كيف تحافظ على أموالك طوال حياتك؟

حتى العائلات الثرية تعاني من خطر استنزاف الموارد قبل بلوغ الأجل

كيف تحافظ على أموالك طوال حياتك؟
TT

كيف تحافظ على أموالك طوال حياتك؟

كيف تحافظ على أموالك طوال حياتك؟

* إلى أي مدى تخطط لأن تعيش؟
لا أحد يستطيع القول على وجه التحديد، ولكن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أكثر العوامل أهمية في وضع خطة مالية ناجحة للتقاعد.
يحصل المواطنون الأميركيون المتقاعدون، من المولودين بين عامي 1946 و1964، على معاشات تقليدية أقل من التي يحصل عليها آبائهم، مما يعني أنهم سوف يتقاعدون على الدخل من الضمان الاجتماعي والمدخرات. وفي الوقت نفسه، فإن طول العمر المتوقع للرجال والنساء قد قفز إلى أكثر من 10 في المائة منذ عام 2000، وفقا للجمعية الاكتوارية الأميركية. والرجال يتوقع لهم العيش إلى سن 86.6، والنساء إلى سن 88.8.
ولا تُعبر تلك الأرقام إلا عن المتوسط فقط، كما قالت فيكي باجتلسميت، أستاذة التمويل في جامعة ولاية كولورادو، التي تتركز أبحاثها بالأساس على التقاعد والتخطيط المالي. ومن خلال العمل على بيانات الوفيات الصادرة عن هيئة الضمان الاجتماعي، تمكنت الدكتورة باجتلسميت من حساب أن الرجل البالغ من العمر 65 عامًا لديه فرصة بنسبة 20 في المائة لأن يعيش حتى 90 عامًا، وترتفع الاحتمالات بنسبة 30 في المائة إن كان في حالة صحية أفضل من المتوسط.
وفي الوقت نفسه، كما خلصت، أن 31 في المائة من النساء اللاتي يبلغن 65 عامًا الآن سوف يصلن إلى سن 90 عامًا. وبالنسبة لأصحاب الصحة الجيدة، تزيد هذه النسبة إلى 42 في المائة.
وتؤدي هذه الاحتمالات لما يصفه الخبراء بمخاطر طول العمر، وهو خطر استنزاف الموارد قبل بلوغ نهاية الحياة. وتتزايد الأخطار حتى بالنسبة للعائلات الثرية، كما تقول الدكتورة باجتلسميت التي أضافت: «إن المشكلة كبيرة بشكل خاص بالنسبة للأرامل فوق سن 85 عامًا»، بسبب أن الدخل يتناقص في المعتاد بمقدار الثلث بعد وفاة الزوج.
كما تتناقص بعض النفقات أيضًا مع بقاء شخص واحد فقط على قيد الحياة، خصوصًا بالنسبة للغذاء والرعاية الطبية. ومع ذلك، فنسبة 14.5 في المائة من النساء الأرامل فوق سن 65 عامًا يعشن في حالة من الفقر، وفقًا لبيانات هيئة الضمان الاجتماعي، وتعتبر الأرقام أعلى بالنسبة للنساء المطلقات (17.1 في المائة)، وأولئك اللاتي لم يتزوجن قط (23.2 في المائة).
وتوفر حاسبات طول العمر على الإنترنت وسيلة واحدة للدفع لما بعد الحد المتوسط. ولكن ستيف فيرنون، الخبير الباحث الاكتواري في مركز ستانفورد حول طول العمر، يحذر من أنه من الأفضل التمسك بالحاسبات التي تعتمد فقط على المدخلات الناتجة عن الأبحاث لأنها من التوقعات الدقيقة.
ولقد تعاون الخبراء الاكتواريون على إنشاء آلة حاسبة تعجبه بشكل خاص، حيث يضع مؤشر طول العمر الاكتواري في اعتباره العمر، والنوع، والمدخن من غير المدخن، وتقديرك لحالتك الصحية العامة. وتظهر الأرقام الناتجة مجموعة من الاحتمالات. يقول السيد فيرنون: «أنت لست في حاجة إلى آلة حاسبة تخبرك بأنه يمكنك العيش حتى بلوغ سن 93 عامًا، فحقيقة الأمر أنك سوف تتوفى إن عاجلاً أو آجلاً».
