يسيطر عليه اللون الأسود والأخضر القاتم، دلالة واضحة على موطنه الأول (العراق/ أرض السواد)، وهناك تكوينات لونية مبهمة أقرب إلى أن تكون بشرية بعيون مفتوحة تهيمن على منتصف اللوحة.
هذه التكوينات المتحركة تتزاحم فيها الألوان، كأن الفنان يشرح التركيب البيولوجي لها، لكن ليس بمبضع التشريح، بل بضربات اللون التي تسيل وتتحول إلى فقاعات، كأنما هذه اللوحة هي مرثية لأحلام وأمنيات الحياة التي تنفجر واحدة بعد الأخرى وتتلاشى. ولوحة «بلادي» تحتل صدارة القاعة التي ضمت أيضًا خمسة وعشرين عملاً فنيًا.
يقول ساطع هاشم إنه عندما يرسم لا يفكر بالأسلوب الذي يتبعه للبدء بلوحة، بل يذهب بتلقائية نحو ألوانه ويطلق العنان لمخيلته، لذا تباينت الأعمال المعروضة في الأساليب والخامات والثيمات والتقنيات. فهناك ثلاث لوحات تجريدية مبنية على أساس القواعد الرياضية لواقعية الكمّ، وهي عالم الأطياف اللونية أو بمعنى فيزيائي هي ألوان الموجات الكهرومغناطيسية التي طور الفنان فيها أسلوبه الخاص، في مجال واقعية الكم التي كان أبرز روادها الفنان الرائد الراحل محمود صبري. وهناك سلسلة من أربع لوحات هي تخطيطات حبرية على الورق، استلهم الفنان فيها الموروث الرافديني والرموز الشعبية للتعبير عن مواضيع راهنة كاللوحة التخطيطية التي كتب في أعلاها «22.3.2016 بروكسل تحت القصف الإرهابي... داعش أعلنت المسؤولية بعد قتلها آلاف العراقيين».
لوحة «الوجه/ 2012» أكرليك على قماش هي لوحة يلتقط ويشرّح فيها الفنان الأحاسيس الداخلية والانفعلات لرأس بلا ملامح (وأعتقد أن الفنان تعمد تغيب الملامح ليسقطها المتفرج على نفسه ربما)، بمزيج من الأطياف اللونية، ولا غرابة فساطع هاشم مهتم منذ أمد بعيد بتأثير اللون على فيزياء الإنسان وحالته النفسية. وعليه، فعندما يغطي رأسًا ما بالألوان المتدرجة المتماوجة فهو يعبر ضمنًا عن تباين التركيب البيولوجي للرأس البشري، وكذلك تباين مزاجه وحالاته النفسية.
من أبرز اللوحات المعروضة أيضًا لوحة (الشباب والكهولة / 2016)، أكرليك على قماش، وفيها يتجه ساطع هاشم نحو التعبيرية الواقعية، فعلى خلفية بنية داكنة تقف امرأتان، إحداهما منحنية مع الخطوط الخضراء الداكنة، وترتدي الملابس التقليدية لنساء العراق والأخرى تتوهج مع الأخضر المشع بقوام ممشوق. المرأتان تواجهان بعضهما، وأعتقد أنهما تتبادلان الأدوار أيضًا.
عناوين اللوحات في المعرض، هي جزء من فك شفرتها، فقد اختيرت جميع العناوين بعناية فائقة، وكأنها جزء مكمل للعمل الفني. عمد هاشم أيضًا في أغلب لوحات هذا المعرض كما في لوحة «الجبل يردد أغنيتها / 2016»، وهي أكرليك على قماش، إلى إلغاء تفاصيل وملامح الشخوص واستبدالها بفاعلية وحركية اللون، كأن اللون هو مولد الحركة أو هو الدافع نحو الحركة. لكن ما من لون صاف أو مشع لوحده. ففي هذه اللوحة هناك تكوين أنثوي يمتطي حصانًا، وكل ما حولهما في حالة غناء ونشوة، لون الأفق في هذه اللوحة هو لون السكينة والدفء. بينما تختلط الألوان في الجزء السفلي من اللوحة بزخارف كثيرة بما يشبه لحن إيروتيكي يتردد صداه، وينسحب نحو هدوء خضرة الأفق.