يقول السيد فيرنون إن أكثر خطط التقاعد تحفظًا تفترض أنك سوف تعيش حتى بلوغ العام المائة من حياتك، ولكن هناك مفاضلات إن تخيرت تتبع هذا المنهج: «حتى مع ذلك، فإنني سوف أرغب لأموالي أن تستمر بحوزتي لأطول فترة ممكنة، كما أنني قد أرغب أيضًا في إنفاق الأموال خلال السنوات المبكرة من التقاعد، بينما أكون في حالة صحية تسمح لي بالاستفادة من أموالي؛ إنه خيار شخصي للغاية من دون شك».
ومن شأن الهدف القاسي كذلك أن يسبب الشلل لبعض الناس، كما تقول الدكتورة باجتلسميت التي أضافت: «إذا وضعت هدفًا شديد الصعوبة، سوف ينفض كثير من الناس أيديهم عنه، ويقولون إنهم لا يستطيعون ذلك، وإنهم لن يحاولوا على الإطلاق».
وعلى الرغم من عدم اليقين، فإن الخبراء يقدمون كثيرًا من الخطوات للتخفيف من مخاطر طول العمر:
* موازنة «التحكم في النفقات»
البدء بتقدير النفقات غير الاختيارية (اللازمة) في التقاعد، مثل الغذاء والرعاية الصحية والمرافق والنقل. ثانيًا: ابحث عن الطرق التي تسمح لك بتغطية هذه النفقات من مصادر الدخل التي تضمن سدادها مدى الحياة، مثل الضمان الاجتماعي أو التقاعد.
* تقييم خطة الضمان الاجتماعي خاصتك
انظر في الطرق التي تمكنك من الاستفادة القصوى من الضمان الاجتماعي من خلال مطالبات الفوائد المؤجلة، كما يقول جوي توملينسون، المخطط المالي والخبير الاكتواري من مدينة غرينفيل بولاية مين، الذي أجرى أبحاثًا مكثفة حول التخطيط التقاعدي، إذ يقول: «دائمًا ما أنصح بالبدء بالضمان الاجتماعي، فإنه مثل شراء المعاش، ولكن بسعر أفضل كثيرًا».
يتم احتساب فوائد الضمان الاجتماعي باستخدام معادلة تسمى مبلغ التأمين الأساسي. وعلى الرغم من إمكانية المطالبة بالفوائد حتى سن 62 عامًا، من خلال الانتظار حتى بلوغ سن التقاعد القانوني (66 عامًا في الوقت الحالي)، فسوف تحصل على 100 في المائة من مبلغ التأمين الأساسي، كل 12 شهرًا متأخرة لما بعد هذه النقطة، حتى بلوغ سن الـ70 عامًا، والتثبت عند نسبة 8 في المائة. وتخضع الفوائد للحماية من التضخم بواسطة البرنامج السنوي لتكلفة المعيشة.
* تخفيض المخاطر في خطة التقاعد
ومن شأن تأجيل المطالبة بالضمان الاجتماعي، حتى بالنسبة للعائلات التي تحقق المدخرات الكبيرة، أن يساعد في تخفيض مخاطر فشل خطة التقاعد. وشراء المعاش السنوي يوفر المزيد من الأمان. ويظهر الجدول فرصة وقوع الفشل من واقع 3 سيناريوهات مختلفة، وهو ما يمثل الاختلاف في طول العمر والأداء الاستثماري.
ولكن كيف يمكن اعتبار هذا من قبيل الاستثمار على وجه التحديد؟ يقول السيد توملينسون موضحًا: «لنقل أنني طالبت بالضمان الاجتماعي خاصتي عند بلوغي سن الـ70 عامًا، بدلاً من سن التقاعد القانوني عند 66 عامًا، فإن التكلفة هي القيمة التي أتنازل عنها من خلال المطالبة المؤجلة لوقت لاحق، والمردود هو الفارق في الدخل السنوي عندما أطالب به في وقت لاحق».
* المحافظة على الوظيفة اليومية
إن العمل لفترات أطول يعتبر من الخطط المهمة ذات الصلة، فإن المزيد من سنوات الدخل من الأجور يمكنه المساعدة في تلبية وتغطية نفقات المعيشة، أثناء انتظار المطالبة بالضمان الاجتماعي.