ألوان ساطع هاشم ليست قيمًا شكلية مجردة وُضِعت للزينة أو لإبهار المتلقين (رغم أنها تتضمن هذه الغايات)، بل إن لها وظيفة عملية، كواسطة اتصال ودعاية ونقل الأفكار، ومن هنا أسلوبه الخاص جدًا في رسم البورتريه الشخصي، فلوحة «سيلفي/ 2016» وهي أكرليك على قماش، يصور فيها الفنان نفسه بمجموعة من الأطياف اللونية يغلب عليها زخارف باللون الأصفر، ويحوط وجهه بهالة تشبه هالات القديسين أو ربما هي المجال الكهرومغناطيسي الذي يحوط كل إنسان، مع نظرة جانبية واضحة وفاقعة بفعل الأصفر، الذي يسيطر على مساحة البورتريه.
لساطع هاشم ثلاث ملهمات رئيسية في أعماله، كما يقول، أولها تاريخ الفن فهو دارس ومتابع لتاريخ الفن والموروثات الفنية والآثارية للإنسانية جمعاء، وثاني الملهمات، هو العلم والفيزياء، خصوصًا كيفية تحليل الموجات الضوئية والكهرومغناطيسية والإمساك بألوانها الطبيعية، ومن ثم تحويل هذه الألوان إلى طلاءات وأصباغ تجارية، وثالث مصادره الإبداعية هو البيئة التي عاش ويعيش فيها هاشم؛ فمن بيئة العراق الزراعية حيث ولد في محافظة زراعية هي ديالى، ومن ثم انتقاله إلى الجزائر التي يصفها بأنها أجمل بلدان العالم من حيث الطبيعة، وفيها تفتحت ذائقته على أهمية اللون وتدرجاته الطبيعية، وانتقاله إلى روسيا حيث اللون المسيطر هو الأبيض نتيجة تساقط الثلج الذي يتحول إلى الفضي ما إن تشرق عليه الشمس، وأثناء وجوده في روسيا أثرى فنيًا من متحف الأرميتاج الذي كان يزوره باستمرار، ومن الثقافة الروسية المحلية والإيقونات الدينية. ثم انتقاله إلى براغ والسويد واليونان وبريطانيا، فكما يقول ساطع هاشم إنه تأثر بثقافات وطبيعة كل هذه البلدان التي عاش فيها لكنه في الوقت نفسه، لا يزال يستلهم موروثه العراقي التاريخي والشعبي في أعماله.
تعكس الأعمال المعروضة الاهتمام المستمر للفنان ساطع هاشم بموضوع تاريخ اللون وعلاقته بالإنسان وعقائده المتقلبة عبر الزمن، وهو الفرع الجديد في الدراسات الفنية التي تشغل الفنان منذ سنوات طويلة، حيث تبدو بوضوح تلك الرموز التي استعملها الإنسان، منذ أن وجد على هذه الأرض للتعبير عن معانٍ وأفكار مجردة، مثل الحب والموت والغواية ورحلة العذاب البشري الروحية المجسدة في غالبية المعروضات الحالية والمنفذة على القماش أو الورق في علاقات هارمونية منسجمة تبعث على المسرة والمتعة والمعرفة على حد سواء.
كتب عنه المؤرخ ورئيس قسم تاريخ الفن في جامعة لافبره في المملكة المتحدة كوردون ميلر يقول: «الألوان على الخصوص لها أهمية استثنائية عميقة عند الفنان ساطع، فهو يعتبر اللون وكأنه وحي يسري في النفس والجسد، ويتضمن التحولات الثقافية للجنس البشري. ويرى أن اللون كتركيب ثقافي مميز مفروض على مبادئ الإدراك البصري».
ساطع هاشم من مواليد مدينة بهرز (محافظة ديالى) العراق حاصل على شهادة الماجستير سنة 1989 بالرسم الجداري من أكاديمية موخينا للفنون الجميلة (ليننغراد) الاتحاد السوفياتي سابقًا، ويقيم حاليًا في مدينة ليستر البريطانية كفنان متفرغ، وقد أقام كثيرًا من المعارض الشخصية، وأسهم في معارض جماعية كثيرة حول العالم.
كرمته بلدية مدينة ليستر حيث يقيم عام 2010، وذلك بتسمية إحدى القاعات التي تحتوي على اثنتين من جدارياته في كلية التعليم وسط المدينة باسمه (قاعة ساطع هاشم).
وتقتني أعماله مجموعة من المتاحف والمجموعات الفنية العامة والخاصة، ومنها المتحف البريطاني في لندن، متحف مدينة ليستر - نيوولك، متحف كالينينغراد للفن المعاصر في روسيا، هاندلس بنك في استوكهولم وغيرها.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.