ولكنه يقلل كذلك من عدد السنوات التي سوف تحتاج إلى إنفاقها بطريق السحب من رصيدك الأساسي، وقد تضيف كثيرًا من السنوات للمدخرات الكلية. وحتى العمل بدوام جزئي يمكنه أن يُحدث فارقًا معتبرًا، كما يقول السيد فيرنون الذي أردف يقول: «إنها خطة فعالة للغاية بالنسبة للناس في بداية العقد السادس من أعمارهم».
وضع السيد توملينسون تقديرًا مخصصًا لصحيفة «نيويورك تايمز»، يوضح من خلاله تحديات إدارة مخاطر طول العمر مع تحقيق المدخرات فقط، ومن النتائج الرئيسية: حتى المتقاعدين من أصحاب المدخرات الكبيرة يواجهون مخاطر حقيقية من استنزاف أرصدتهم خلال فترة حياتهم. وبالاعتماد على طريقة «مونت كارلو» المعروفة لمحاكاة المخاطر، التي تحلل الآلاف من النتائج المحتملة، خلص السيد توملينسون إلى أن الزوجين الافتراضيين اللذين تمكنا من جمع مليون دولار في خطة المدخرات التقاعدية (401 - ك)، وحسابات التقاعد الفردي، واللذين يصل إنفاقهما السنوي على الضرورات إلى مبلغ 70 ألف دولار، يواجهان فرصة بنسبة 47 في المائة من «فشل» خطة التقاعد الخاصة بهما خلال حياتهما، على افتراض أنهما بلغا سن التقاعد عند 65 عامًا، وطالبا بفوائد الضمان الاجتماعي بعد ذلك.
ويعني الفشل هنا وجود تخفيض إجباري وحاد في مستويات المعيشة. وأولئك الذين تقع خطتهما للتقاعد ضمن نسبة 47 في المائة للفشل سوف يعجزون، من حيث المتوسط، عن سداد النفقات الضرورية بواقع 168 ألف دولار خلال رحلة حياتهم، كما قال السيد توملينسون. وهذا من دون اعتبار وجود أية نفقات طارئة ذات تكاليف عالية، مثل إصلاحات المنازل أو التكاليف الطبية غير الخاضعة للتأمين الصحي.
والانتظار حتى بلوغ سن الـ70 عامًا للمطالبة بفوائد الضمان الاجتماعي يقلل من مخاطر الفشل إلى نسبة 38 في المائة. وبالقدر نفسه من الأهمية، فإن حجم العجز المكافئ خلال رحلة الحياة سوف ينخفض إلى 58 ألف دولار فقط.
* التفكير في المعاش
أخيرًا، أضاف السيد توملينسون المعاش الفوري إلى هذا المزيج، مفترضًا أن الزوجين ينفقان 298 ألف دولار على معاش فوري من قسط واحد عند بلوغهما سن التقاعد القانوني، وهو ما يوفر لهما مبلغ 12 ألف دولار سنويًا. هنا، تنخفض احتمالات فشل خطة التقاعد إلى الحد الصفري، حيث يقول السيد توملينسون: «سوف تتوفر لديهما دائمًا الأموال الكافية لتغطية النفقات المعيشية الضرورية، بصرف النظر عن طول حياتهما، أو عن سوء أداء الاستثمارات الخاصة بهما».
وتأتي المعاشات في أنواع متعددة، ولكن السيد توملينسون وغيره من الخبراء، من الذين درسوا مخاطر طول العمر، ينصحون بالتمسك بالأنواع الأساسية منها. والمعاش الفوري وحيد القسط هو من المقترحات البسيطة: حيث تسدد مبلغًا مجمعًا مقتطعًا لمرة واحدة، ثم تبدأ في استلام الدفعات. أو يمكنك سداد مبالغ أقل بكثير في الأقساط المؤجلة من الدخل، حيث تبدأ باستلام الدفعات عنها في وقت لاحق.
يعتبر كثير من خبراء التخطيط التقاعدي فكرة «دخل المعاش» بأنها من المكونات المعقولة التي ينبغي إضافتها إلى خطة التقاعد. ولقد حاولت إدارة الرئيس السبق أوباما تشجيع استخدامها في خطط حسابات التقاعد الفردي، وخطط المدخرات التقاعدية (401 - ك)، من خلال الموافقة على القواعد ذات الصلة في عام 2015، بالنسبة لنوع جديد من معاشات الدخل المؤجل، التي حملت مسمى «العقد المؤهل لمعاش طول العمر»، والذي يمكن إبرامه ضمن حساب التقاعد مع استبعاد قيمته من الحد الأدنى للتوزيعات المطلوبة. ولقد وافقت اللجنة المالية في مجلس الشيوخ بالكونغرس على مشروع القانون في وقت لاحق من أواخر العام الماضي، الأمر الذي من شأنه تشجيع توافر المعاشات في خطط أماكن العمل، من خلال الحد من مسؤولية رعاة الخطط عن فشل شركات التأمين.
ومع ذلك، لا تزال معاشات الدخل تشكل جزءًا صغيرًا من السوق العام للتقاعد المالي، حيث بلغت مبيعات الأقساط المفردة، ومعاشات الدخل المؤجلة، مبلغ 11.8 مليار دولار في عام 2015 (وهي السنة الأخيرة التي تتوافر بيانات إجمالي المبيعات بشأنها)، وفقًا إلى مجموعة ليمرا المتخصصة في أبحاث صناعة واستشارات التأمين. وعلى النقيض من ذلك، بلغت عقود التقاعد الفردي بحلول نهاية عام 2015 مبلغ 7.3 تريليون دولار، وحققت 6.7 تريليون دولار في خطط المساهمات المحددة في أماكن العمل، وفقًا لبيانات معهد شركات الاستثمار.
وتشير الدراسات إلى أن المتقاعدين يساورهم القلق بأنهم لن يحصلوا على ما يساوي قيمة أموالهم، إذا ما توفوا قبل الحصول على تعويضات الاستثمارات، ويشعر كثيرون منهم بعدم الارتياح لعدم تمكنهم من السيطرة على المدخرات. يقول مات كاري، المدير التنفيذي في شركة اباريس المالية، وهي من الشركات الناشئة حديثًا عبر الإنترنت التي تعمل على بيع منتجات معاش الدخل: «إنها من المنتجات الصعبة التي يمكن الشعور بالارتياح عند استخدامها، ولكنها معقولة للغاية عند اعتبارها جزءًا صغيرًا من حافظة التقاعد المتنوعة بشكل جيد».
ولقد شارك السيد كاري في إنشاء تلك الشركة للمساعدة في التعامل مع اعتراضات هؤلاء المتقاعدين. إذ أنشأت الشركة منصة تكنولوجية تهدف إلى تبسيط إجراءات وتكاليف شراء معاشات الدخل، وهي تركز بالأساس على معاشات الدخل المؤجلة، التي تتطلب الحد الأدنى من الاستثمارات المقدمة، وتستهدف مخاطر طول العمر على نحو أكثر تحديدًا.
وفي مقابل الاستثمارات الصغيرة، فإن دفعات مدى الحياة لمعاشات الدخل المؤجلة تبدأ فقط إذا بلغ المشتري سنًا معينة. على سبيل المثال، فإن شراء 100 ألف دولار لمعاش الدخل المؤجل بواسطة الرجل البالغ من العمر 65 عامًا، مع الدخل الذي يبدأ بعد 10 سنوات لاحقة، سوف يعود بمبلغ يقترب من 14 ألف دولار من الدخل السنوي، وفقًا لشركة اباريس المالية.
ويشكك السيد توملينسون في معاشات الدخل المؤجلة، ويقول إنها تعرض المشترين لمخاطر الأسواق المالية المفرطة في انتظار البدء في الحصول على المدفوعات. وأضاف: «كل ما عليك فعله هو إدارة الحافظة الخاصة بك بصورة جيدة حتى تصل إلى سن 80 أو 85 عامًا، ولكن هذا يسهل قوله عن القيام به فعليًا».
ولكن المحافظة على السيولة المالية خلال التقاعد له فوائده أيضًا. تقول الدكتورة باجتلسميت: «قد تكون هناك صدمة في الاستثمارات، أو احتياج ممتد للرعاية أو تكاليف طبية مرتفعة، حتى إن كانت شيئًا بسيطًا كسقف في حاجة للاستبدال. وقد لا يحدث ذلك حتى بلوغ سن 80 أو 85 عامًا، ولكن شيء ما لا بد أن يحدث على طول خط الحياة الممتد».
* خدمة «نيويورك تايمز»



محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
TT

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية -ولا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتزايد للوساطة المالية غير المصرفية.

وخلال مشاركته في «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة»، أوضح السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات مثل طلبات تغطية الهوامش وخصومات الضمانات وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

وأشار إلى أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات، مضيفاً أن هذه الاقتصادات تواجه هشاشة هيكلية ومؤسسية تحد من قدرتها على امتصاص الصدمات، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتجزؤ التجارة وارتفاع مستويات الدين وتكاليفه.

وأوضح أن التمييز بين الاقتصادات الأكثر مرونة وتلك الأكثر هشاشة يرتكز على عاملين أساسيين: أولهما وجود أطر سياسات محلية متماسكة نقدية ومالية وتنظيمية تدعم الاستجابات المعاكسة للدورات الاقتصادية، وتحد من تقلب تدفقات رؤوس الأموال، وثانيهما توفر «ممتصات صدمات» فعالة، وفي مقدمتها احتياطيات كافية من النقد الأجنبي، إلى جانب عمق الأسواق المالية، بما في ذلك أسواق الدين ورأس المال وأسواق النقد.

وتطرق السياري إلى تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وأضاف أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

وأكد أن التعاون الدولي يظل عنصراً محورياً في مواجهة مواطن الضعف المستجدة، مشيراً إلى التقدم الملحوظ الذي حققه صانعو السياسات عالمياً، وأهمية تبادل الخبرات لتعزيز الجاهزية الرقابية والتنظيمية بما يدعم الاستقرار المالي العالمي.

واختتم السياري كلمته عبر تأكيده 3 أولويات للتعاون الدولي: تعزيز تبادل البيانات عبر الحدود لدعم الرقابة وتقييم مواطن الضعف، وتحقيق قدر أكبر من المواءمة والتشغيل البيني في تبني التقنيات الناشئة، بما يحفظ الاستقرار المالي، وتسريع تبادل المعرفة لتحديث الأطر الرقابية والإشرافية.


أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
TT

أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما أسماه «التكامل المجزأ». وفي حديثه إلى «الشرق الأوسط»، على هامش مؤتمر العلا، أشار أنتراس إلى أن رؤية السعودية وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

يُعدُّ البروفسور بول أنتراس واحداً من أبرز المنظرين الاقتصاديين في العصر الحديث، وهو أستاذ كرسي «روبرت برينكتون» للاقتصاد في جامعة هارفارد. تتركز أبحاثه التي غيَّرت مفاهيم التجارة الدولية حول «سلاسل القيمة العالمية» وكيفية تنظيم الشركات إنتاجها عبر الحدود. ويعدّ أنتراس مرجعاً عالمياً في فهم كيفية تأثير القوانين والتكنولوجيا على تدفق السلع السعودية وتحدي «الصناديق الجاهزة».

بدأ أنتراس حديثه بانتقاد الطريقة التقليدية في تصنيف الاقتصادات، قائلاً: «من الصعب جداً تقديم عبارات عامة حول كيفية استفادة الأسواق الناشئة من التحول التجاري الدولي، والسبب هو أننا غالباً ما نحب وضع الدول في صناديق أو سلال واحدة كما نفعل مع القارات». وأوضح أنتراس أن مصطلح «الأسواق الناشئة» يخفي خلفه هياكل صناعية متباينة تماماً، مبيِّناً الفرق الجوهري للحالة السعودية: «هناك اقتصادات تعتمد بشكل مكثف على تصدير الصناعات التحويلية، وهذه يمثل التكامل التجاري والوصول للأسواق شريان حياة لها، وهي الأكثر قلقاً من ضغوط المنافسة الصينية التي بدأت بالانزياح من السوق الأميركية نحو أسواقهم. لكن في المقابل، نجد اقتصاداً مثل السعودية، يُصدِّر كثيراً، ولكنه يواجه منافسةً ضئيلةً جداً من جانب الصين في سلعته الأساسية». ويرى أنتراس أن هذا الوضع يخلق فرصةً ذهبيةً للمملكة. فـ«بالنسبة للسعودية، هذا الوقت هو فرصة للحصول على سلع من الصين بتكلفة أرخص من السابق، أو الحصول على تشكيلة متنوعة من البضائع التي لم تكن متاحةً لها لأنها كانت تتدفق بالكامل نحو السوق الأميركية».

وحول كيفية تعامل الأسواق الناشئة مع ضغوط «الإغراق» والمنافسة، وجَّه أنتراس نصيحةً صريحةً: «أعتقد أن على الأسواق الناشئة إظهار أقل قدر ممكن من الميول الحمائية. لن يكون الأمر سهلاً؛ لأن نمو الصادرات الصينية سيؤثر حتماً على بعض المنتجين المحليين، مما سيخلق ضغوطاً سياسية لحمايتهم. لكن الطريق الصحيح للمستقبل هو أن تسوِّق نفسك بوصفك اقتصاداً ملتزماً بنظام متعدد الأطراف، اقتصاداً يسمح للمنتجين الأجانب بالبيع في سوقك، ويشجع منتجيك في الوقت ذاته على استكشاف الأسواق الخارجية. يجب أن نتجنَّب تماماً محاكاة ما تفعله الدول الكبيرة مثل الولايات المتحدة». وعند سؤاله عن حماية الصناعات المحلية المتضررة، أضاف: «نعم، الإغراق الصيني يمثل قلقاً جدياً لبعض الدول التي تمتلك قاعدة تصنيع محلية تتنافس مباشرة مع الصين، ولكن بالنسبة للسعودية، القلق أقل لأنها لا تملك تلك القاعدة التي تتصادم مباشرة مع المنتجات الصينية. في الواقع، الواردات الرخيصة قد تفيد المستهلك السعودي. وإذا وُجد قطاع متضرر، فهناك طرق أفضل لحماية الناس من الحمائية، مثل تقديم خطط ائتمان، أو إعانات، أو مساعدة الشركات على إعادة التفكير في نماذج أعمالها وتطويرها».

العولمة لم تمت... بل أصبحت «مجتزأة»

ورداً على السؤال الجدلي حول نهاية العولمة، صاغ أنتراس مفهوماً جديداً، قائلاً: «لا أظن أن العولمة قد انتهت، بل أسميها (التكامل المجزأ - Fragmented Integration). سنستمر في التكامل، لكن الاتفاقات التجارية ستُبرَم بطرق مختلفة. لم يعد بإمكاننا الاعتماد فقط على المفاوضات متعددة الأطراف للوصول إلى الأسواق، لأن الشعور بالالتزام بتلك الاتفاقات تَراجَع عالمياً. الصفقات ستظل تُوقَّع، لكنها ستكون أكثر تعقيداً، وسيبقى عدم اليقين هو العنوان الأبرز».

الفائدة والذكاء الاصطناعي: الوجه الآخر للعملة

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، قال أنتراس: «أسعار الفائدة المرتفعة، مضافةً إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، تحد دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن، الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ويرى أنتراس أن هذا النمو هو المُخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».

قلق الوظائف... والتدخل الحكومي

لم يخفِ أنتراس قلقه العميق تجاه سوق العمل، حيث عدّ أن التحدي المقبل مزدوج وخطير؛ فهو يجمع بين مطرقة المنافسة الصينية وسندان الأتمتة عبر الذكاء الاصطناعي. وقال أنتراس بلهجة تحذيرية: «أنا قلق جداً بشأن مستقبل العمالة؛ فالمنافسة الشرسة من الصادرات الصينية، إذا تزامنت مع أتمتة الوظائف عبر الذكاء الاصطناعي، قد تؤدي إلى اضطرابات حادة في سوق العمل، وتحديداً بين أوساط العمال الشباب».

وأكد أنتراس أن هذا المشهد لا يمكن تركه لقوى السوق وحدها، بل يتطلب استراتيجيةً استباقيةً. «هنا تبرز الحاجة الماسة لتدخُّل الحكومات، وهو تدخُّل يتطلب موارد مالية ضخمة، واستعداداً عالي المستوى». ويرى أنتراس أن المَخرَج الوحيد هو «شرط الإنتاجية»؛ فإذا أثبتت التقنيات الجديدة قدرتها على رفع الإنتاجية بالقدر المأمول، فإن هذا النمو سيوفر للحكومات «الحيز المالي» اللازم لتعويض المتضررين وإعادة تأهيل الكوادر البشرية. واختتم هذه النقطة بالتأكيد على أن النجاح يكمن في «إيجاد توازن دقيق بين معالجة الآثار السلبية قصيرة المدى، والاستثمار في المكاسب الاستراتيجية طويلة الأجل».


الهند وماليزيا تتعهّدان التعاون في مجال الرقائق الإلكترونية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
TT

الهند وماليزيا تتعهّدان التعاون في مجال الرقائق الإلكترونية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)

جدَّد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا ​مودي، ونظيره الماليزي أنور إبراهيم، الأحد، تعهداتهما بتعزيز التجارة، واستكشاف أوجه التعاون المحتملة في مجالات أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية والدفاع وغيرها.

جاء ذلك في إطار زيارة يقوم بها مودي لماليزيا تستغرق ‌يومين، وهي الأولى ‌له منذ أن رفع ‌البلدان ⁠مستوى ​العلاقات ‌إلى «شراكة استراتيجية شاملة» في أغسطس (آب) 2024.

وقال أنور إن الشراكة تشمل تعاوناً عميقاً في مجالات متعددة، منها التجارة، والاستثمار، والأمن الغذائي، والدفاع، والرعاية الصحية، والسياحة.

وأضاف في مؤتمر ⁠صحافي بعد استضافة مودي في مقر ‌إقامته الرسمي في العاصمة الإدارية بوتراجايا: «إنها (شراكة) شاملة حقاً، ونعتقد أنه يمكننا المضي قدماً في هذا الأمر وتنفيذه بسرعة بفضل التزام حكومتينا».

وعقب اجتماعهما، شهد أنور ومودي توقيع 11 ​اتفاقية تعاون، شملت مجالات أشباه الموصلات، وإدارة الكوارث، وحفظ السلام.

وقال ⁠أنور إن الهند وماليزيا ستواصلان جهودهما لتعزيز استخدام العملة المحلية في تسوية المعاملات عبر الحدود، وعبَّر عن أمله في أن يتجاوز حجم التجارة الثنائية 18.6 مليار دولار، وهو الرقم الذي سُجِّل العام الماضي.

وأضاف أنور أن ماليزيا ستدعم أيضاً جهود الهند ‌لفتح قنصلية لها في ولاية صباح الماليزية بجزيرة بورنيو.